Your rating: لا يوجد (1 vote)
عدد القراءات: 2839

لماذا أصبح اللاجئون السوريون ورقة تفاوض ومساومة بين أوروبا وتركيا؟

الكاتب الأصلي: 
Juliette Tolay و Bayram Balci
تاريخ النشر: 
22 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

إلى حد بعيد، تعتبر تركيا البلد الذي استقبل العدد الأكبر من اللاجئين السوريين الهاربين من الحرب المتأججة ضدهم والتي تجتاح بلادهم وتمزقها. بحسب آخر البيانات الواردة من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، حوالي 5 ملايين لاجئ، يتواجد منهم في تركيا ما يقارب 3 ملايين لاجئ. الشيء الذي جعل منها الدولة الأولى استضافةً للاجئين في العالم. تدفقهم المستمر وبأعداد كبيرة حثّ أنقرة على تعديل سياسة الاستقبال لديها. في الفترة الأولى كانت السلطات تعتقد بأنه موضوع عابر، وأنها قادرة على مراعاة الاعتبارات الإنسانية والتغلب عليها، وقد تولت تركيا الأمر بنفسها وقامت بالترحيب بحفاوة بهؤلاء اللاجئين، رافضةً أي مساعدة أو تدخل أجنبي.

 

ولكن الشيء الذي أجبر أنقرة في الفترة الثانية على تدويل هذه المسألة، هو استمرار الحرب في سوريا ونزف اللاجئين على أبوابها. واليوم تركيا غارقة في الصراع الدائر، في أزمة سورية لا نهاية لها، لا بل حتى معزولة وقد تخلى عنها حلفاؤها في هذه الأزمة، وتشعر تركيا بالمرارة والاستياء، من جعل مسألة اللاجئين أداة في السياسة الخارجية الانتهازية خصوصاً مع أوروبا. وبكل أسف، لا التطورات المستجدة على صعيد الحرب في سوريا ولا تلك الأحداث المستجدة في الداخل التركي كفيلة بإتاحة الفرصة للعودة إلى اتباع سياسة سليمة إزاء مسألة اللاجئين.

 

الاستقبال الأولي والترحيب السخي المقتصر على اللاجئين السوريين حصراً ودون غيرهم من قبل تركيا

السياسة المتبعة من قبل تركيا نحو اللاجئين عموماً تطابقت مع تلك التي أتبعتها نحو السوريين بعد اندلاع الحرب في سوريا بأسرها منذ شهر آذار 2011.

هذا الالتزام السياسي الذي تم اتباعه مبدئياً، لتدبير احتياجات السوريين بالقدر المستطاع، كان الدافع له هو الرفض للتدخل الدولي.

بعد أن أخفقت عمليات الوساطة لدى بشار الأسد، أصبحت تركيا (أردوغان) بشكل تدريجي ملتزمة  بالإطاحة بنظام الأسد والإشهار في أعمال العنف المرتكبة ضد الشعب السوري. وبعدها قامت بفتح حدودها للاجئين، وجهزت لهم المخيمات، ووفرت لهم خدمات الرعاية الصحية والتعليمية ولاحقاً سمحت لهم بالدخول في سوق العمل. هذا الالتزام السياسي الذي تم اتباعه مبدئياً، لتدبير احتياجات السوريين بالقدر المستطاع والذي كان يترجم من خلال الرفض لأي مساعدة أو تدخل أجنبي وكان ينعكس في منهج الفخر الوطني. في الوقت نفسه، قامت تركيا عبثاً بالضغط لدى الأمم المتحدة وكبرى القوى الدولية من أجل إنشاء منطقة آمنة على التراب السورية وضمان بقاء اللاجئين داخل بلدانهم.

 

اللاجئون، مدة مكوثهم وحجم الخسائر المادية والديموغرافية والسياسية

ولكن السياسة السخية لتركيا جعلتها في نهاية المطاف أمام اختبار حدود تحملها في وجه هذا الصراع الطويل والتدفق المتزايد والمستمر للسوريين الباحثين عن ملاذ آمن.

بالكاد استطاعت المخيمات استضافة ما يتعدى 10% من اللاجئين، وتم توزيع الغالبية العظمى منهم على المدن.

اليوم، بالكاد تستضيف المخيمات 10% من اللاجئين، فالغالبية العظمى منهم توزعوا داخل المدن، منخرطين في المجتمع التركي، الذي أخذ شيئاً فشيئاً ينظر للاجئين نظرة أكثر حدة لا بل أكثر عدائية. وعلى الرغم من أن الرأي العام القومي والمحلي متعاطف برمته مع هذه المسألة، إلا أنه بدأ تباعاً بالإعراب عن قلقه المتزايد إزاء ارتفاع أسعار العقارات، والمنافسة غير المشروعة وغير النزيهة في سوق العمل، وعدة وقائع جرمية والدعارة، نسبت جميعها إلى اللاجئين عن طريق وسائل الإعلام. والشيء الذي يعد حقيقةً الأكثر إثارة للجدل هو تأثيرهم الاقتصادي. بالطبع، فبناءً على تصريحات أردوغان، قامت الدولية التركية فعلياً بدفع مبلغ 10 مليون دولار. ولكن أيضاً ساهم توطين اللاجئين في مدن حدودية عدة في تنمية وتنشيط الاقتصاد المحلي. ولم يعد ذلك بالفائدة فقط على صناعات المواد الغذائية والزراعية وفي أعمال البناء فحسب، لا بل أيضاً عاد بالفائدة على عدد من المنظمات غير الحكومية وعدد من الهيئات والمنظمات الدولية المعنية بشؤون اللاجئين. في الواقع، في سنة 2013، قامت تركيا أخيراً بفتح أبوابها للمجتمع الدولي من أجل القدوم وتقديم الإغاثة إلى مجموعات اللاجئين: وعلى الرغم من أنها تمكنت من تنفيذ العديد من المشاريع، إلا أن هذه المنظمات الدولية غير راضية عن الوضع ولا زالت تشعر بالإحباط نتيجةً للتعقيدات الإدارية المفروضة عليها من قبل تركيا، والحكومة التركية تقول أنها مستاءة من المساهمات الخارجية المحدودة جداً.

 

توطين اللاجئين في مدن حدودية عدة ساهم في تنشيط الاقتصاد: صناعات المواد الغذائية والزراعية وأعمال البناء، وعادت بالفائدة على منظمات غير حكومية ومنظمات دولية

أثر التوطين الطويل الأمد لهؤلاء اللاجئين على التركيبة السكانية في تركيا وعلى التوازن المذهبي والعرقي، هي قضية أخرى للمناقشة في تركيا. تخشى الأقليات العلوية والكردية من أن يسعى أردوغان إلى تقوية وتوطيد السيادة السنية في تركيا أو أن يحاول دعم توطين مجموعة من اللاجئين السوريين العرب في المنطقة الكردية. وفي حال ثبت ذلك، فإن هذه الممارسات قد يكون لها تبعات على صعيد التوازن المذهبي والعرقي وعلى الانتخابات المحلية، ولكن تبعاتها على الصعيد الوطني يعتقد أن تكون ضيقة ومحدودة أكثر. فضلاً عن ذلك، فاللاجئون الذين يتوفر لديهم من الآن فصاعداً بطاقة تعريف، يستطيعون التحرك والسكن أينما يريدون، وهذا بالأحرى يعني في المدن الرئيسية الكبرى من الغرب، مثل مدينة إزمير ومدينة استنبول.

والرهان السياسي الآخر من إقامة اللاجئين الطويلة هو مشروع منح الجنسية التركية للسوريين، وبناءً عليه، فإن الدستور بحكم الواقع أصبح لديه قوة انتخابية لا يستهان بها.

فمن خطاب أردوغان الذي أجراه في شهر تموز 2016، مشجعاً فيه على تجنيس قسم من اللاجئين هل يمكن أن نعتقد أنه يستخدم هذا الأسلوب تعاطفاً ورحمة أو لضمان نجاح حساباته السياسية؟ فجرت هذه الاحتمالية الاحتجاجات لدى المعارضة ولدى جزء كبير من الناخبين لحزب العدالة والتنمية الذي اختتم أعماله في الوقت الحالي. ولكن في صعودهم ضد تجنيس اللاجئين، متجاهلين المأساة الإنسانية والمشاق الذي يتحملونه، أثبتت المعارضة أنها هي الأخرى بإمكانها أن تخضع لحساباتها السياسية وحتى أن تدفع بالمزيد من اللاجئين إلى أحضان حكومة حزب العدالة والتنمية.

 

اللاجئون كوسيلة تفاوض ومساومة بالنسبة لأوروبا

إذاً، فقد استثمرت تركيا رؤوس أموالها ورمزيتها إلى حد كبير في استضافة اللاجئين السوريين. ولكن النتائج المتوقعة من مكاسب مهيبة على صعيد السياسة الداخلية والخارجية، كانت مخيبة للأمل. حينها وبكل أسف، حولت الحكومة التركية اللاجئين السوريين إلى ورقة للمساومة والتفاوض، ومع التأييد الأوروبي لهذا، ومع علاقاتها العصيبة مع الاتحاد الأوروبي.

 

النتائج المتوقعة من مكاسب مهيبة على صعيد السياسة الداخلية والخارجية، كانت مخيبة للأمل.

خلال أزمة تدفق اللاجئين التي واجهتها أوروبا في صيف 2015، توجه الاتحاد الأوروبي الذي يضم 28 دولة عضو نحو أنقرة من أجل التفاوض معها، خرجت منها بحلول للإبقاء على اللاجئين في تركيا. وأيضاً في شهر تشرين الثاني من 2015 وشهر آذار من 2016 تم انعقاد قمم أوروبية- تركية عرضوا فيها على تركيا فرصة لتقديم شروطها، المؤلفة من ثلاثة وهي:

. تلتزم تركيا بالاحتفاظ باللاجئين إذا شاركت أوروبا في تقديم كفالة مالية لهم تصل إلى 6 مليار يورو.

. وأما الشرط الذي اعتبر الأكثر صدمة لمنظمات حقوق الإنسان: تلتزم تركيا بإحكام سيطرتها بشكل أفضل على تدفق اللاجئين إذا فتحت أوروبا باب العضوية لانضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي.

. أخيراً، تلتزم بروكسل برفع تأشيرة الدخول من أجل أن يتحرك مواطنوها الأتراك بحرية في أوروبا.

 

ذلك المقترح، محض نتاج لمنطق براغماتي (عملي) ولكنه يتعارض مع الأخلاق ككل وفيه انتهاك صارخ للعديد من القواعد والمعايير الأوروبية التي تتعلق بحقوق الإنسان، وكذلك تحمل في طياتها انتهاكاً لحقوق اللاجئين. استغلال اللاجئين يعكس صفاقة كل من أردوغان وأوروبا في إدارة الأزمة. ويحمل كذلك ضرراً كبيراً في مصداقية السخاء والكرم الظاهر من تركيا نحو السوريين. سقوط حلب وفشل أتباعها في أنقرة من جهة، وانجراف التسلط والسيطرة التركية بعد الانقلاب العسكري الفاشل في شهر تموز وعلى خلفية من هجمات إرهابية متكررة من جهة أخرى، كل ذلك لا يدعم فرصة العودة إلى سياسة أنقرة وأن تنهج في نهجاً أقل سياسياً، وأكثر فاعلية وفائدة للسوريين في تركيا.

 

لمعرفة المزيد، إقرأ دراسة مركز الدراسات والأبحاث الدولية CERI n°225,

على الرابطhttp://www.sciencespo.fr/ceri/fr/papier/etude

 

علِّق

المنشورات: 28
القراءات: 260082