عدد القراءات: 6756

لعبة الموت في الشرق الأوسط.... المؤامرة ما بين الحقيقة والوهم

 

عشية الانقلاب الذي كُتِبَ لهُ وعليهِ الفشَل في تركيا، امتلأت الأوساط الإسلامية على مواقع التواصل الاجتماعي برواية تآمر الغرب الصليبي الكافر وانقلابه على الزعيم والقائد المسلم، الطيب إردوغان، قبل أن تمحوها مع خيوط الصباح التالي مباشرةً رواية المؤامرة التي خرج بها أنصار الطرف الآخر، حول أن إردوغان قد حوَّلَ البلد بأكملها إلى مسرحٍ كبير، وجعل من مئات آلاف المواطنين والضباط والشخصيات القيادية والمعارضين وأصحاب المراكز الحساسة مُجرَّد دُمى حرَّكها كيفما يشاء في سيناريو هوليوودي هو كاتبه وضحيته وبطله..!!

 

عموماً، نظرية المؤامرة على طريقة ( جماعتي مستهدفة من الجميع ) لها حضورها القوي في عقول ووجدان أنصار الأنظمة الاستبدادية بشكليها: الأنظمة العسكرتارية البوليسية، والأنظمة الدينية الكهنوتية، وذلك لأنها تعُطِّل المنطق السببي في الربط بين الأسباب والنتائج، وتدفع بأصحابها للغرق أكثر فأكثر في وحل التعصُّب والتطرُّف، ما يحرمهم من أن يرفعوا رؤوسهم ليبصروا من زاوية أعلى تتيح لهم رؤيةً أكثر اتساعاً، وبالتالي قراءةً أكثر حكمةً وتصالحاً مع الذات ومع الآخرين

أكتبُ في هذا الموضوع تحديداً لأنَّ نظرية المؤامرة كانت واحدة من أهم محطاتي الفكرية في سنوات المراهقة، بل إنَّها شكَّلت لدي في ذلك الوقت ولعاً فكرياً تأثُّراً بما قرأته في كتاب " أحجار على رقعة الشطرنج " للكاتب الأمريكي " ويليام كار " والعشرات من الكتب التي قرأتها لاحقاً في هذا المضمار. ومع بداية المخاض العنيف الذي تعرضت له المنطقة منذ سنة 2011 كانت قراءتي للمشهد السياسي من هذا المنظار تحديداً، ففتح ذلك عيني على الكثير من الحقائق، وأضلَّني عن حقائق أخرى، قبل أن أتمكن مع مزيدٍ من النضج الفكري من وضع نظرية المؤامرة نفسها تحت عدسة المنطق والتفكير النقدي،  فتأكَّدَت وتثبتت لدي أكثر بعض القناعات، وتراجعت عن بعضها الآخر، وتبلورت لدي صورة أعتقد أنها أقرب للواقع وتنسجم إلى حد مقبول جداً مع الأحداث التي تعصف ببلدنا وتعيشها منطقتنا. لا أريد الإطالة في الجانب الشخصي، لكن أعتبر أنه من حق القارئ أن أخُصَّهُ بنبذة عن دوافعي وأسبابي في كتابة هذا المقال، ولمحة سريعة عن التجربة الفكرية التي أفضت بي إلى ما أتبناه " اليوم " من رؤية، فنحن والقارئ شركاء في طرح الأسئلة والبحث "المستمر" عن الأجوبة

 

دعونا نتَّفق أولاً ومهما كان تصوُّرُنا عن " المؤامرة " ألَّا نقعَ في الأخطاء الكارثية التالية، والتي يقع بها معظم من يتبنى أي نموذج من نماذج نظرية المؤامرة من عامة الناس إلى الإعلاميين والخبراء والمحللين:

-         ألَّا يقودنا فهمنا وتصورنا عن المؤامرة إلى تفريغ الأحداث من مضمونها الوجداني والشعبي

-         ألَّا يقودنا فهمنا وتصوُّرنا عن المؤامرة إلى معاكسة إرادة الشعوب، والتصدي لها في توقها للحرية، وجموحها المستمر للتغيير نحو الأفضل.

-         ألَّا يقودنا فهمنا وتصوُّرنا عنها إلى إنكار المنطق السببي في وقوع الأحداث وتتالي المستجدات، أو التغافل عن الروابط المنطقية والموضوعية بين الأسباب والنتائج

-         ألَّا يقودنا فهمنا وتصورنا هذا إلى تبرئة المجرمين والقتلة واللصوص والفاسدين، أو تبرير الأخطاء وإلصاقها بشماعة المؤامرة

-         ألَّا يقودنا فهمنا وتصورنا عن المؤامرة إلى حالة من البارانويا، والشك المرضي المفرط، والتهيؤات المبالغ بها، ولا سيما عندما تكون تلك المؤامرة مُمارسة في ذهن صاحبها من قبل الجميع ضد جماعته وحدها دون غيرها

-         ألَّا يقودنا فهمنا وتصورنا عن المؤامرة إلى التسليم المُطلَق بأنَّنا كأفراد وشعوب لا حول لنا ولا قوة، ولا قدرة لنا على تغيير الواقع المحيط بنا. فكما لأية مؤامرة مفاتيح نجاح، فثمَّة مفاتيحَ هناك لإفشالها

 

ولكي نحاول أن نكون حياديين قدر الإمكان في توصيف طبيعة وماهية المؤامرة التي تعيشها شعوب منطقتنا، فإنَّ علينا التجرُّد من جميع الانتماءات والآراء والقناعات المسبقة، والنظر إلى المشهد من الأعلى، والبحث عن هرم المصالح المشتركة من كل ما يحدث في المنطقة.

سوف نجد أن قمّة هذا الهرم هي عند ائتلاف مافيات تجار الحروب، التي تمارس استثمارها التجاري المربح جداً جداً من خلال أربعة دكاكين تتوضع عند قاعدة الهرم  تبدو على أنها متحاربة ومتعارضة في مصالحها، لكن استمرارية هرم استثمار تجار الحروب لمنطقتنا هو في الواقع رهنٌ لتقاطع سحريٍّ وعجيبٍ في المصالح بين تلك الدكاكين التي تتفاعل مع بعضها البعض باستمرار مولدةً مجموعة كبيرة من المسارات التي قد تتقاطع في بلد واحد أحياناً ( كما يحدث في سوريا اليوم مثلاً ) مولدةً المزيد من الأحداث التي تحقق المزيد من المصالح المتجهة بشكل تصاعدي نحو قمة الهرم.

 

هذه الدكاكين هي:
 1) الأنظمة البوليسية/العسكرتارية، 2) الإسلام السياسي السُّنِّي 3) الإسلام السياسي الشيعي، 4) الكيان الصهيوني

 

سوف أُقسّم المقال إلى سبعة أسئلة، يكون الجواب على كُلٍّ منها على شكلِ بنودٍ مُقتَضَبة ورؤوسِ أقلامٍ وملاحظاتٍ صغيرة، فالمقال في الواقع هو بذرةُ بحثٍ ضخمٍ جداً، ودعوةٌ للقراء إلى المشاركة في مناقشة الإجابات والإضافة عليها والتوسع في التحقيق فيها

1) لماذا تجارة الحرب هي من أضخم الاستثمارات التجارية لملَّاك الثروة العالمية..؟!
2) لماذا تم اختيار منطقتنا وشعوبنا تحديداً لاستثمارها في تجارة الحرب والموت..؟!
3) ما هي التربة الخصبة لاستثمار تجار الحروب؟ وكيف تضمن الدكاكين المذكورة استمرار خصوبتها؟
4) ما هي المصالح المشتركة بين الأنظمة العسكرتارية/البوليسية والكيان الصهيوني؟
5) ما هي المصالح المشتركة بين الأنظمة العسكرتارية/البوليسية والإسلام السياسي؟
6) ما هي المصالح المشتركة بين الكيان الصهيوني والإسلام السياسي؟
7) ما هي المصالح المشتركة بين جناحي الإسلام السياسي السُنّي والشّيعي؟

 

1)    لماذا تجارة الحرب هي من أضخم الاستثمارات التجارية لملَّاك الثروة العالمية؟

أ‌)       لأن تجارة الحرب تعني تجارة السلاح بمليارات الدولارات، السلاح الذي يُباع بطبيعة الحال لجميع الأطراف المتصارعة!

ب‌)  لأن تجارة الحرب تعني الاستثمار لاحقاً في إعادة الإعمار عبر الشركات العالمية.

ت‌)  لأن تجارة الحرب تعني تجارة المخدرات، وكافة المحظورات والممنوعات، في ظل الفوضى والانفلات الأمني.

ث‌)  لأن الحرب هي فرصة مُثلى لنهب ثروات أي بلد، سواءً مصادر الطاقة، أو الآثار، أو الثروة البشرية، إلخ...

ج‌)    لأن تجارة الحرب تعني موت الكثيرين، وهذا بحد ذاته هدف لكل من يعمل في الخفاء في هذا العالم على تطبيق نظرية المليار الذهبي على ضوء نظرية صراع الحضارات، وبقناعة أن الشعوب الأقل تحضراً والأكثر تخلفاً يجب أن تموت وتفنى لتعيش الشعوب الراقية بأمان وسلام واكتفاء مادي ورخاء.

وهذا غيضٌ من فيض......

 

2)    لماذا تم اختيار منطقتنا وشعوبنا تحديداً لاستثمارهما في تجارة الحرب والموت..؟!

أ‌)       بسبب التنوع الحضاري والثقافي والقومي والديني والمذهبي في المنطقة.

ب‌)  بسبب ما رسَّخته عقود الديكتاتورية والاستعمار، ومن قبلها قرون الاحتلال العثماني من جهل وتخلُّف وشرذمة.

ت‌)  بسبب ما تتميز به المنطقة من أهمية تاريخية، وجيوسياسية، وغنى بالثروات الطبيعية، ومصادر الطاقة.

ث‌)  بسبب الدم الساخن للشعوب المشرقية، والذي يُسهّل تحريضها على القتال والاقتتال.

ج‌)    بسبب العقلية القبلية والعشائرية لشعوب المنطقة، وسهولة اللعب على هذا الوتر لدفعها للتصارع دفعاً.

ح‌)    بسبب كون شعوب المنطقة مُدجّنة بما فيه الكفاية عبر قرونٍ وعقود لتسييرها بسهولة مُطلَقَة مِن قِبَل أيِّ راعٍ جديد.

 

3)    ما هي التربة الخصبة لاستثمار تجار الحروب؟ وكيف تضمن الدكاكين المذكورة معاً استمرارية خصوبة هذه التربة؟
 

أ‌)       تكريس الجهل والتخلُّف، واغتيال الوعي السياسي والديني والاجتماعي، وهو ما تقوم به جميع الدكاكين المذكورة دون استثناء كُلَّما تواجدت في موقع السلطة دفاعاً عن وجودها واستمرارية تسلُّطها على رقاب العباد.

ب‌)  تكريس الفكر العشائري ( نحنُ، وهُم )، بحيث تكون التركيبة الاجتماعية لشعوب المنطقة هي تركيبة قبلية عشائرية تتنافى مع قيم الوطنية ومفهوم المواطنة التي تضمن تساوي جميع المواطنين في الحقوق والواجبات بحكم الانتماء للوطن الواحد.

ت‌)  تكريس الفقر والظلم والفساد وغياب العدالة الاجتماعية، فكل هذه المظاهر تصب في مصلحة تجار الحرب في أعلى الهرم لأنها تُحوّل الشعوب إلى قنابل موقوتة، وتوفِّر لجميع الدكاكين فرصة ربحية في المشاركة في امتصاص دماء وخيرات الشعوب المُستغلّة المستضعفة

ث‌)  تقسيم الشعوب إلى وحدات أصغر بحيث يمكن التحكُّم بكُلٍّ منها من خلال مفاتيح معينة، وتتولى الدكاكين المذكورة هذه المهمة بكل سرور مستمتعةً بزيادة أنصارها

ج‌)    اغتيال الرأي الآخر، وكل ما يمت له بصلة، في الوعي الجمعي العربي والإسلامي، فعدم قبول المختلف هو بداية الطريق للدخول في حرب معه. هذا ما تمارسه الدكاكين المذكورة كل يوم، سواءً الأنظمة الاستبدادية العسكرتارية، أو الأنظمة الدينية الكهنوتية

ح‌)    تعميق التطرُّف والتعصُّب، وهو ما يصب في خانة تجار الحروب من جهة لما له من دور عميق في تسريع حدوث الصدامات السياسية والدينية والاجتماعية، ويخدم جميع الدكاكين المذكورة، لأن وجود كل منها يتطلَّب وجود حشود بشرية ممتلأة تطرفاً وتعصباً تدافع عن كينونته واستمراره

 

4)    ما هي المصالح المشتركة بين الأنظمة البوليسية/العسكرتارية من جهة، والكيان الصهيوني من جهة أخرى؟
 

أ‌)       تُسقِط الأنظمة البوليسية/العسكرتارية من حساباتها تماماً أن الجزء الأهم من مقاومة العدو الصهيوني يكون في المزيد من التنمية البشرية والتقدم العلمي والحضاري والوعي الاجتماعي والتفكير الحر القادر على الإنتاج والإبداع والابتكار والمنافسة والتفوق، وهذه أعظم خدمة لاسرائيل الدولة التي أصبحت تتفوق علمياً وتكنولوجياً على العرب بسنوات ضوئية. وهذا طبعاً في صالح تجار الحروب.

ب‌)  تستفيد الأنظمة البوليسية/العسكرتارية أيّما استفادة من حالة التوتر والحرب المستمرة مع اسرائيل، عندما تمارس كافة أشكال الإقصاء والإيذاء والمحاصرة والتصفية على معارضيها، وعلى كل من لا يعجبها، ولا يتطلب الأمر إلا إلصاق تهمة العمالة لاسرائيل بأي شخص

ت‌)  تستفيد الأنظمة البوليسية/العسكرتارية استفادةً قصوى من وجود العدو الصهيوني في وجدان شعوبها، فتبرِّر عجزها عن تقديم خدمات وإصلاحات وإنجازات حقيقية تجاه شعوبها بوجود اسرائيل على حدودها أو بالقرب منها، وبالتالي فإن مناقشة أية قضية تخص حياة الشعوب أو حقوقها أو كراماتها أو حريتها هو موضوع مؤجل حتى إشعارٍ آخر، ومن يعترض على ذلك فهو صهيوني عميل متآمر يمكن تطبيق الأحكام العرفية عليه مباشرةً وزجّه في زنزانة مظلمة

 

5)    ما هي المصالح المشتركة بين الأنظمة البوليسية/العسكرتارية والإسلام السياسي..؟!

أ‌)       عندما يدخل الكهنوت الديني تحت عباءة سلطة المستبد السياسي، فإنَّهُ يُصبِحُ أداةً طيّعة لتطويع الناس وترويضهم للتصالح مع واقع الاستبداد. الحرية كُلُّ واحد لا ينفصل، والكهنوت يُحوِّلُ الشعوب لقُطعان مستعبدة، تنبذ الحرية لأنها كفر، وتصمت عن الفساد تحت باب طاعة ولي الأمر، وتُجمِّلُ الفقر والذل والمعاناة تحت عنوان القضاء والقدر.

ب‌)  الكهنوت الديني يحقق للمستبد السياسي أو العسكري أهم ما يحتاجه أي مستبد: فرِّق تَسُد، وهو ما يُمكِّن المستبد من اللعب على التناحر الديني والطائفي والمذهبي في المجتمع كأداة دفاعية عندما يتعرض وجوده للخطر.

ت‌)  عندما يخرج الإسلام الكهنوتي السياسي من تحت عباءة سلطة المستبد السياسي أو العسكري، وينقلب عليه، فإنه بطبيعة الحال سوف يعلن الجهاد المقدس ضده، وهنا يُقدِّم ورقة رابحة مجانية للمستبد الذي سوف يُقدِّم نفسه في هذه الحالة بديلاً وحيداً عن "الإرهاب".

ث‌)  وفي المقابل فإنَّ الاستبداد السياسي يُقدِّم خدمة كبيرة جداً للإسلام الكهنوتي السياسي، لأنه يُكرِّس الظروف المثلى التي يمكن للتطرف الديني أن يترعرع فيها، من قمع للحريات وظلم وفساد وفقر وجهل وغياب للوعي وغياب العدالة الاجتماعية.

ج‌)    الإسلام الكهنوتي السياسي يجب أن يكون ممتناً جداً للاستبداد السياسي والعسكري الذي يقوم بالمستحيل لمنع ظهور أي كيان معارض ذو طابع علماني، ويتحرك بجميع الطرق والوسائل ليدافع عن احتكارية الإسلاميين لمنصة معارضته!

ح‌)    الإسلام الكهنوتي السياسي يُمكِّن النظام الاستبدادي السياسي/العسكري من حشد الأقليات الدينية والمذهبية (مع تحفظي الشديد على المصطلح) لصالحه عند الأحداث الكبرى

خ‌)    الأنظمة البوليسية/العسكرتارية عادةً ما تُقدِّم نفسها على أنَّها أنظمة "علمانية"، لكنها في الواقع أبعد ما تكون عن العلمانية، فهي تبدأ بخيانة العلمانية عندما تقبل بالتحالف مع أمراء الطوائف من تحت الطاولة لتثبيت وجودها في السلطة، وعندما تقوم بكل ما في وسعها للدفاع عن احتكارية الإسلاميين للمنصة المعارضة. وأما عندما تنفلت الأمور وتبدأ الفوضى، تضع الأنظمة البوليسية/العسكرتارية شعوبها في خانة الاختيار بين خيارين أحلاهما مر: إما نحن وإما الإرهاب الديني!
الصورة العلمانية للأنظمة البوليسية/العسكرتارية هي صورة وهمية ناتجة عن المقارنة بين هذه الأنظمة، وبين النظام الكهنوتي المتطرف البديل، ويجب على الناس أن تدرك هذه الحقيقة، وتفك الاختلاط الحاصل لديها بين العلمانية والاستبداد!

ملاحظة:

د‌)      لا مانع لدي أبداً من استبدال مصطلح "العلمانية" بأي مصطلح بديل يُدلِّل على عقد اجتماعي قوامه المواطنة والتساوي التام في الحقوق والواجبات والقيمة الإنسانية بين جميع مواطني البلد الواحد، إذا كان مصطلح العلمانية يزعج الكثيرين، لكن نكتب الواقع كما هو.

 

6)    ما هي المصالح المشتركة بين الكيان الصهيوني والإسلام السياسي؟

أ‌)       إن التسويق للقضية الفلسطينية أمام الرأي العام العالمي، وأمام الإعلام الغربي، على أنها قضية إسلامية، يجعل كل من هو بعيد عن مسرح الأحداث يُقيّم الموقف على أنه صراع ديني بين المسلمين واليهود، وليس على أنه صراع بين شعب أعزل صاحب حق، وكيان مغتصب محتل.

ب‌)  في ظل ظاهرة "الإسلاموفوبيا" أو "رُهاب الإسلام" المتفشية اليوم وإلى درجة غير مسبوقة في العالم، تصبح القضية الفلسطينية خاسرة تماماً أمام الرأي العام العالمي طالما أنَّ المقاومة تأخذ طابعاً دينياً، وتنتمي لمنظمات ذات أجندة وشعارات جهادية، بينما ينجح اليهود اليوم ببراعة في التسويق لأنفسهم على أنهم قومٌ متحضرون ومسالمون.

ت‌)  تستفيد اسرائيل من وجود الإسلام السياسي في المنطقة، بجناحيه السني والشيعي، لتوجد مبرراً لتهويد فلسطين، الأمر الذي يصبح مقبولاً ضمن بيئة تسيطر فيها أنظمة دينية كهنوتية على الدول المحيطة، بينما كان سوف يكون مستهجناً للغاية لو تم حصار اسرائيل ضمن بيئة مدنية علمانية في الدول المحيطة.

ث‌)  يستفيد تجار الحرب في أعلى الهرم من تضارب الروايات التاريخية والعقائدية، الإسلامية واليهودية، ما بين المسجد الأقصى وهيكل سليمان، والتنازع على الهوية الحقيقية للمنطقة.

ج‌)    تستفيد إسرائيل من العداء بين جناحي الإسلام السياسي، السني والشيعي، لتفرض نفسها على ساحة الحدث، وترغم الحكومات والشعوب العربية على التعامل معها، واعتبارها العدو الأقل خطورةً.

ويمكن للقارئ أن يطَّلع على مقالٍ سابق لي منشور أيضاً على موقع السوري الجديد بعنوان " المقاومة الإسلامية واغتيال القضية الفلسطينية " يخوض في هذا الموضوع تحديداً. س

 

7)    ما هي المصالح المشتركة بين جناحي الإسلام السياسي، السني والشيعي..؟!

أ‌)       يستفيد كُلٌّ من زعماء الإسلام السياسي، السُّني والشِّيعي، على حدٍّ سواء، من وجود الطرف الآخر، ما يُساعِد كل زعيم على السيطرة على أتباعه أكثر.

ب‌)  تُعتَبَر بُنية الإسلامين السياسيين، السُّني والشيعي، بُنيةً واحدة في حقيقة الأمر، وقد قام المرشد الحالي للثورة في إيران علي خامنئي في السابق وخلال مرحلة الثورة بترجمة مؤلفات سيد قطب وغيره من مفكري الإخوان المسلمين.

ت‌)  وليس من الغريب أن نجد إيران تدافع عن الإخوان المسلمين في مصر، وتُركيا، وتُعلِن اصطفافها إلى جانبهم، وتُبدي قلقاً واضحاً من هزيمتهم وتقهقرهم، وذلك لأن الإسلام السياسي الشيعي برغم كل عداءه للإسلام السياسي السني، فهو يعتبره شريكاً في إسقاط المشروع العلماني. تخيلوا مثلاً أن يقوم نظام علماني في سوريا، ومن ثم تمتد الموجة العلمانية إلى العراق! ألا يهدد ذلك سلطة الولي الفقيه والإسلام السياسي الشيعي في إيران..؟!

ث‌)  يُدرِك زعماء الإسلام السياسي الشيعي أن الشيعة يُشكِّلونَ ما لا يزيد عن 15% من تعداد المسلمين في العالم، وبالتالي فهم لا يطمحون إلى إزالة الإسلام السياسي السني، بل على العكس هم يستفيدون من انتشاره في المناطق البعيدة عن المصالح الاستراتيجية لإيران، لأنه من الأسهل مستقبلاً وعلى المدى البعيد أن يتوسع المد العقائدي الشيعي على حساب المناطق التي يهيمن عليها الإسلام السني، ولكن من الأشبه بالمستحيل مستقبلاً وبعد مائة عام مثلاً أن يحصل المد العقائدي الشيعي على حساب مناطق مشبعة بالفكر العلماني وتجاوزت مرحلة (الحاكمية باسم الله)

ج‌)    يستفيد زعماء الإسلام السياسي الشيعي من الصورة المتطرفة التي تقدمها داعش وتنظيم القاعدة والجهاديون المتطرفون من المسلمين السنة عموماً، سواءً أمام المجتمع الدولي والرأي العام العالمي، أو الرأي العام المسلم، من أجل الترويج للإسلام الشيعي على أنه يتفوق على نظيره السني في الإنسانية والسلام واحترام حقوق الإنسان، وكسب المعركة بالتدريج ضد الإسلام السياسي السني بعد حسم المعركة المشتركة أمام القوى العلمانية.

ح‌)    يستفيد زعماء الإسلام السني من وجود (الخطر الشيعي الإيراني) لتخويف شعوبهم، والتحكم بمصائرهم، وقمع المعارضين، وحتى النشاط والكتاب والباحثين المجددين في الدين والذين قد يهددون نسخته السلفية الحالية، فيتهمونهم بالتشيع والعمالة لإيران وكل ما أمكن من تهم لا تختلف شيئاً عن تهم العمالة والخيانة العظمى التي توجهها الأنظمة البوليسية المستبدة لشعوبها.

خ‌)    يستفيد زعماء الإسلامين السياسيين، السُّنّي والشّيعي على حدٍّ سواء، من ربط عقول أتباعهم بأحداث تاريخية عمرها 14 قرناً، ما يجعل شعوبهم تعيش في الماضي، وتنفعل بأحقاد أكل عليها الدهر وشرب، وهذا يُبقي أنصار الطرفين بعيدين كل البعد عن طريق الوعي والتنوير والحرية.

 

لا يستطيع كاتب المقال أن يزعم بأنَّ هذا الطرح يدخل في خانة الحقائق المثبتة، أو التي يمكن إثباتها بالدليل والبرهان، بل إنَّ هذا المقال هو عبارة عن محاولة لرسم قالب يقدم تفسيراً يقترب قدر الإمكان من الواقع لما يحدث حولنا، ويبقى على القارئ أن يُسقط هذا القالب على ما يهمه من أحداث ومستجدات، ويكون الطرح أقرب للصحة كلما ساعد القارئ على إيجاد تفسيرات منطقية والوصول إلى نتائج تُفسِّر فعلياً ما يحدث حولنا، لكن نُذكِّر ونؤكِّد أنَّ القارئ هو شريك في مناقشة الطرح المذكور، وقد يذهب بعيداً في العمق أكثر مما وصلنا في هذا المقال

 

 

علِّق