No votes yet
عدد القراءات: 16626

لا يمكن طرد إيران من سوريا، ولكن يمكن احتواؤها

الكاتب الأصلي: 
Ranj Alaaldin
تاريخ النشر: 
5 آيار (مايو), 2017
اللغة الأصلية: 

 

حرك استخدام النظام السوري للأسلحة الكيمائية استجابة حاسمة تمثلت بضربة عسكرية نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية.

نددت روسيا بالغارة الجوية يوم الخميس على مطار الشعيرات ولكن من غير المحتمل أن تتجه الأمور للتصعيد وخصوصاً مع ردة الفعل الإيجابية للمجتمع الدولي تجاه الغارة الجوية.

لم يتضح بعد فيما إذا كانت إدارة ترامب تتجه نحو زيادة مشاركتها في الحرب في سوريا ولكنها إذا قررت ذلك فيجب عليها الاستعداد أيضاً للمواجهة مع إيران.

إن النفوذ في سوريا هو تحت سيطرة إيران وأذرعها وليس روسيا، إيران هي التي تسيطر على أرض الواقع، ووفق هذه الوقائع سيتحدد مستقبل سوريا وستتشكل البيئة الناظمة لها في عالم ما بعد الصراع.

تحدثت نيكي هالي السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة عن تحجيم الوجود والنفوذ الإيراني في سوريا.

 

شبكة معقدة

بالنظر إلى الوقائع يصل المرء إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكن القضاء على النفوذ الإيراني في سوريا، لأنه لا يوجد فصيل أو وكيل إيراني محدد يمكن استهدافه وإنما شبكة واسعة من القادة والمقاتلين والموارد والأسلحة التي تمتد عبر المنطقة وصولاً إلى أفغانستان.

ومنذ تدخل النظام الإيراني في النزاع السوري عام 2012 عززت كثير من الميليشيات المدعومة من إيران قبضتها على الأرض. ومن خلال الدعم الذي تلقاه النظام من هذه المليشيات فقد تمكن من تحويل ميزان القوى لصالحه على الأرض.

هذا الأمر لا يدعو للعجب، فقد أمضت إيران قرابة أربعة عقود في رعاية وتخصيص موارد باستمرار للجمعات المسلحة التي يمكن لها أن تعزز نفوذ النظام في المنطقة أو على الأقل تضعف من قوة منافسيها.

لقد عمل الحكام الإيرانيون منذ استلامهم السلطة عام 1979 على إنشاء جماعات مسلحة في العالم العربي. في الثمانينات أسس النظام الإيراني حزب الله اللبناني، جنباً إلى جنب مع جماعات المتمردين الشيعة العراقية الذين قاتلوا نظام البعث وبعضهم اليوم يشكلون أقوى الميليشيات والعناصر السياسية الفاعلة في العراق.

كما قدم النظام الإيراني الدعم إلى حركات المقاومة الفلسطينية مثل حماس والجهاد الإسلامي. في التسعينيات وأوائل القرن الحالي سمح النظام الإيراني للجماعات الجهادية مثل أنصار الإسلام أو ما بات يعرف بتنظيم القاعدة في العراق والذي تحول لاحقاً إلى تنظيم الدولة الإسلامية باستخدام أراضيه كقاعدة لاطلاق الهجمات الإرهابية في كردستان العراق المجاورة.

 

استثمار خبيث

في عالم اليوم تسفر استثمارات إيران السابقة عن مكاسب. ففي حين أن الكثيرين لم يكونوا مستعدين للنظام الإقليمي الناشئ، حيث تقوم الجماعات المسلحة بتوفير الأمن والسيطرة على البيئة المحلية بسبب النزاع وهشاشة الدولة، فإن إيران تتمتع بخبرة طويلة في تجربة واختبار وتعلم الحرب الوسيطة التي تجتاح العالم العربي حالياً.

لعب حزب الله البناني دوراً حاسماً في سوريا منذ استيلاءه على القصير عام 2013. وفي ذلك العام تدفقت أيضاً الميلشيات العراقية إلى سوريا للقتال إلى جانب النظام، كثير من هذه المليشيات قاتلوا بشراسة وكانوا قد اكتسبوا خبرتهم من قتال الجيش الأمريكي والبريطاني في العراق.

أما الميلشيات الشيعية التي أنشأتها إيران ومولتها في العراق فقد مُنحت هويتها الخاصة وبالتالي القدرة على الحصول على موارد محلية وزيادة تدعيم صفوفها في العراق.

وقد أصبحت هذه الجماعات مندمجة في النظام السياسي العراقي، وبات لها الآن فروع راسخة بقوة في سوريا في المناطق التي تسيطر عليها.

وبدأت هذه الفروع في سوريا بدورها بحشد الدعم المحلي ودعم الشيعة في كل المناطق الذين يخشون أن تشكل الإطاحة بالأسد تهديداً وجودياً لهم ككل، وخوفاً من استغلال إيران لهم.

 

تأثير واسع النطاق

إن تأثير إيران في سوريا له بعد ثقافي وديني مما يزيد من تعقيد مهمة مكافحته. لذلك وبدلاً من التركيز على هزيمة إيران في سوريا يجب على الولايات المتحدة التركيز على احتوائها.

لقد بدأت تلك المهمة في يوم الخميس: إن وجود الولايات المتحدة يطمئن أصدقائها ويقلق أعدائها. ففي حين أن ثقتهم كانت عالية من قبل فإن إيران وأذرعها في المنطقة سينظرون من الآن وصاعداً مترقبين ما سيحدث في سوريا.

إن مواجهة إيران على نحو فعال تتطلب مقاربة طويلة الأمد لمشكلة معقدة ومتطورة باستمرار. يجب على الولايات المتحدة أن تواجه المجهود والموارد التي استثمرتها إيران في سوريا الأمر الذي يعني إقامة موطئ قدم لها في سوريا.

إن إنشاء المنطقة الآمنة الذي تدرسه إدارة ترامب والذي دعا إليه حلفاؤها سيشكل جداراً صلباً ضد النفوذ الإيراني. لم يعد الأمر مجرد ضرورة أخلاقية في هذه المنطقة بل ضرورة استراتيجية أيضاً.

من المرجح أن يكون مستقبل سوريا هو نموذجاً اتحادياً يتم بموجبه نقل السلطات إلى مناطق مختلفة. وبالتالي فإن استراتيجية إيران هي أن تستولي على نفوذ لها في هذه المناطق يسمح لها بالسيطرة على السلطات الحاكمة فيها.

 

تكرار النموذج العراقي.

من المتوقع أن تعمد إيران إلى دمج أذرعها ووكلائها والأراضي التي تسيطر عليها حالياً في النظام السياسي بعد انتهاء الصراع وإضفاء الطابع المؤسساتي عليها كما فعلت مع وكلائها في العراق.

إن تواجد الولايات المتحدة على الأرض في سوريا سيعطيها الأفضلية في ساحة الحرب وعلى طاولة المفاوضات وسيمكنها من منع إيران عن محاولة دمج أذرعها ووكلائها وإضفاء الطابع المؤسساتي عليهم.  ستكون المناطق الآمنة بمثابة عازل ضد النفوذ الإيراني وستضمن أن لا تتمكن إيران من تشكيل مستقبل سوريا.

بالرغم من امتلاك موسكو لنفوذ قوي في سوريا فإن يداها مقيدتان هناك. من وجهة النظر الإيرانية سيكون من غير المنطقي سحب ميليشياتها التي توفر لها نفوذاً لا مثيل له، وهذه الميليشيات على أية حال تفوق بكثير القوات التي نشرتها روسيا عدداً وقوة على الأرض.

من جهة أخرى فقد بدأ نظام الأسد وإيران بالابتعاد تدريجياً عن دائرة النفوذ الروسي وهذا يمثل فرصة للولايات المتحدة لتنسيق إجراءاتها مع الروس في محاولة لاحتواء النفوذ الإيراني في سوريا.

----------------------

الكاتب:

رانج علاء الدين (Ranj Alaaldin): زميل باحث في مركز بروكينجز في الدوحة متخصص في الحركات الشيعية والكردية في الشرق الأوسط. 

علِّق

المنشورات: 56
القراءات: 576928

مقالات المترجم