عدد القراءات: 2639

لا إسلام ولا مسلمين دون علمٍ !

 

تضجُّ مساجدُ المُسلمين بأصوات دُعاتهم وأئمَّتهم الذين يبتهلون إلى الله بأن يمحقَ الكافرين ويُهلكَهم ولا يتركَ منهم أحداً أبداً، فما أذكرُ أبداً أنَّ خطبةَ جمعةٍ واحدة خلت من تلك الأُسطوانة التي نتجتْ عن محاولتنا كمُسلمين احتكارَ الله لنا مُدَّعين بأنَّنا أبناؤه وأحبَّاؤه وبأنَّ ما سوانا من البشر زيادةٌ في الخلق لا قيمةَ لها ولا تستحقُّ الحياة !

 

يظنُّ أكثرُ المُسلمين أنَّ الكافرين هم أولئك الذين وُلِدوا لأبوين غيرِ مُسلمين في بلدانٍ لا تحظى بأغلبيَّةٍ من السُّكَّان المُسلمين، كما يظنُّ أكثرُ المُسلمين أنَّ مجرَّد ولادتهم في مُجتمعٍ مُسلمٍ تجعلهم مُسلمين !

إنَّ قضيَّةَ الإسلام أو الكُفر لا تتعلَّقُ أبداً بالمكان الذي يُولَدُ فيه الإنسان، ولا تتعلَّقُ كذلك بنسبه، بل تتعلَّقُ باجتهاداته الشَّخصيَّة التي تقتضي أن يبحثَ عمَّا يراه مُطمئناً له كنهج حياةٍ سليم.

يُولَدُ كلَّ النَّاس على ذات السَّويَّة من الجهل، فلا فرقَ بين مَن يُولَدُ في فرنسا وبين مَن يُولَدُ في المملكة السُّعوديَّة بهذا المعنى لأنَّ اللهَ تعالى يقول :

"وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" سورة النَّحل، الآية 78

 

إنَّ الميِّزات البشريَّة التي ذكرتها الآيةُ السَّابقة "السَّمعَ والبصرَ والفؤاد" هي التي تجعلُ الإنسانَ حُرَّاً و مسؤولاً عن اختياراته، لذلك فهو يعملُ على الاستفادة من تلك الميزات للوصول إلى الدِّين الذي يراه صحيحاً ويطمئنُّ به،  وعلى هذا الأساس فقد أرسلَ اللهُ رسلَه لمساعدة الإنسان على اختيار الطَّريق الصَّحيح مُبيِّناً له المنهجَ الذي يضمنُ له سعادةً في الدُّنيا ونجاةً في الآخرة :

"إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" سورة الإنسان، الآيات 1_2

لكنَّ اللهَ لم يسمح لأنبيائه ورسله بمحاولة إكراه النَّاس على قبول دينه، لأنَّ المعتقداتِ تسكنُ القلوب ولا سُلطةَ لأحدٍ على قلب الإنسان، فكلَّ ما كُلِّفَ به الرُّسلُ هو تبليغُ رسالة الله دون زيادةٍ أو نُقصانٍ :

"وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ" سورة الكهف، الآية 29

 

وقالَ تعالى في ذات المعنى مُخاطباً نبيَّه :

"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" سورة يونس، الآية 99

فالإيمانُ إذاً لا يكونُ إلَّا بعد قَبول رسالة الله، وهذا لا يُمكنُ أن يكونَ موضوعَ بحثٍ عند مَن يُولَدُ حديثاً لأنَّه يُولَدُ جاهلاً ومُفتقراً إلى رسالة الله، فلا أحدَ يُولَدُ مُسلماً، لكنَّ كلَّ النَّاس يُولَدون مُزوَّدين بما يسمحُ لهم بأن يكونوا مُسلمين في لحظةٍ ما من حياتهم.

لذلك فإنَّ الكافرَ ليس هو الذي يُولَدُ في أمريكا مثلاً لأبوين غير مُسلمين، بل هو الشَّخصُ الذي يُنكرُ ويرفضُ آياتِ الله استكباراً بعد أن يقبلَها في داخله، وفي مثال فرعون تعريفٌ دقيقٌ للكُفر حيثُ يقولُ تعالى عن فرعون وقومه الذين رفضوا آياتِ الله :

"وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ" سورة النَّمل ، الآية 14

 

والكُفرُ في اللغة العربيَّة يعني سترَ شيءٍ ما، لذلك يُسمَّى الفلَّاحُ الذي يُغطِّي البذارَ تحت التُّراب كافراً، والكافرُ يسترُ الحقائقَ التي قبلَها في داخله.

لو وضعنا أنفسَنا اليوم مكانَ شخصٍ غير مُسلمٍ يعيشُ في أمريكا اليوم لَمَا وجدنا في الدِّين الذي يعتنقه أكثرُ المُسلمين طمأنينةً، ليس لأنَّ دينَ الله لا يبعثُ على الطمأنينة، بل لأنَّ أكثرَ المُسلمين اليوم يدينون بدينٍ غير الدِّين الذي أراده اللهُ منهم.

لم يستطعِ المُسلمون اليوم فهمَ دينهم كما بيَّنه كتابُ الله، لذلك غرقت بلدانُهم بالفقر والحروب والمجاعات، وفشلوا في أن يكونوا مثالاً طيِّباً يدفعُ الآخرين للاقتداء به وتقليده.

لا يستطيعُ أكثرُ مَن يُسمُّون أنفسهم دعاةً وعلماء الوصولَ إلى معنى الكُفر الذي بيَّنه كتابُ الله، ليس لأنَّهم لا يقرؤون ذلك الكتاب، بل لأنَّهم لا يُحاولون دراسةَ المُصطلحات الدِّينيَّة على ضوء ذلك الكتاب، فهم يجعلون دينَ الله تبعاً لأهوائهم !

أحدُ المشاهير العرب ممَّن يعتبرُهم النَّاسُ عُلماء احتقرَ الفرنسيِّين كلَّهم واحتقرَ لغتَهم فقط لأنَّه لم يستطع فهمَ جملةٍ باللغة الفرنسيَّة خرجت مُصادفةً على شاشة حاسوبه أثناء إلقائه مُحاضرة "دينيَّة"!

هذا رابطُ ما قاله ذلك الشَّيخ : https://www.youtube.com/watch?v=65CNc4CCrzA

 

لم نحترم الآخرين ولم نوصلْ لهم رسالةَ الله كما أرادها، فكيف يحقُّ لنا بعد ذلك مُطالبتُهم بقبول أفكارنا ؟ لم نُظهرْ لهم سماحةَ الإسلام بل ربَّينا أجيالاً كاملةً على اعتبار غير المُسلمين أعداءً لنا، فكيف نستغربُ بعد ذلك خوفَهم من معتقداتنا ؟ !

نحن كمُسلمين اليوم لم نفهم جوهرَ رسالة الله ولم نستفد من آياته المخلوقة لتأمين حياةٍ كريمةٍ لنا في بُلداننا، لكنَّ الآخرين نجحوا في الاقتراب من فهم الآيات المخلوقة، لذلك يفرُّ عشراتُ آلاف المُسلمين هاربين إلى بُلدان غير المُسلمين، فحيثُ لا توجدُ العدالةُ لا يُمكنُ أن يوجَدَ الإسلام !

 

علِّق