No votes yet
عدد القراءات: 19260

كيف هزمت سوريا القوى السنية؟

الكاتب الأصلي: 
Emile Hokayem
تاريخ النشر: 
31 كانون اﻷول (ديسمبر), 2016
اللغة الأصلية: 

 

وازنت تركيا والسعودية وقطر- ثلاثة من القوى السنية الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط- مواقفهم في المنطقة مع نتائج الحرب في سوريا. فمنذ اندلاع الانتفاضة في عام 2011، كانت تلك القوى ثابتةً- من داعمي الثوار في قتالهم ضد حكومة الرئيس بشار الأسد.

 

في الأشهر القليلة الماضية، أصبح من الواضح أنهم كانوا في الطرف الخاسر. حيث تفرض الأحداث الأخيرة- بما في ذلك سقوط شرق حلب هذا الشهر- على هذه الدول تعديل استراتيجياتهم. حيث أوضح اتفاق وقف إطلاق النار بين روسيا وتركيا يوم الخميس أنه في الشرق الأوسط مَنْ يقود القوة هي الدبلوماسية.

الآن تتحول الجماعات الثورية الرئيسية التي دعمتها تركيا والسعودية وقطر منذ عام 2011 إلى تمرد في المناطق الريفية. وهذا يعني أنها أقل تهديداً لحكومة الأسد، ولكنها معرضة أكثر للهزيمة على يد الجماعات الجهادية - أو ميالة إلى الانضمام إليهم. وسيصبح قريباً دعم هؤلاء الثوار أكثر صعوبة؛ خصوصاً إذا انتهج الرئيس المنتخب دونالد ترامب حملة لإنهاء المعونة الأمريكية للجماعات الثورية، والعمل بشكل وثيق مع روسيا لمحاربة الجهاديين في سوريا.  

 

بالنسبة لتركيا والسعودية وقطر، يثير هذا الوضع تساؤلات أخلاقية وسياسية رئيسية ألا وهي: إذا كان النصر العسكري لم يعد مجدياً، لماذا يجب أن يستمروا في دعم الثوار؟ هل يمكن لهم ولداعمي الثوار انتقاء مناطق نفوذ من شأنها أن تسمح لهم بتشكيل مستقبل سوريا؟ هل ينبغي لرعاة الثوار إيقاف دعم الثوار وإجبارهم على الاستسلام في مقابل كل ما تكون روسيا قادرة على تقديمه مثل تيسير السياسة التركية في آسيا الوسطى أو مساعدة المملكة العربية السعودية في تخليصها من الخطر في اليمن؟ أو هل ينبغي لهم ترك التمرد يخمد ببطء؟ أليس من شأن فعل ذلك فقط تشجيع العدوان الإيراني وإثبات رؤية الجماعات الجهادية التي تقول أن الدول العربية عاجزة وخائنة؟

من بين القوى السنية الثلاث، المشاركة التركية هي المشاركة الأعمق. في الصيف الماضي، أرسلت قوات عبر الحدود لطرد الدولة الإسلامية ولاحتواء الجماعات الكردية المطالبة بالحكم الذاتي في سوريا (وفي تركيا). ومنذ أن خسر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تأييد واشنطن وأوروبا خلال حملته المحلية الصارمة في التطهير ومغامراته الخارجية، ترتبط حظوظه الآن بحسن النوايا الروسية. حيث تستغل موسكو ضعف ومشاعر تركيا المتعلقة بالاستياء من الخيانة الغربية.

وقد غير ذلك من مسار الحرب السورية. حيث قبلت تركيا على مضض بسقوط حلب في مقابل الاعتراف بحكم الأمر الواقع بمنطقة نفوذها على طول الحدود السورية التركية. فبدلاً من دعم الجماعات الثورية المقاتلة في حلب أو الضغط على قوات الأسد المحاصرة للمدينة، سارعت تركيا في إحكام قبضتها على أراضٍ لتنظيم الدولة الإسلامية قبل أن يسبقها الأكراد إليها.

 

لا يتصرف الكرملين الآن فقط كمنتصر عظيم في سوريا، ولكن يفرض نفسه أيضاً كوسيط وحيد بين أنقرة وحكومة الرئيس الأسد وإيران. فهذا الشهر، استضافت موسكو اجتماعاً لوزراء خارجية ودفاع روسيا وإيران وتركيا، حيث بحثوا من خلاله مستقبل سوريا. وكان هذا إشارة لأشياء مقبلة.

أولاً، روسيا خدعت وهمشت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. والآن تشكل مستقبل الصراع. في حين يعني وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه لإدارة التنافسات في سوريا وإخماد الحرب بالشروط الروسية والرئيس الأسد. علاوة على ذلك، اقترحت موسكو أن يتبع وقف إطلاق النار بمناقشات سياسية مع مجموعة مختارة من المعارضة السورية. ولكن لتفعيل العمل بذلك، تحتاج روسيا إلى تركيا لتقديم المعارضة السورية التي من شأنها أن تقبل أقل بكثير من رحيل الرئيس الأسد.

قد لا يرغب الرئيس الأسد في ذلك، لكن من المرجح أن يقبل بهذه العملية من روسيا كشر لا بد منه. يجب عليه الحذر مع منقذه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حتى لو أنه لن يتنازل كثيراً. انضمام تركيا إلى الطائرة ضروري للانطلاق في عملية السلام التي من شأنها أن تدمر وتزيل ما تبقى من جهود الولايات المتحدة والأمم المتحدة الهادفة إلى تحقيق الانتقال السياسي- عبر رحيل الرئيس الأسد. وما هو أكثر من ذلك، ستقيد أيادي إدارة ترامب. وعلاوة على ذلك، فيما لو انهار وقف إطلاق النار، ستكون حكومة الأسد قادرة على سحق فلول التمرد عبر الغطاء الروسي. وسيعيق هذا الترتيب أيضاً الحكم الذاتي الكردي - وهو أمر يعارضه كل من الرئيس الأسد وإيران وروسيا وتركيا.

كل هذا يترك أمام قطر، والأهم المملكة العربية السعودية القليل لتعملاه. في الماضي كان ما يفعله كلا البلدين هو نقل الأسلحة والأموال عبر الأردن وتركيا لدعم التمرد؛ والآن النقل عبر هذه الطرق والمعابر صعب وليس متاحاً وربما هو مستحيل. بينما غير قادرة على تشكيل ساحة المعركة أو إدارة الدبلوماسية، تعتبر سوريا بالنسبة للمملكة العربية السعودية في أسفل قائمة أولوياتها.

 

وأيضاً تفهم الدولتان الخليجيتان أن تركيا لن تخضع مصالحها لرغباتهما. في الواقع، تصر تركيا الآن أن مشاركتها في الدبلوماسية التي تقودها روسيا ضروري لوقف طموحات إيران، وتأمين انسحاب حزب الله وغيره من الميليشيات الشيعية الأجنبية من سوريا والحصول على ضمانات بتنحية السيد الأسد في نهاية المطاف. وأيضاً تسعى تركيا لتضمين قطر والمملكة العربية السعودية في هذه العملية، بالرغم من استياء إيران.

ومن المرجح ألا تتخلى أية دولة من هذه الدول بشكل تام عما تبقى من التمرد السوري. تكاليف فعل بذلك سيكون هائلاً: ستنخفض مكانتهم كثيراً، وسيفقدون بطاقات أساسية للتأثير على الاتجاه الذي تأخذه سوريا. ولن يختفي الثوار السوريين بشكل تام بسبب هزيمتهم. بدلاً من ذلك، من المرجح أن يستمر الدعم الرسمي والتمويل، ولكن في مستويات أقل وبأهداف أكثر تواضعاً. وأيضاً لا تزال تركيا بحاجة إلى الثوار لمحاربة الدولة الإسلامية والمقاتلين الأكراد. ولا يمكن للمملكة العربية السعودية وقطر أن يتم اتهامهما بالتخلي عن إخوانهم السنة في وقت الاستقطاب الإقليمي.

في النهاية، سيقاومون أيضاً جهود عدد من الدول الغربية والآسيوية والعربية في تطبيع العلاقات مع الرئيس الأسد. ففي عيونهم، لا يزال لاعباً معادياً ينبغي عزله وتنحيته. كيف ومتى هي أسئلة في رسم الإجابة.

 

علِّق