عدد القراءات: 7356

كيف قتلنا عقولنا… وكيف نحييها.؟!

 

*نور سلام

 

المفكر أو الكاتب هو من ينجح في تحويل الأفكار الذهنية إلى كلام مكتوب مفهوم، و كلما كانت الأفكار قريبة من الواقع تحاكي هموم الحياة كلما غدا انتشارها أسرع و أصبحت تتميز بالفاعلية و التأثير .

و تتميز الأفكار المكتوبة بسلطة خفية تُمارسها على القارئ، فتجد معظم الناس تهاب مراجعة كاتب في صحة ما وصل إليه أو مناقشته، خاصة عندما يكتب بقلم الدين و العقيدة،  فكيف بالأفكار المتوارثة التي اكتسبت قدسية مع مرور الزمان ؟

 تتحول الأفكار عبر الزمان إلى  مسلمات لا يمكن نقاشها و بحاجة لجهد كبير لتفنيدها و تبيان بطلانها ( رهن درع النبي عند يهودي / حرق طارق بن زياد للسفن ) و كثير من الأمثلة التي تجد الوعي الآدمي يهتزّ عندما يكتشف زيفها، فيعيش حالة اضطراب شديد، ما يدفعه إلى زيادة التشبث بالموروث خوفاً من أن يُصاب بصدمات أكثر، و يدرك حالة الوهم الثقافي التي تعيشها عقولنا الجمعية،  و بالتالي تتعرض الأمة لصدمة كلما تم تحريك مياه الفكر الراكدة،  وغالباً تكون ردة الفعل هي العودة للتمسك بما نشأنا عليه.

إلى الآن لم نصل إلى النقطة الحرجة التي تمكننا من بناء قاعدة وعي تقوم على أسس علمية وفق قواعد البحث و الاستنتاج و التحليل و التركيب للظواهر و المنظومات الحضارية، مستفيدة من تطور علم النفس و علم التاريخ و التأريخ الفكري، و رغم أن الأفكار تبدو ظاهرياً متناثرة في ثرى الواقع، و لكن المتتبع للتاريخ يجد أن التفكير تنشأ عن عملية تراكمية،  فنحن نبني معتقداتنا ارتكازاً على ما وصل إليه من سبقنا، و هذا لا يقتصر على النواحي العلمية و التي يبدو فيها العملية التطويرية واضحة و جلية،  و لكن أيضاً تنطبق على العلوم الإنسانية و الفكر المجتمعي، و في ظل واقع احتكار الغرب للتقدم العلمي مقابل حالة العوز الحضاري و التقني التي تعيشها الأمة العربية، من حقنا أن نتساءل لمَ لم تتطور حركة العلوم عند العرب؟ و كيف تم القضاء على حركة الاكتشافات العلمية؟ و من يقف وراء هذا التراجع ؟

 

يكمن الفرق الجوهري  بين العرب و الغرب خلال النهضة العلمية، أن العرب فشلوا في التأسيس  لمنظومة فكرية علمية تكوّن قاعدة منهجية علمية تستند عليها الأجيال القادمة، و تعمل على استمرارية البحث و الاكتشاف، و هذا ما أدى إلى تراجع البحث العلمي و عدم مأسسته،  و النماذج المشرفة من العلماء المسلمين يغلب عليها الطابع الفردي وحمى مطاردة المنظومتين الدينية و الاجتماعية لها،  ففي حين أننا دأبنا على ادعاء أن الكنيسة تعادي العلوم و الاكتشافات العلمية، فإننا نغضّ الطرف عن ابن سينا الذي حوكم لأنه حاول تشريح الجثث، وعن ابن حيان الذي اتهم بالاشتغال بالسحر لعمله بالكيمياء، أما الفلاسفة كابن رشد و الفارابي فكتبهم حرقت و مصير معظمهم القتل أو التشريد و الاضطهاد،  و مازال بعض رجال الدين إلى يومنا هذا ينكرون كروية الأرض بناء على فهم سطحي لبعض النصوص الدينية،  دون محاولة منهم للتأكد من صحة النص، فضلاً عن الاعتراف بأدوات البحث العلمية.

إن غياب الدعم الحقيقي لهذه الجهود التي كُتب لها أن تفنى قبل أن تعرف معنى الحياة، سبب تراجع الاهتمام بالأبحاث الحسية العلمية مقابل ازدهار علم اللغة و الحديث و الفقه .  

لقد خرج العرب من الجزيرة العربية يحملون موروثاً شعرياً لا فلسفياً، و وجدوا أنفسهم أمام حضارة فلسفية عريقة  تحمل في طياتها  الكثير من أسس التحليل و الاستنتاج، مقابل احتوائها على ما يناقض العقيدة الإسلامية، مما دفع الكثيرين إلى محاربتها و محاولة بناء منظومة فلسفية تقابلها، فكان تعطيل مبدأ السببية على يد الغزالي و ابن حنبل، و جعلت ظواهر الكون تجري بفعل العادة و قدرة الله، لا بسبب خواص دائمة و ثابتة في المواد،  فلم تتوقف النار عن الحرق يوماً و لكنها عند الغزالي يمكن أن لا تحرق إذا شاء الله ذلك.

تداخل مفهوم المعجزة بالقدرة الإلهية، وعدم القدرة على التوفيق بينهما  ساهم في تراجع التفكير في تركيب هذا الكون، رغم كثرة الآيات التي تدعونا إلى التفكر بالأرض و السماء و النفس و كل ما يحيط بنا، فلا نكاد نجد في أدبياتنا فهماً لمعنى قوله تعالى ( و اعتصموا بحبل الله جميعاً ) و الحبل هنا العقل حسب ابن منظور و معاجم اللغة، كن على مرّ العصور طغى النقل بكل ما شابه من أخطاء على العقل، تحديداً منذ تم القضاء على المعتزلة و منهجهم العقلي، و تحريف منهج أبو حنيفة على يد تلامذته.

رغم دعوة القرآن الصريحة إلى العلم و القراءة و تأصيله لكثير من أسس المنهجية العلمية، كالتثبت و ترسيخه لمبدأ الشك المُلهم كما في قصة إبراهيم الخليل، نجد هذه المعاني قد حُورت عن هدفها بحصرها في مجال العلوم الشرعية و اللغة و الفقه التي هيمنت على باقي العلوم في عصور إسلامية عدة،  نتيجة التحالف القائم بين السلطة السياسية  - أو العصبية القبلية كما يحلو لابن خلدون تسميتها  - و بين طبقة الفقهاء و المحدثين و التي جعلت علوم اللغة و القرآن هي المحور الذي تدور في فلكه كل الأفكار ومنوطة ب ثواب الله،  أما علوم الدنيا هي للدنيا ولا ثواب و لا جزاء عليها،  فالدنيا فانية و الموت يباغتنا في كل لحظة، و لابد من التذكير آناء الليل و أطراف النهار بالموت بغية الإصلاح الاجتماعي.

لقد بات الموت ثقافة مجتمعية، و انتظار الساعة و البحث عن إرهاصاتها شاغل المصلحين الذين بدورهم عمموا هذه الثقافة و نشروا روح انتظار الفناء، و أنى لأمة أن تُبدع في دنياها و تخطط لمستقبلها و هي تستدعي هادم اللذات في كل أحوالها و كأننا خُلقنا لنفنى و لم نُخلق لنعمر و نبني .

 

لقد تظافرت القوى والأنظمة السياسية التي كانت تعمل على ترسيخ حكمها أكثر من عملها على بناء قواعد ثابتة للحكم و تسيسيها لعلوم الدين و استخدامه كمطية لتحقيق أهدافها، فكانت المحصلة  الحكم العثماني و هيمنته على العالم العربي لأربعة قرون، و نشره للصوفية و الدروشة كحليف ديني قوي لهلتبعات مجتمعية وفكرية، فلم يكن الإعلان عن إغلاق باب الاجتهاد رسمياً إلا الإعلان عن وفاة العلوم بكل فروعها سريرياً، و ماتزال هذه العلوم في حالة إنعاش تنتظر القاعدة الشعبية التي تحرص على البناء الذي لا يكتمل دون وجود إرادة سياسية فاعلة .

 

علِّق

المنشورات: 3
القراءات: 38442