No votes yet
عدد القراءات: 1104

كيف صدّرت السعودية المكوّن الأساسي للإرهاب الدولي؟

الكاتب الأصلي: 
KAREN ARMSTRONG

من الوهابية إلى الدولة الإسلامية: كيف صدّرت السعودية المكوّن الأساسي للإرهاب الدولي؟

بالرغم من أن الدولة الإسلامية بالتأكيد هي حركة إسلامية إلا أنها ليست نموذجية في تكوينها ولا غارقة في الماضي البعيد لأن جذورها تأتي من الوهابية وهي أحد أشكال الإسلام الذي يمارس في المملكة العربية السعودية التي بدأت فيها الحركة الوهابية في القرن الثامن عشر.
وبينما تنسف ما تسمى بالدولة الإسلامية دولاً قومية أسسها الأوروبيون منذ قرابة قرن من الزمن، فإن وحشيتها البالغة تبدو أنها تلخص العنف الذي يعتقد الكثيرون أنه متأصل في الدين بشكل عام وفي الإسلام بشكل خاص. كما أنها توضح أن أيديولوجية المحافظين الجدد التي ألهمت حرب العراق كانت مجرد أوهام، لأنها كانت تقوم على فرضية أن الدولة الليبرالية نتيجة لا مفر منها للحداثة وفرضية أن العراق بعد سقوط ديكتاتورية صدام لا يمكن له إلا أن يصبح دولة ديمقراطية على النمط الغربي . ولكن بدلاً من ذلك يبدو أن الدولة الإسلامية التي نتجت عن حرب العراق والتي تسعى للعودة إلى نظام الحكم المطلق السابق للعصر الحديث المتمثل بالخلافة، يبدو أنها تعود بالمنطقة إلى العصور الهمجية. ففي 16 تشرين الثاني بث المسلحون شريط فيديو يظهر إعدام الرهينة الغربية الخامسة، وهو عامل الإغاثة الأمريكي بيتر كاسيج، فضلاً عن عدد من الجنود السوريين الذين كانوا محتجزين لديهم. ويرى البعض أن المطامع التوسعية الشرسة لهذه المجموعة هي الدليل على عجز الإسلام المزمن عن تبني القيم الحديثة.
ومع ذلك، وبالرغم من أن الدولة الإسلامية بالتأكيد هي حركة إسلامية إلا أنها ليست نموذجية في تكوينها ولا غارقة في الماضي البعيد لأن جذورها تأتي من الوهابية وهي أحد أشكال الإسلام الذي يمارس في المملكة العربية السعودية حيث تأسست الحركة الوهابية في القرن الثامن عشر. وفي تموز عام 2013 عرف الاتحاد الأوروبي الوهابية على أنها المصدر الرئيسي للإرهاب الدولي، وبعد ذلك أدان المفتي العام للمملكة العربية السعودية الدولة الإسلامية بأشد العبارات و أصر على أن "أفكار التطرف والتشدد والإرهاب لا تنتمي إلى الإسلام بأي شكل من الأشكال ". ومع ذلك فإن أعضاء أخرين من الطبقة الحاكمة في السعودية يبدون أكثر لطفاً مع هذه الحركة حيث أنهم أشادوا بمعارضتها الشديدة للتشيع  وبدعوتها السلفية و بالتزامها بالممارسات الأصلية للإسلام. وهذا التناقض هو تذكير مفيد باستحالة التعميم عند تحري الدقة على أي تقليد ديني. ففي تاريخها القصير تصورت الوهابية إلى ما لا يقل عن شكلين مختلفين لكل منها أسلوبه المختلف كلياً فيما يتعلق باستخدام العنف.
خلال القرن الثامن عشر، ظهر العديد من حركات النهضة في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي إذ بدأت القوى الإمبريالية الإسلامية تفقد السيطرة على الأراضي الهامشية. وفي نفس الوقت كنا قد بدأنا في الغرب بفصل الكنيسة عن الدولة، ولكن هذا المثل الأعلى العلماني كان ابتكاراً جذرياً يشبه في ثوريته الاقتصاد التجاري الجديد الذي كانت أوروبا تعتمده في نفس الفترة. ولم تكن هناك أي ثقافة أخرى تعتبر الدين نشاطاً خاصاً منفصلاً عن الأمور الدنيوية كالسياسة، لذلك رأى المسلمون أن الانقسام السياسي في مجتمعهم هو أيضاً مشكلة دينية. فالقرآن كان قد أعطاهم مهمة مقدسة وهي بناء اقتصاد عادل يعامل فيه الجميع بالعدالة والاحترام  لذا فإن صحة الجسد السياسي للأمة كانت دائما مسألة ذات أهمية مقدسة للمسلمين. وهكذا فإذا تعرض الفقراء للقمع، والضعفاء للاستغلال وعم الفساد مؤسسات الدولة يصبح من واجب المسلمين بذل كل جهد ممكن لإعادة المجتمع إلى مساره الصحيح.
لذا كان مصلحو القرن الثامن عشر على قناعة بأن على المسلمين العودة إلى أصول عقيدتهم لاستعادة هيبتهم وسلطتهم المفقودة مع ضمان أن يكون الله هو من يسيّر النظام السياسي بدلا من المطامع المادية والدنيوية. ولم يكن لهذه "الأصولية" الفكرية أي جانب مسلح بل كانت مجرد حركة من ذلك محاولة شعبية لتغيير اتجاه المجتمع ولم تكن تتضمن مفهوم الجهاد. وقد كان أحد أكثر هؤلاء المجددين نفوذاً محمد بن عبد الوهاب (1703-1791) الذي عاش في نجد وسط الجزيرة العربية والذي لا تزال تعاليمه مصدراً مهماً للمسلمين الإصلاحيين والمتطرفين إلى يومنا هذا. وقد عرف عنه كرهه بشكل خاص للتقديس الشائع للصالحين والطقوس الوثنية التي تمارس عند قبورهم والتي رأى أنها نوع من أنواع الشرك. وكان يركّز أن على المسلمين أن يركزوا بدلاً من ذلك على دراسة القرآن والحديث وسنة النبي وأصحابه. وأراد ابن عبد الوهاب العودة إلى تعاليم الدين الأولى شأنه شأن المصلح المشهور مارتن لوثر بالإضافة إلى نبذ كل ما علق بالدين من إضافات ظهرت في القرون الوسطى. ولذلك كان يعارض الصوفية والتشيع بوصفهما بدعاً أحدثت في الدين، كما حث جميع المسلمين على رفض التفاسير التي طورها علماء المسلمين على مدى قرون وأن يفسروا النصوص الدينية بأنفسهم.
وكان من الطبيعي أن تغضب هذه الدعوة رجال الدين كما هددت الحكام المحليين الذين كانوا يرون أن التدخل في هذه الطقوس الدينية الشعبية من شأنه أن يسبب المشاكل. ولكن في نهاية المطاف وجد ابن عبد الوهاب في محمد بن سعود زعيم نجد راعياً لأفكاره. لكن التوتر سرعان ما تطور بين الاثنين لأن ابن عبد الوهاب رفض تشريع حملات ابن سعود العسكرية لسرقة المتاع والسيطرة على الأراضي بل أصر على عدم جواز الجهاد للمكاسب الشخصية وإنما يعلن الجهاد فقط عند تعرض الأمة لهجوم عسكري. كما نهى ابن عبد الوهاب عن التقاليد العربية القاضية بقتل أسرى الحرب، والتدمير المتعمد للممتلكات وذبح المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال. وهو أيضاً لم يدّع يوماً أن من يموتون في المعارك شهداء لهم مقام عال في الجنة وذلك لأن حب المديح يتعارض مع مبدأ الجهاد. وهكذا بدأت الوهابية تتخذ شكلين في مرحلة تشكلها: من جهة كان ابن سعود لا يمانع فرض الإسلام الوهابي بالسيف لتعزيز موقفه السياسي، ومن جهة أخرى كان ابن عبد الوهاب يصر على أن التعليم والدراسة والنقاش هي الوسائل المشروعة الوحيدة لنشر الدين الوحيد الصحيح.
وعلى الرغم من أن القرآن كان يشغل مكاناً مركزياً جداً في فكر ابن عبد الوهاب، إلا أنه كان يشوه رسالة القرآن بإصراره على أن فهمه للإسلام هو الفهم الوحيد المقبول. فقد ذكر القرآن بشكل واضح أنه "لا إكراه في الدين" (البقرة 256)، كما أمر المسلمين بأن يؤمنوا بكل  الكتب السماوية والأنبياء العظماء (آل عمران 84) كما أن تعدد الأديان هو إرادة الله (المائدة 48). ولذلك فقد كان المسلمون تقليدياً لا يرتاحون لتكفير إخوانهم من المسلمين. وحتى ذلك الوقت كانت الصوفية التي امتازت باحترامها للتقاليد الدينية الأخرى هي الشكل الأكثر انتشاراً للإسلام، وقد لعبت دورا هاما في كل من الحياة الاجتماعية والدينية. وقد أُثر عن المتصوف الشهير ابن عربي (المتوفى عام 1240م) قوله: "لا تمدح إيمانك مدحاً يجعلك تكفر بإيمان الآخرين". كما قال: لا يمكنك حد الله في عقيدة واحدة فهو العالم بكل شيء والموجود في كل مكان". وكان من الشائع أن يقول المتصوفة أنهم ليسوا يهوداً ولا نصارى ولا حتى مسلمين لأن من عرف الله حقاً يترك وراءه هذه التصانيف البشرية.
ورغم رفضه لأشكال أخرى من الإسلام، إلا أن ابن عبد الوهاب نفسه امتنع عن التكفير بحجة أن الله وحده يمكنه معرفة ما في الصدور. ولكن الوهابيين بعد وفاته غضوا الطرف عن هذا المانع وأصبحت التعددية السخية في الصوفية مثاراً للشك على نحو متزايد في العالم الإسلامي
وعلاوة على هذا فقد غدت الوهابية بعد وفاة ابن عبد الوهاب أكثر عنفاً وأصبحت أداة لإرهاب الدولة. ففي سعيه إلى إقامة مملكة مستقلة قام عبد العزيز ابن محمد خليفة ابن سعود وابنه باستخدام التكفير لتبرير المذابح الجماعية لمن يقاوم حكمه. وفي عام 1801 حاصر جيشه مدينة كربلاء الشيعية المقدسة في العراق فنهبوا قبر الإمام الحسين وذبحوا آلاف الشيعة بمن فيهم نساء وأطفال. وفي عام 1803  استسلمت المدينة المقدسة مكة المكرمة  للزعيم السعودي تحت ضغط الخوف والذعر.
وفي نهاية المطاف في عام 1815، قام العثمانيون بإرسال محمد علي باشا حاكم مصر لسحق القوات الوهابية وتدمير عاصمتهم. ولكن الوهابية أصبحت قوة سياسية مرة أخرى أثناء الحرب العالمية الأولى عندما جاء زعيم سعودي أخر (اسمه أيضاً عبد العزيز) وقام بالتحرك الجدي نحو تأسيس دولة مستقلة وبدأ بإقامة مملكة كبيرة لنفسه في الشرق الأوسط مع جيشه المخلص من البدو والذي كان يعرف باسم "الإخوان".
وإذا نظرنا إلى الإخوان فإننا نرى جذور الدولة الإسلامية. فقد قام الوهابيون بتفريق القبائل وإبعادهم عن الحياة البدوية لأنهم يعتبرونها تتعارض مع الإسلام وعوضاً عن ذلك جعل رجال الدين الوهابيون البدو يستقرون في الواحات حيث تعلموا الزراعة والحرف اليدوية من مهن الحياة المستقرة كما تم تلقينهم الإسلام على المذهب الوهابي. وعندما تخلوا عن الغزوات المتعارف عليها تاريخياً والتي كانت تسفر عن نهب المواشي واعتمدوا الجهاد، أصبح هؤلاء المقاتلون البدو أكثر عنفاً وتطرفاً، حيث أصبحوا يغطون وجوههم حين يواجهون الأوروبيين والعرب غير السعوديين ويقاتلون بالرماح والسيوف لأنهم يرفضون الأسلحة الحديثة التي لم تستخدم من قبل النبي. وقد كان البدو في غزواتهم القديمة يحاولون تقليل الخسائر إلى أدنى حد ممكن كما أنهم لم يكونوا يقاتلون العزل. أما الآن فإن الإخوان يذبحون القرويين العزل"المرتدين" بشكل طبيعي بالآلاف، ويعتقدون أنه لا مشكلة في ذبح النساء والأطفال، كما أنهم يقتلون جميع الأسرى من الرجال.
وفي عام 1915 كان عبد العزيز يخطط للاستيلاء على الحجاز (وهي منطقة في غرب المملكة العربية السعودية  في الوقت الحاضر تضم مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة) والخليج العربي إلى الشرق من نجد، والأرض التي هي الآن سوريا والأردن في الشمال، ولكنه خفف من طموحاته خلال عام 1920 من أجل الحصول على الاعتراف به كدولة أمام بريطانيا والولايات المتحدة. ولكن الإخوان واصلوا مع ذلك شن غاراتهم على المحميات البريطانية في العراق وشرق الأردن والكويت مصرين على أن الجهاد لا يعرف حدوداً. وفيما يتعلق  بالتحديث أو البدعة كما يسمونها  فقد هاجم الإخوان عبد العزيز لأنه سمح بوجود الهواتف والسيارات والتلغراف والموسيقى والتدخين –ففي الواقع كانوا يعتبرون أي شيء لم يكن معروفاً في وقت محمد بدعة– حتى قام عبد العزيز بسحق تمردهم عام 1930.
وبعد هزيمة الإخوان، تخلت الوهابية الرسمية الحاكمة في المملكة السعودية عن الجهاد المسلح وأصبحت حركة محافظة دينياً، على غرار الحركة الأصلية في زمن ابن عبد الوهاب، إلا أن التكفير أصبح ممارسة مقبولة، بل وضرورية في المذهب الوهابي. ومنذ تلك اللحظة خُلِق توتر استمر حتى اليوم بين المؤسسة الحاكمة في السعودية والوهابيين الأكثر تطرفاً. غير أن روح الإخوان وحلمهم في التوسع الإقليمي لم يموتا بل اكتسبت أرضية جديدة في سبعينيات القرن الماضي عندما أصبحت المملكة مركز السياسة الخارجية الغربية في المنطقة. ورحبت واشنطن بمعارضة السعوديين للناصرية (وهي الأيديولوجية الاشتراكية القومية العربية للرئيس المصري الثاني جمال عبد الناصر) والنفوذ السوفييتي. كما أنها وبعد الثورة الإيرانية دعمت ضمنياً مشروع السعوديين الذي يدعو لمواجهة التطرف الشيعي عن طريق نشر الوهابية في العالم الإسلامي بأسره.
إن ارتفاع أسعار النفط الذي نتج عن الحظر الذي حصل عام 1973–عندما قطع منتجو البترول العربي الإمدادات عن الولايات المتحدة احتجاجاً على الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل–أعطى المملكة زيادة في عوائد النفط كانت بحاجة إليها لتصدير رؤيتها الخاصة للإسلام. واستعيض عن الجهاد العسكري القديم لنشر الدين بالهجوم الثقافي. كما أن رابطة العلماء المسلمين ومقرها السعودية فتحت مكاتب في كل المناطق التي يقطنها المسلمون، وقامت وزارة الشؤون الإسلامية في السعودية بطبع وتوزيع وترجمة القرآن الكريم والنصوص العقائدية الوهابية وكتابات المفكرين الجدد التي وجدها السعوديون ملائمة، مثل السيد أبو الأعلى المودودي و سيد قطب إلى المجتمعات الإسلامية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا واندونيسيا والولايات المتحدة وأوروبا. ومولت بناء المساجد على الطريقة السعودية وبوجود الدعاة الوهابيين وأنشأت المدارس التي توفر التعليم المجاني للفقراء طبعاً بالمنهج الوهابي. وفي الوقت نفسه قامت بمساعدة الشبان من الدول الإسلامية الفقيرة، مثل مصر وباكستان، المضطرين للبحث عن عمل في الخليج لإعالة أسرهم، حيث ارتبط ثراؤهم بالوهابية التي سينشرونها في بلادهم عند عودتهم لها، حيث سيعيشون في أحياء جديدة قريبة من المساجد السعودية ومراكز التسوق التي تفصل بين الجنسين. بمقابل السخاء الذي قدمه السعوديون فقد طالبوا هؤلاء بالاتباع الديني، لذلك فإن رفض الوهابيين لجميع الأشكال أو المذاهب الأخرى من الإسلام وكذلك الأديان الأخرى قد وصل عميقاً إلى مدينة برادفورد في إنجلترا، ومدينة بوفالو في نيويورك بأمريكا كما وصل إلى باكستان والأردن وسوريا، مما أدى إلى تقويض خطير للتعددية الموجودة تقليدياُ في الإسلام.
ولذلك فقد تربى جيل كامل من المسلمين على شكل متفرد من الإسلام يحمل وجهة نظر سلبية للأديان الأخرى كما يحمل فهماً طائفياً متعصباً لدين الإسلام. وبينما لم تكن هذه الرؤية متطرفة بحد ذاتها إلا أنها تربة خصبة للتطرف. وبينما كان تفاسير العلماء في الماضي تضع حداً لأي تفسير متطرف للقرآن إلا أن رفض الوهابية لهذه التفاسير فتح المجال لغير المختصين مثل أسامة بن لادن لتطوير قراءات غير تقليدية للغاية من القرآن الكريم. ولمنع انتشار التطرف، حاولت السعودية صرف أنظار شبانها عن المشاكل الداخلية للمملكة خلال ثمانينيات القرن الماضي من خلال نشر فكر يهتم بالأمة الإسلامية عموماً وهو ما لم يوافق عليه علماء الوهابية.
وفي حين كان الإسلاميون في بلدان مثل مصر يحاربون الاستبداد والفساد في الداخل، كان إسلاميو السعودية يركزون على إذلال وقهر المسلمين في جميع أنحاء العالم. وكان التلفزيون يجلب صوراً لمعاناة المسلمين في فلسطين أو لبنان إلى المنازل السعودية المريحة. وكانت الحكومة أيضاً تشجع الشبان على الانضمام إلى التيار المستمر من المجندين من العالم العربي الذين ينضمون إلى الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي. وقد تساعدنا الاستجابة هؤلاء المسلحين في تسليط الضوء على دوافع من ينضمون إلى الجهاد في سوريا والعراق اليوم.
ومن دراستنا للسعوديين الذين تطوعوا للقتال في أفغانستان والذين حاربوا في وقت لاحق في البوسنة والشيشان و تدربوا في معسكرات القاعدة، وجدنا أن معظمهم كان دافعهم ليس كراهية الغرب بل الرغبة في مساعدة إخوانهم وأخواتهم من المسلمين –وهو ما دفع الرجال من جميع أنحاء أوروبا لمغادرة أوطانهم في عام 1938 لمحاربة الفاشية في اسبانيا، و دفع اليهود من جميع أصقاع العالم ليسارعوا إلى إسرائيل في بداية حرب الأيام الستة في عام 1967. إذ لطالما كانت قوة الأمة في الإسلام ذات جانب روحي وسياسي في نفس الوقت وبالتالي فإن مساندة هؤلاء المقاتلين لإخوتهم المسلمين في محنهم هي في الجوهر من هويتهم الدينية. وكان هذا التركيز على عموم الإسلاميين أيضاً جانباً رئيسياً لدعاية ابن لادن، حيث تُظهر أشرطة الفيديو السعوديين الذين شاركوا في فظائع هجمات 11 سبتمبر أنهم كانوا متأثرين بالوهابية بنسبة أقل بكثير من تأثرهم بالألم والذل الذي تتعرض له للأمة ككل.
وتمثل الدولة الإسلامية تمرداً ضد الوهابية الرسمية في المملكة العربية السعودية الحديثة شأنها في ذلك شأن الإخوان. فسيوف مقاتلي الدولة ووجوههم المغطاة وأسلوبهم في قص الرقاب كل ذلك يحاكي أسلوب الإخوان الأصلي. لكن من غير المرجح أن مجندي الدولة الإسلامية مكونين بالكامل من الجهاديين المتشددين. فهناك عدد كبير من العلمانيين الذين يشعرون بالاستياء من الوضع الراهن في العراق: مثل البعثيين من نظام صدام حسين والجنود السابقين من جيشه المنحل. وهذا يفسر الأداء القوي ضد القوات العسكرية المتدربة. و هناك على الأغلب نسبة ضئيلة من المجندين الشباب انضموا للدولة بدافع من الوهابية أو الاتجاهات الإسلامية التقليدية. فقد لاحظت وحدة العلوم السلوكية في وكالة الاستخبارات البريطانية MI5 في عام 2008 أن "عدد كبير من المتورطين في الإرهاب ليسوا متعصبين دينياً بل هم لا يمارسون شعائر دينهم بشكل منتظم. والكثير منهم يفتقر لتعلم أسس الدين ويمكن اعتبارهم مبتدئين دينياً." وهناك نسبة كبيرة من المدانين بجرائم الإرهاب في هجمات11 /9من غير الملتزمين أو ممن تعلموا بأنفسهم أو من معتنقي الإسلام الجدد مثلما كان المسلح الذي نفّذ الهجوم الأخير على البرلمان الكندي. قد يزعم هؤلاء أنهم يعملون باسم الإسلام، ولكن عندما يزعم مبتدئ غير موهوب أنه يعزف معزوفة لبيتهوفن فهذا لا يهم إن كنا لا نسمع إلا النشاز. وفي السياق نفسه أذكر هنا أن اثنين من الجهاديين الذين ذهبوا إلى سوريا في مايو الماضي قادمين من برمنغهام  كانا قد طلبا كتاب "الإسلام للمبتدئين" من موقع أمازون.
من الخطأ أن نعتبر الدولة الإسلامية مجرد حركة متخلفة. فهي–كما قال الفيلسوف البريطاني جون غراي–حركة حديثة تماماً أصبحت أشبه بشركة ذات كفاءةً و تملك تمويلاً ذاتياً لأعمالها مع أصول قدرت بمبلغ 2 مليار دولار. فالنهب وسرقة سبائك الذهب من البنوك والخطف وضخ النفط في الأراضي التي تسيطر عليها والابتزاز جعل منها أغنى جماعة جهادية في العالم. وليس في العنف الذي تمارسه الدولة الإسلامية شيء لاعقلاني أو عشوائي. فحتى فيديوهات الإعدام يخطط لها بعناية و استراتيجية لتثير الرعب وتردع المعارضين وتزرع الفوضى في نفوس أكبر عدد من السكان.
إن القتل الجماعي هو ظاهرة حديثة تماماً. فخلال الثورة الفرنسية، التي أدت إلى ظهور أول دولة علمانية في أوروبا، قام اليعاقبة the Jacobins بقطع رأس حوالي 17,000 من الرجال والنساء والأطفال علناً. وفي الحرب العالمية الأولى، ذبح أعضاء تركيا الفتاة أكثر من مليون أرمني، بما في ذلك النساء والأطفال وكبار السن، لإنشاء أمة تركية نقية. وكذلك فقد استخدم البلاشفة السوفييت والخمير الحمر والحرس الأحمر كل أشكال الإرهاب المنهجي لتطهير البشرية من الفساد. وهذا شأن الدولة الإسلامية عندما تستخدم العنف لتحقيق هدف واحد مرسوم ومحدد بشكل واضح ومستحيل التحقق دون هذا الذبح. من هذه الزاوية ليست الدولة الإسلامية إلا تعبيراً آخر عن الجانب المظلم من الحداثة.
وفي عام 1922 عندما وصل مصطفى كمال أتاتورك إلى السلطة أكمل التطهير العرقي الذي بدأته تركيا الفتاة بترحيل جميع المسيحيين الناطقين باليونانية من تركيا قسراً. وفي عام 1925 أعلن إلغاء الخلافة التي تعهدت الدولة الإسلامية بإعادتها الأن. وفي حين كانت الخلافة لفترة طويلة مجرد حبر على ورق سياسياً إلا أنها كانت ترمز لوحدة الأمة وصلتها بالنبي لذا فقد نعى المسلمون السنة خسارتها التي كانت بمثابة صدمة روحية وثقافية. وعلى الرغم من ذلك لم تجد خلافة الدولة الإسلامية المقامة حالياً أي دعم من علماء المسلمين حول العالم كما أن هذه الخلافة محط سخرية الجميع في العالم الإسلامي. ومع ذلك فإن القيود المفروضة على مفهوم الدولة القومية تغدو أوضح فأوضح في عالمنا. وهذا ينطبق بشكل خاص على الشرق الأوسط الذي ليس له تاريخ من الانتماءات القومية ولأن حدود الدول الموجودة كان قد رسمها الغزاة بشكل تعسفي فقد كان أقرب إلى المستحيل خلق روح وطنية حقيقية. وفي هذه القضية بالذات فإن الدولة الإسلامية لا تحاول إرجاع فترة زمنية منقضية إلى الحاضر بل هي على العكس تعلن–وإن كان بشكل غريب–عن أفكار تعتري العالم الحديث.
لقد تم تطوير مفهوم الدولة الليبرالية الديمقراطية المتقدمة في أوروبا لأهداف منها خدمة الثورة الصناعية مما جعل من المثل العليا لحركة التنوير ضرورات عملية ولم تعد أفكاراً نبيلة فحسب. وهذه الدولة ليست خالية من العيوب: وقد كانت نقطة ضعفها دائماً هي عدم تحمل الأقليات العرقية –وهي نقطة الضعف المسؤولة عن عدد من أسوأ الفظائع التي ارتكبت في القرن الـ20. وفي أجزاء أخرى من العالم حيث تطورت الحداثة بشكل مختلف، فإن أشكالاً سياسية أخرى قد تكون أكثر ملائمة. وبالتالي فإن الدولة الليبرالية ليست نتيجة لا مفر منها للحداثة. وإن محاولة إنتاج الديمقراطية في العراق باستخدام الطرق الاستعمارية من الغزو والقهر والاحتلال لا يمكن أن تؤدي إلا إلى ولادة غير طبيعية –وهكذا خرجت الدولة الإسلامية من الفوضى الناتجة عن ذلك الاحتلال.
قد تكون الدولة الإسلامية قد بلغت مداها فقد لا تكون سياساتها قابلة للاستمرار وهي تواجه معارضة شديدة من السنة والشيعة على حد سواء. ومن المثير للاهتمام أن المملكة العربية السعودية التي تملك موارد واسعة لمكافحة الإرهاب قد أحبطت بالفعل محاولات للدولة الإسلامية لإطلاق سلسلة من الهجمات في المملكة وربما تكون السعودية هي القوة الإقليمية الوحيدة القادرة على إسقاط الدولة الإسلامية. إن حادث إطلاق النار الذي جرى في كندا يوم 22 أكتوبر، حيث قتل معتنق جديد للإسلام جندياً في نصب تذكاري للحرب، يشير إلى بدء رد الفعل السلبي في الغرب. وكي نتمكن من التعامل بواقعية مع وضعنا علينا أن نفهم جيداً دور الإسلام الدقيق والمحدود في هذا الصراع، وعلينا الاعتراف بأن الدولة الإسلامية ليست عودة رجعية إلى ماض بدائي بل هي بالمعنى الحقيقي نتاج الحداثة.


كارين ارمسترونغ مؤلفة كتاب حقول الدم: الدين وتاريخ العنف.

علِّق

المنشورات: 73
القراءات: 552152

مقالات المترجم