No votes yet
عدد القراءات: 2110

كيف سيؤثر الانقلاب التركي الفاشل على سورية؟ - ترجمة السوري الجديد

الكاتب الأصلي: 
ARON LUND
تاريخ النشر: 
4 آب (اغسطس), 2016
اللغة الأصلية: 

 

عندما انزاح الغبار ببطئ في أعقاب محاولة الانقلاب في تركيا في 15 يوليو، والذي قتل حوالي 300 شخص وترك أكثر من 2000 جريح، بات من الواضح أن السياسة التركية ستبقى في تقلب لبعض الوقت القادم.  ربما سينظر إلى 15 يوليو باعتباره اللحظة المحددة لتاريخ تركيا المعاصر، ولكن هل يمكن أن يكون ذلك لسوريا؟

للوهلة الأولى، لا يبدو أن هناك ترابط فوري بين القضيتين، لكن آثار فشل الانقلاب يمكن أن تنتهي بطرق مختلفة ومتناقضة في سوريا، حيث كانت حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لفترة طويلة واحدة من أكثر أنصار التمرد الإسلامي السني المتشدد ضد حكومة بشار الأسد الاستبدادية، حتى التحول الطفيف في سياسة أنقرة تجاه سوريا يمكن أن يكون له عواقب كبيرة للحرب- وإذا تم الإطاحة بأردوغان، فستكون لحظة تغيير اللعبة في النزاع. عندما وصلت أخبار الانقلاب كان هناك احتفالية وإطلاق نار في دمشق وعدة مدن أخرى، مع ذلك تبين أن هذه الاحتفالية مضيعة للهتافات والرصاص.

كما يحدث، كانت سوريا في أذهان صناع القرار في أنقرة لبعض الوقت. وصلت سياسة تركيا في سوريا إلى طريق مسدود على نطاق واسع، مع فشل التمرد في التكتل للوصول إلى بديل موثوق للأسد. انتصارات الجيش السوري الأخيرة حول حلب ودمشق أيضا أضعفت الروح المعنوية للمتمردين.  بالإضافة إلى ذلك، الارتفاع المطرد للمجموعات الكردية السورية المنحازة لحزب العمال الكردستاني، أو بي كي كي، أصبح شاغلا رئيسيا للمسؤولين الأتراك، وتجادل البعض أن هذا سيدفع لإعادة تقويم سياسة اردوغان في سوريا.

مع ذلك، لا يوجد تغيير مرئي وفيما إذا سوف تسرع أو تعيق محاولة الانقلاب مثل هذه العملية من المستحيل القول بما أن اردوغان لا يزال في السلطة، ربما الآن مع حتى معارضة داخلية أقل، لا يوجد سبب لماذا ينبغي عليه ببساطة أن لا يواصل اتباع سياسة تجاه سوريا خاصة به، أيا كان ما ستؤول إليه. إلا أن آثار الانقلاب على تحالفات تركيا الخارجية والسياسة الداخلية قد لا تزال تؤثر على طريقة أنقرة التي تنتهجها في المعضلة السورية.

 

أردوغان أقوى، ولكن تركيا أضعف ؟

يبدو أن الرئيس التركي قد خرج من الأزمة أقوى من ذي قبل، وهو يقود الآن تطهيرا للقوات المسلحة والخدمات العامة على نطاق واسع. وقد أعلن عن حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر، ألقت الحكومة القبض أو فصلت عدة آلاف من المعارضين المشتبهين، بما في ذلك ضباط عسكريون وموظفون امنيون آخرون. كما جرى استهداف الصحفيين في وقت سابق هذا الأسبوع 16 قناة تلفزيونية، 23 محطة راديو، 45 صحيفة، و 29 دار نشر تم إيقافها بمرسوم حكومي.  يخشى العديد من نقاد أردوغان أن الرئيس بدأ على نحو فعال انقلاب عكسي خاص به، محاولا سحق جميع المقاومين الجادين لحكمه تحت غطاء تطهير المتآمرين العسكريين.

بشكل معبر، يستخدم أردوغان بالفعل الانقلاب لتجاوز المزيد من أهدافه السياسية، أي تغيير الدستور و تركيز السلطة في أيدي الرئاسة. محاولاته السابقة المتكررة لإعادة كتابة الدستور قوبلت بمقاومة قوية من المعارضة، التي اتهمته بالسعي لتحويل تركيا إلى الدكتاتورية، لكن رئيس الوزراء بينالي يلدريم يدعي أنه بعد الانقلاب، فإن معظم الأحزاب السياسية  التركية على استعداد للانضمام لعملية إعادة صياغة الدستور.

ومع ذلك، أردوغان أقوى لا يعني بالضرورة تركيا أقوى. الوضع السياسي المتوتر و مقياس التطهير الهائل قد تضعف الحكومة وتجعلها أقل قدرة على تعزيز مصالحها في سوريا بكفاءة. إذا كان الأمر كذلك، يمكن أن تُجبر أنقرة على نطاق واسع إلى تخفيض مشاركتها إلى مزيد من مستويات اللينة أو تسليم النفوذ للحلفاء الذين لا يشاركون بالكامل أهدافها. ثم مرة أخرى، وجود المزيد من الأجهزة العسكرية و السياسية المتزعزعة، ورقابة أقل من حكومة مركزية مشغولة جدا، يمكن أيضا ترجمته إلى المزيد من السياسات المتهورة في سوريا. ووجود تقارير عن اشتباكات طائفية في تركيا واضطرابات، فضلا عن سوريا التي يتمركز فيها الجهاديون المتطرفون الذين يضربون أهدافا تركية، وهناك أيضا خطر أن اللاجئين السوريين يمكن أن يصبحوا محاصرين في أعقاب الانقلاب.

 

استمرار إصلاح العلاقات مع روسيا

تعتمد خيارات أردوغان في سوريا على تحالفات أنقرة الإقليمية والدولية. في الأشهر قبل انتفاضة الجيش، بدأ أردوغان مراجعة سياسته الخارجية للخروج من العزلة الدولية المتنامية. وشمل ذلك إعادة علاقاته مع إسرائيل، والأهم من أجل المعضلة  السورية، السعي لتحسين العلاقات مع روسيا.

كانت العلاقات التركية-الروسية المتوترة حول المشكلة السورية، حيث يوم 15 نوفمبر 2015، أسقطت القوات الجوية التركية مقاتلة su-24  روسية بدعوى أنها ضلت داخل الأجواء التركية، وهذا سبب موجة غضب روسية، بما في ذلك فرض عقوبات اقتصادية.

ومع ذلك، بعد حوالي ستة أشهر من العداء المتبادل، تواصلت تركيا مع روسيا باعتذار مرير، والذي أدى إلى رفع بعض العقوبات. في  1 يوليو اجتمع وزيرا الخارجية الروسي سيرجي لافروف ومولود جاويش اوغلو في سوتشي، حيث ناقشا أمور من بينها سوريا. موسكو، منذ ذاك الوقت، سعت إلى استخدام الانفتاح الدبلوماسي لتشجيع التحول في سياسة أنقرة في سوريا، على الرغم من أن أردوغان حتى الآن لم يظهر أي دلالة عن إرادته إنهاء معارضته للأسد.

بعد بضعة أيام من محاولة الانقلاب، أكد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن تطور العلاقة الروسية-التركية "سوف تعتمد على كيفية التعاون على تسوية الأزمة السورية." لم يرد المسؤولون الأتراك بعد على هذه الضغوط، ولكنهم أبرزوا رغبتهم على مواصلة تحسين العلاقات مع موسكو. بعد أن تم السيطرة على الانقلاب، استغل نائب رئيس الوزراء محمد سيميسك الفرصة لإلقاء اللوم على العناصر المعادية لأردوغان بشأن إسقاط المقاتلة su-24. ربما يكون صحيحا أو يكون مريحا جدا تجنب المشاكل. أشاد جاويش اوغلو مؤخرا بدعم روسيا اللا مشروط بعد محاولة الانقلاب. وبعبارة أخرى، من المتوقع استمرار المحادثات الروسية-التركية حول سوريا.

 

كيف سترد واشنطن ؟

علاقات تركيا مع الولايات المتحدة، والتي هي الحليف العسكري الأساسي في منظمة حلف شمال الأطلسي، يبدو أنها شابها بعض التوتر نتيجة الانقلاب.

أحد الأسباب هو أن الحكومة التركية اتهمت المنظر الإسلامي فتح الله غولن الذي يعيش في بنسلفانيا، كونه العقل المدبر وراء محاولة هذا العصيان المسلح. في حين أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت تركيا قدمت  طلبا رسميا عن تسليم غولن، هذه القضية بالفعل تثير التوترات على كلا الجانبين.

لدى الولايات المتحدة وتركيا خلافات واضحة حول نوعية السياسة التي يجب اتباعها في سوريا وأي الجماعات المعارضة يجب دعمها. ومع ذلك، فقد تمكن الطرفان من احتواء هذه الاختلافات والعمل معا بشكل وثيق على مدى السنوات الخمس الماضية. ولن تغير محاولة الانقلاب ذلك، وعدم الاستقرار الظاهر في تركيا حملة اردوغان الجارية التي على ما يبدو تسبب قلقا بالغا في الولايات المتحدة. تطور أردوغان نحو التسلط بقيادة إسلامية ستتركه بلا أصدقاء في واشنطن، وسيؤدي إلى مضاعفات في العلاقات الأمريكية-التركية وسيمكن بسهولة ترجمة هذا إلى خلافات جديدة حول سوريا.

ومع ذلك، لدى واشنطن حافز قوي للحفاظ على علاقات جيدة مع أردوغان، لأن تركيا بلد مسهل ولا غنى عنه للتأثير الأمريكي في سوريا، والأهم من ذلك، بمثابة حجر الزاوية لبنية الأمن الإقليمي بقيادة الولايات المتحدة. عبر عن هذا الرأي بوضوح جيمس جي ستافرديس، جنرال امريكي متقاعد وكان القائد الأعلى لقوات الحلفاء في حلف شمال الاطلسي من عام 2009 – 2013

و كان يعتبر مديرا لحملة المرشح الرئاسي هيلاري كلينتون في الآونة الأخيرة نشر ستافرديس مقال في الفورين بوليسي يناقش فيه أن الولايات المتحدة يجب أن تكون على استعداد لمواجهة "تأثير قوي سلبي على قدرة الجيش التركي على أداء مهامه،" عن طريق تعزيز التحالف مع أنقرة بكونها داعمة أكثر علنا لحكومة أردوغان، المنتخبة ديمقراطيا. كما اقترح ستافرديس أن الولايات المتحدة يجب أن تكون "مدركة  وداعمة للمعارضة التركية حول كيفية التعامل مع الدولة الإسلامية ونظام بشار -الأسد" وزيادة الدعم الأميركي لحرب تركيا ضد حزب العمال الكردستاني.

ونظرا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد اعتمادا كبيرا على المجموعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني في شمال سوريا، هذه التنازلات لأنقرة يمكن أن يكون لها آثار ليس فقط على دور تركيا في سوريا، ولكن أيضا على دور الولايات المتحدة في سوريا.
فرز ما بعد فوضى العصيان المسلح

سبب مخاوف ستافرديس واضحة: الحفاظ على قيادة تركية عسكرية قوية ومتعاطفة هي جوهر المنفعة الأمنية للولايات المتحدة. بعد الانقلاب، تم إيقاف  قاعدة انجرليك الجوية عن العمل والتي تنطلق منها العديد من الطلعات الجوية الأمريكية وغيرها من الأمم ضد الجهاديين المتطرفين في شمال سوريا، والتي تؤوي جزءا من ترسانة أمريكا النووية، بشكل مؤقت فقط.  كمقياس على مدى عمق تطهير أردوعان للمؤسسة الأمنية، وهو على ما يبدو يلغي حرسه الرئاسي الخاص، بينما يقال إن حوالي ثلث جنرالات و أدميرالات البلاد اُتهموا بالمشاركة في المؤامرة.

قال اردوغان متحدثا إلى رويترز يوم 23 يوليو, إنه بالفعل كلف حكومته بإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية: "إنهم جميعا يعملون سويا [وذلك لتحديد] ما يمكن القيام به، وفي غضون وقت قصير جدا هيكل جديد سيتم انشاؤه. مع هذا الهيكل الجديد، أعتقد أن القوات المسلحة ستضخ بها دماء جديدة."

 

كيف سيؤثر اعتقال هودوتي على قدرة تركيا على القيام بدوريات على هذه الحدود، وأداء الجيش في الصراع مع حزب العمال الكردستاني، وقدرة أنقرة على تشكيل الوضع في شمال سوريا؟

بعبارة أخرى، التغيير المتعمد في السياسة ليس فقط الطريق لمحاولة الانقلاب، يمكن أن تؤثر على سوريا حتى لو قررت الحكومة التركية البقاء على نفس السلوك، يمكن أن تصبح ضعيفة  ومشغولة بالاضطرابات الداخلية و التطهير، وإجبارها على رفع يدها عن الحرب في سوريا في اللحظة الحاسمة. وكما تتغير السياسة الداخلية التركية وبنية النخبة الحاكمة في البلاد، وهذا بالتأكيد سوف يكون له آثار على المدى الطويل على عملية صنع القرار، وعلى مدى إدراك الحكومة التركية لمصالحها الوطنية. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يؤثر الانقلاب على موازنة تركيا لالتزاماتها تجاه الجهات الفاعلة الأخرى المشاركة في الحرب السورية ، بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة.

ولكن في الوقت الراهن، الشيء الوحيد الذي يبدو مؤكدا هو أنه بينما تتغير تركيا ، فإن طبيعة مشاركتها في سوريا من المرجح أن تغيير كذلك. وبالنسبة لكثيرين في سوريا، يعد هذا مسألة حياة أو موت.

 

علِّق

المنشورات: 47
القراءات: 456607

مقالات المترجم