No votes yet
عدد القراءات: 7658

كيف تصبح أكثر صبراً وتسامحاً.. ولماذا؟

الكاتب الأصلي: 
John Cianciosi
تاريخ النشر: 
22 نيسان (أبريل), 2017
اللغة الأصلية: 

 

انطلاقاً من أن مواقفنا هي التي تحدد الطريقة التي ننظر بها إلى العالم، قد نستطيع الوصول إلى جذور الغضب من خلال دراسة نظرتنا للعالم، بهدف استبدال المواقف الناقدة واللحوحة وغير المتسامحة بأخرى حليمة متسامحة وأكثر مغفرة. وعندما نفعل ذلك، سنجد أن العالم أصبح مكاناً أكثر ازعاجاً بشكل تلقائي، كما سنسهم في إيصاله إلى هذه المرحلة.

بداية، يمتلك معظمنا قدرات نقدية متطورة إلى حد كبير، وهذا يعني أن لدينا وجهات نظر وآراء حول كل شيء وكل شخص. ونظراً لهذا الميل إلى إطلاق الأحكام، فإننا نواصل تحديد ما إذا كنا نوافق على تجربة ما أو إن كانت تروق لنا أم لا. وأينما ذهبنا ومهما فعلنا، فإن "نقدنا" الداخلي يقول "لا أحب هذا" و "لا أوافق على هذا".

 

يهيئنا الحكم المستمر على الأمور للتعرض للانزعاج والغضب. أنا واثق بأنكم قادرون على تذكر كثير من الأحيان تسبب لكم فيها حكمكم السلبي أو رفضكم لأحداث تافهة مثل، صفارة الحكم في مباراة بيسبول أو ملاحظة غير مباشرة من زميل في العمل، تسبب لكم بالشعور بالانزعاج أو الاضطراب أو حتى الغضب.

 

الحد من رغبتنا في الحكم والتخفيف من حدة مواقفنا الانتقادية

كلما زادت درجة عدم التسامح والتطلّب لدينا، زاد تعرّضنا للانزعاج والغضب. ذلك أنه من المستحيل تغيير العالم ليصبح عالماً لا يثير أيُّ شيء فيه شعورنا بالرفض، والحل الوحيد هو أن نعمل بوعي للحد من ميلنا إلى إطلاق الحكم وتلطيف مواقفنا الانتقادية. ولتوضيح هذه النقطة، يخبرنا مدرّسي في كثير من الأحيان قصة الكلب المصاب بالجرب:

 

"هناك كلب مصاب بالجرب كان يسعى للراحة من مرضه عن طريق الانتقال من مكان إلى آخر. في البداية يستلقي الكلب في الظل، لكنه سرعان ما يشعر بعدم الارتياح فيذهب ليستلقي بين الشجيرات. لكن أياً من هذا لم يكن ليجلب له الراحة. فحيثما ذهب الكلب المصاب بالجرب، كان يشعر بالبؤس والتعاسة، ذلك أن المكان والظروف ليسا السبب في شعوره بعدم الارتياح، وإنما المرض بحد ذاته. وفي حال كان علاجه من الجرب ممكناً، سيشعر الكلب بالراحة في أي مكان."

 

وبالطبع، يُعد داء الجرب، الذي عانى منه الكلب، كناية عن أي موقف يتسبب في ردنا بصورة سلبية وبالتالي شعورنا بالبؤس. ولا يعني تغيير مواقفنا لتصبح أقل انتقاداً أن نتخلى عن تمييزنا بين الجيد والسيء، والخطأ والصواب، والعيش دون شعور بالمسؤولية، بل إن ذلك يعني وبكل بساطة أن نصبح أكثر تسامحاً وصبراً.

فمن غير الواقعي أن ننتظر من كل شخص وكل شيء أن يوافقوا الطريقة التي نريد في جميع الأوقات، لكننا مع ذلك نتعامل مع الحياة بهذا الأسلوب. ولا عجب عندها أن نختبر الكثير من مشاعر الانزعاج والغضب.

 

الناس كالأشجار؛ ليسوا متشابهين

وكمثال تقليدي على الموقف الذي نريد التغلب عليه، لدينا قصة لرجل اعتقد أنه سيكون من الرائع أن يغطي الأرض بجلد ناعم فيتمكن بذلك من السير حيث أراد دون أن يؤذي قدميه الناعمتين. لقد كانت فكرة لطيفة، لكنها لم تكن قابلة للتطبيق على الإطلاق.

غير أن رجلاً أكثر حكمة سيصنع حذاءً يمكّنه من المشي حيثما يشاء دون ألم. نحن لا نستطيع تغيير كل شيء والتحكم بالجميع لنُرضي أهواءنا ورغباتنا، لكننا نستطيع أن نغير من أساليبنا وأن نتعلم استيعاب تنوع الظروف والأوضاع دون أن نستاء أو ننزعج أو نشعر بالغضب.

 

وكما يقول معلمي:

"انظروا إلى الأشجار في الغابة، ألا ترون أن بعضها كبير وشاهق بينما الآخر صغير. وأن البعض منها مستقيم في حين تجد أخرى ملتوية؟ الناس مثل الأشجار، لا يمكن أن تتوقع منهم أن يكونوا متشابهين".

ويخبرنا هذا التعليم بدوره أننا في حال استطعنا استيعاب الأشخاص المحيطين بنا، لن نشعر بالكثير من الغضب والصراع. وفي أحيان أخرى، يمسك معلمي بيده، فيقول:

"انظروا إلى هذه الأصابع، جميعها يتباين في الطول والسماكة. بيد أنها مع ذلك تتعايش في وئام ويؤدي كل منها هدفه. حتى إن هذا الخنصر الصغير مفيد لحك الأذن من الداخل".

 

وفي الواقع، إن التنوع يثري الحياة، ولا ينبغي أن يسير كل شيء وفق الطريقة التي نراها مناسبة لذلك. ومن خلال تعلم السماح بوجود اختلافات واستيعاب الاختلاف والتنوع، فإننا بذلك نقلل من مخاطر تعرضنا للمضايقة والغضب.

 

جميعنا يرتكب الأخطاء: السماح ببداية جديدة مع وجود أمل في المستقبل.

ويعد الغفران موقفاً مهماً آخر للتخلص من حالات التفكير السلبية، فالجميع يرتكب الأخطاء، سواءً كان ذلك عن غير عمد أو نتيجة لا مبالاة. كما أن تعلم كيفية استيعاب العيوب البشرية يقلل من ميلنا إلى تغذية الضغينة أو مشاعر الاستياء ويساعدنا في أن نغفر للآخرين كما نغفر لأنفسنا.

بيد أن مغفرة الأخطاء لا تعني أن نتغاضى عن الرداءة أو الشر، بل إنها تعني أننا على استعداد للسماح ببداية جديدة في الحاضر مع أمل للمستقبل. الغفران بلسم مهدئ يُمسَح به على الجرح ليصبح الشفاء ممكناً. إنه جزء لا يتجزأ من تصرّف صحي يؤدي إلى حياة سلمية ومتناغمة.

 

وفي كتابه "No Future Without Forgiveness"، يوّضح القس "ديزموند توتو" التأثير العلاجي للغفران ببعض الأمثلة القوية. على سبيل المثال، يخبرنا قصة والدة اختُطِفَت ابنتها ذات الأعوام السبع أثناء رحلة تخييم عائلية في مونتانا. ألقي القبض على الخاطف في نهاية المطاف، إلا أن ذلك لم يكن في الوقت المناسب لإنقاذ حياة الطفلة. ويذكر توتو أن الأم وبرغم تعرّضها لهذه المأساة المروعة، رفضت أن تصبح ضحية للكراهية.

"على الرغم من أنني أعترف أني كنت أود في بداية الأمر أن أقتل ذلك الرجل بيدي هاتين، إلا أنني بحلول وقت قرار البت في جريمته كنت مقتنعة بأن الخيار الأفضل والأكثر صحة بالنسبة لي كان أن أغفر له..." عائلات الضحايا.. الذين يكنّون الحقد والضغينة للجاني، فإنهم بذلك يمنحونه ضحية أخرى. فإذا أصبح الشخص مضطرباً ومعذباً وعبداً للماضي، لن يكون للحياة قيمة عنده. ومع أن عدم مغفرتنا للجاني مبرر، إلا أنه يضر بنا. فالغضب والكراهية والسخط والمرارة والانتقام؛ جميعها أرواح الموت و"ستقضي على حياتنا". أعتقد أن الطريقة الوحيدة التي من الممكن أن نكون فيها أشخاصاً مكتملين صحيين وسعداء تكمن في تعلم الغفران". 155- 156).

 

قد يساعدك هذا النقاش حول تغيير مواقفك في رؤية الحياة من منظور جديد. وبدلاً من أن ترى الأمور بنظرة جامدة وانتقادية، ستدرك أنه من الممكن لك أن تخفف من حدة وجهة نظرك ورؤية التجارب في الحياة بطريقة أقل جلْداً.

 

--------------------------

الكاتب:

جون تشانسيوسي (John Cianciosi): أسترالي عُرِف في تايلاند باسم المبجل "أجان جاجارو". كان على مدى عقدين كاملين ناسكاً بوذياً في تقليد ثيرفادا التايلاندية ومديراً لدير الغابات الدولي شمال شرق تايلاند. ثم قبل دعوة من الجمعية البوذية في غرب أستراليا لإنشاء دير الغابات إلى الجنوب من بيرث. عمل هناك دون ملل في الإدارة وتعليم التأمل، كما عمل في مجال الاستشارة وازدهر الدير في تايلاند في عهده.

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2513968

مقالات المترجم