عدد القراءات: 3850

كيف أصبحت الديموقراطية كفراً.!؟ - 2

 

* أحمد الرمح

أحمد الرمح.jpg

 

من الهنــــــــــــد إلى مصـــر:

سقطت الخلافة الإسلامية سنة1924 وأخذ الإمام حسن البنا يعمل على إعادتها ولو عربياً؛ وحتى يعود الإسلام للسلطة، أسس البنا تحالفاته السياسية آنذاك مع الملك فؤاد ثم فاروق؛ هنا ظهر ما سُمي لاحقاً بالإسلام السياسي. إلا أنّ علي عبد الرازق وجد بأن نظام الدولة الحديثة المتشكلة بعد الحرب العالمية الأولى؛ لا يسمح بعودة نظام الخلافة؛ وأنه نظام عفا عليه الزمن؛ ولا يليق بالدولة الحديثة؛ ولاعلاقة للإسلام به؛ وليس من أصول الدين؛ فكتب كتابه الشهير (الإسلام وأصول الحكم) الذي صدر عام 1925 ويُعدُّ الكتاب أولَ دراسة شرعية تؤسِّس للفكرة العَلمانية داخل الوسط الإسلامي.

 

تقوم فكرة الكتاب الرئيسة على تفسير الإسلام بما يتفق مع التطور الغربي لمفهوم الدين، فرسالة النبي ما هي إلا رسالة روحية ليس فيها إلا البلاغ لوجود (آيات متضافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان). فهي رسالة لا تتضمن سلطة حكم، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم: (رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين لا تشوبها نزعة ملك ولا دعوة لدولة) وإنما أحدث ذلك المسلمون من بعده، وكانت الحكومة التي أقامها الصحابة من بعده حكومة دنيوية ليست من أحكام الإسلام حيث قال فيه:

لا شيء يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى، في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم؛ على أحدث ما أنتجت العقول البشرية؛ وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم.

أحدث الكتاب ردة فعلٍ شديدة ضده، فأصدرت هيئة كبار العلماء في مصر بتوقيع (24) عالماً، بياناً ذكروا فيه أخطاء الكتاب البارزة، وحصروها في (7) مخالفات ظاهرة ثم توالت الردود العلمية، فكتب الشيخ محمد الخضر حسين: نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، وكتب الطاهر بن عاشور: نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم. وألَّف محمد بخيت المطيعي رسالته: حقيقة الإسلام وأصول الحكم، كما أرَّخ الدكتور محمد ضياء الدين الريس للتفاصيل السياسية المتعلقة بصدور الكتاب في رسالته(الإسلام والخلافة).

 

مع ظهور جماعة الإخوان كقوة حقيقية ومنظمة منضبطة في حرب فلسطين 1948إضافة إلى التخوف من دورها المعارض في مفاوضات الانجليز مع الحكومة المصرية حول فلسطين وقضايا أخرى داخلية؛ جاء قرار النقراشي باشا - رئيس وزراء مصر حينها - في كانون الأول (ديسمبر)1948 بحل الجماعة ومصادرة ممتلكاتها، واعتقال رجالها وزجهم في السجون. على إثر تلك الأحداث تم اغتيال حسن البنا عام1949.

تابعت الجماعة عملها سراً بعد قرار حلها حتى جاءت ثورة يوليو 1953 وحصل تحالف معها؛ كما ذكر بعض مَنْ أرخ لتلك الفترة؛ لكن سرعان ما انتهى شهر العسل بينهما الذي لم يدم طويلاً؛ وقيل بأن جمال عبد الناصر كان منتمياً للجماعة؛ ثم انفصل عنها بعد تشكيله لحركة الضباط الأحرار؟!.

في تلك الفترة الحرجة لمعت شخصية مهمة ذات صفات قيادية؛ تتمتع بالتأثير على من حولها وعلى مَنْ يقرأ لها؛ أصبحت فيما بعد أهم الشخصيات الإسلامية في القرن العشرين؛ إنه (سيد قطب) ذلك الرجل الذي يتمتع بقلم مبدع وأسلوب ساحر في الكتابة.

سيد قطب يعدُّ أهم منظري الحاكمية عربياً؛ ولعله أشهر من المودودي في ذلك لأن كثيراً من التنظيمات المتشددة تبنت أفكاره؛ وعملت بها؛ ولقد طرحها من خلال كتابيه (في ظلال القرآن) وهو تفسير لكتاب الله؛ و( معالم في الطريق) ولقد نال هذان الكتابان شهرة عربية واسعة.

في هذين الكتابين أسس سيد قطب مفهوم الحاكمية سياسياً وربطه بالمفهوم الشرعي؛ ونادى بجاهلية المجتمع؛ وطالب ـ كما المودودي مع اختلاف بسيط ـ أن تبدأ الدعوة من الصفر على خطى رسول الله كما في مكة والمدينة.

 

حكم سيد قطب في حاكميته على أنّ المجتمع جاهل؛ ورأس الجهل فيه السلطة الحاكمة فكفر الجميع؛ ولكن يجب أن لا ننسى بأن قطب كتب كتابيه الظلال والمعالم وهو في السجن؛ وأنّ للمحنة وما لاقاه من عذاب وتنكيل في السجن من قبل جلاديه أثراً على ما كتب؛ وهذا العذاب الذي لاقاه وهو في العقد السادس من العمر؛ ترك أثراً في فكره وكتاباته؛ لذا لا يمكن أن يُدرس فكره بعيداً عن محنته.

يعتبر قطب من أهم منظري السلفية الجهادية؛ وكتبه مرجعيتهم في ذلك؛ ثم ما لبثوا أن كتبوا على منوال كتاباته مناهجهم التي ساروا عليها؛ ولكنها تدور في فلك فكر الحاكمية القطبية كما يسمونها.

لا يستطيع أحد أن يشك بأن مصطلح الحاكمية عند المودودي؛ هو ذاته المحرك والملهم لأفكار سيد قطب؛ ولا أعتقد بأن قطب وجد سوى حاكمية المودودي مدخلاً لإثبات عدم شرعية عبدالناصر في حكمه؛ وأنّ نظامه يخالف منهج الله وحاكميته.

 

سلك قطب مسلك المودودي؛ وذهب بمفهوم الحاكمية بعيداً عن الخضوع العبادي لله سبحانه وتعالى، ونقله من التوحيدية والعبادية إلى الحياتية الشاملة بما فيها السلطة؟!. وكذلك لم يحسم دلالة المصطلح؛ إنما طالب ببسط السلطان الإلهي في الأمور كلها دون أن يتحدث عن دائرة المباح المتروكة للفعل البشري وإرادته؛ ولا تتدخل فيها الشريعة؛ وهي متبدلة ومتغيرة بتبدل العصر وتغيره؛ من خلال تنظيم حياة الناس؛ وأمنهم ومعايشهم؛ لكن قطب يتحدث عن الحاكمية؛ ويستبطن بين كلماته الأمر السياسي حيث يقول في (معالم في الطريق):

وليس الطريق أن نخلص الأرض من يد طاغوت روماني أو طاغوت فارسي إلى يد طاغوت عربي، فالطاغوت كله طاغوت، إن الأرض لله...وليس الطريق أن يتحرر الناس في هذه الأرض من طاغوت إلى طاغوت...إن الناس عبيد الله وحده...لا حاكمية إلا لله...لا شريعة إلا من الله ولا سلطان لأحد على أحد...وهذا هو الطريق.

وهنا نسأل: كيف تنتظم الحياة بدون قوانين ضابطة لسلوك الناس في المجتمع؟ وأين كانت النصوص الشرعية في صحيفة المدينة التي دعا إليها الرسول الكريم؟ ألم يتوافق مع أهل المدينة من يهود ومشركين وسواهم على حمايتها ضد أي اعتداء خارجي؟ ألم يتضمن العقد الاجتماعي لتلك الصحيفة تكافلاً اجتماعياً؟ يضمن السلم الأهلي فيها؟.

لكن سيد قطب يذهب في مراده بالحاكمية إلى السلطة السياسية؛ وبالتالي إلى تكفير نظام عبد الناصر، كما ذهب أبو الأعلى المودودي إلى تكفير من يقبل بالعلمانية والديمقراطية والقومية؟ ليقطع الطريق على البريطانيين في الهند؛ وعلى محمد علي جناح في الباكستان؛ وهذا ما دفع سيد قطب للقول: لا حاكمية إلا لله...لا شريعة إلا من الله ولا سلطان لأحد على أحد...وهذا هو الطريق. وبالتالي فإن طرح عبد الناصر للقومية والديمقراطية والعلمانية جعلها بديلاً عن الحاكمية الإلهية؛ ولابد من إسقاط شرعية عبد الناصر من منظور شرعي حتى يكون اسقاطه جهاداً يلتقي حوله كثير من الإسلاميين الحالمين بالعودة للسلطة؟!.

 

وهنا يلتقي قطب بالمودودي بفكرة التكفير ذاتها حيث يقول في تفسيره للآية(40) من سورة يوسف:

إن الحكم لا يكون إلا لله فهو مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته; إذ الحاكمية من خصائص الألوهية من ادعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته; سواء ادعى هذا الحق فرد أو طبقة أو حزب أو هيئة أو أمة أو الناس جميعا في صورة منظمة عالمية. ومن نازع الله سبحانه أولى خصائص ألوهيته وادعاها فقد كفر بالله كفرا بواحا يصبح به كفره من المعلوم من الدين بالضرورة. وكلام سيد قطب هو كلام المودودي ذاته؛ وكأنه (قص لصق) لا يختلف معه البتة؟.

ختاماً: نحتاج كثيرا لمراجعات حقيقية للفكر السياسي الإسلامي بكل مدارسه؛ وآن الأوان لنعترف أن تلك المدارس التراثية  لم تعد صالحة اليوم في دولة المواطنة المنشودة؛ والدولة المعاصرة الحديثة؛ وعلينا أن نبتكر مفهوماً سياسياً يمت للواقع المعاصر الذي نعيشه؛ ويعتمد مقاصد الإسلام الإنسانية والأخلاقية مرجعاً. إنّ الشورى مبدأ تعايشي عام أما الديمقراطية آلية توافقية في العمل السياسي؛ تمنع ولادة الاستبداد لتسمح بتداول سلمي للسلطة.

 

والأوطان تبنى بالتشاركية لا بالقطيعة، والعنف يعقد المشاكل ولا يحلها. والديمقراطية دواء لنا لاداء. وهي شراكة لبناء المجتمع وليست شركاً! لا نريد عنفاً تنتصر في نهايته الديمقراطية، لأننا لا نريد العنف ذاته؛ فهل يمكن الوصول إلى ديمقراطية بدون عنف؟. إن كثيراً من الديمقراطيات دفعت دماً للوصول إلى حالة مستقرة؛ ولكن هل محكومون قدرياً في إعادة التجارب.

إن الديمقراطية تحقق السلم الأهلي وتقضي على ظاهرة العنف السياسي، وتضمن ممارسة السياسة كأسلوب متحضر في إدارة شؤون المجتمع وحل مشاكله وتناقضاته، وإقامة نظام سياسي يقوم على الحوار والتفاهم، وتداول السلطة، ونبذ العنف بكل صوره، والاحتكام إلى نتيجة الانتخابات النزيهة، وهذا يتطلب ثقافة ديمقراطية قبل الديمقراطية ذاتها؟.

 

علِّق