No votes yet
عدد القراءات: 588

كيفَ تُفلِحُ أمازون في ابتكار ما تعجَزُ عنه غوغل وآبل.؟

الكاتب الأصلي: 
Timothy B. Lee
تاريخ النشر: 
5 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

حقّقت سمّاعة أمازون المعروفة باسم إيكو Echo نجاحاً باهراً في مبيعات موسم الأعياد لهذا العام، وعلى الرغم من أنَّ الشركة ما زالت تخفي أرقام مبيعاتها، إلاّ أنّها تقول بأنَّ حجم مبيعاتها من تلك السمّاعة بلَغ تسعة أضعاف مثيله للعام السابق.

تُعدُّ إيكو مثالاً لريادة شركة أمازون في ابتكار فئة جديدة من المنتجات ومن ثمَّ الهيمنة على سوقِها، وقد احتلت الشركة موقع الريادة في سوق الكتاب الالكتروني بفضل قوّة قارئها الالكتروني الشهير والمعروف باسم كاندل Kindle، كذلك تُهَيمِنُ أمازون على قطاع واسع من سوق الحَوسَبة السّحابية، ومن المتوقع أنَ تبلغ عائدات خدمة أمازون لهذا العام مبلغاً يُقَدَّرُ بـ12 مليار دولار أميركي.


مؤسس أمازون ورئيسها التنفيذي جيف بيزوس

 

وتتطلّع أمازون لبدء نشاطٍ يعتمد على وجود متاجر تحمل اسمها في سوق التجزئة، وذلك بحلول العام القادم. وكانت الشركة قد كشفت مؤخّراً عن  أمازون غو Amazon Go وهو عبارة عن متجرٍ (بقّالة) يُعتَقَدُ بأنَّ تقنية "اللاّمُحاسب" التي سيعتمدها هذا المتجر، سوف تكون بمثابة ثورةٍ في عالم تجارة التجزئة.

باختصار، لقد أظهَرت أمازون قدرةً ملفتة على النجاح في مجال واسع وفئات مختلفة من المنتجات، وذلك خلافاً لمعظم الشركات الأخرى الكبرى في عالم التكنولوجيا، والتي يقتصر تميّزها الحقيقي على جانب واحد فقط، مثلَ هيمنة غوغل على خدمات الانترنت أو تميّز آبل في أجهزتها وافرة الرّبح، غيرَ أنّ هاتين الشركتين تواجهان صعوبة حين يدفع بهما هاجس النمو إلى البحث عن فرص خارج مجال اختصاصهما الأساسي.  

وكما يقول إريك ريس، المؤلّف والخبير في انطلاقة الأعمال، فإنَّ "ثمّة فرصة للابتكار في الشركات الكُبرى" ويضيفُ ريس قائلاً: "حتى اليوم، فإنَّ عدداً قليلاً للغاية من تلك الشركات فعلت ذلك، وأمازون واحدةٌ منها".

لقد أدركت أمازون كيف تُوفِّقُ ما بينَ ثقافة الاستثمار للشركة الصغيرة، وبين الموارد المالية الهائلة للشركة الكُبرى، مما أتاح لها معالجة مشاكل تعجزُ الشركات الأخرى عن معالجتها.

 

تُواجهُ معظم الشركات صعوبةً في كسرِ حاجزِ نشاطها التجاري المألوف

الشريك المؤسّس لشركة غوغل، سيرجي برين في صورة للتصميم الأولي من نظارات غوغل

 

تمكّنت غوغل من إيجاد (أو من الاستحواذ) على سلسلة رائعة من المنتجات بدءاً من العام 2000، بما في ذلك خدمات جي ميل، وغوغل مابس، وغوغل دوكس، ويوتيوب، وآندرويد ومتصفح كروم. ولجميع هذه المنتجات رابط مشترك، إذ إنَّ معظمها خدمات تتعلق بالانترنت على غرار محرك بحث غوغل، أمّا الاستثناءان الأساسيّان فهما أندرويد وكروم، وهما برنامجان يساعدان المستخدمين في الوصول إلى خدمات غوغل على شبكة الانترنت.

وخلال العقد الثاني من الألفية الثانية، أصبحت غوغل أكثر طموحاً وذلك من خلال تمويلها سلسلةً من المشاريع بعيدة المدى، والتي كانت تهدف لإيجاد حلول لمشاكل تكنولوجيّةً كبيرة تتجاوز إلى حدٍّ كبير المجال التقليدي لنشاط غوغل في خدمات الانترنت. وفي الواقع، فقد كان فشلُ كلٍ من الشريكين المؤسسين لاري بيج وسيرجي برين ذريعاً في تلك المهمة بحيث أنّهما أعادا تنظيم غوغل نفسها بإحداث "شركةٍ أمّ" جديدة اسمها ألفابيت Alphabet لتكون بمثابة مظلّةٍ لتلك المشاريع.  

لكن حتى الآن، ليس لدى غوغل الكثير لعرضه بعد كل تلك الجهود. كانت نظّارة غوغل فكرةً متخبّطة، ومع أنّ الشركة طوّرت تقنيةً باهرةً في تقنية التسيير الذاتي خلال السنوات الست الماضية، إلاّ أنّها لم تتمكن حتى اليوم من تحويل تلك التكنولوجيا إلى مشروع تجاري. وكانت غوغل قد اشترت شركة نيست Nest عام 2014، غيرَ أّنها واجهت صعوبةً في التوسّع خارج نطاق الحسّاسات الحرارية الذكيّة، كما استحوذت غوغل على بعض المبادرات الروبوتيّة في العام نفسه، بَيدَ أنَّها لم تعرف حقّاً ماذا تفعل بتلك الأعمال وراحت تعرضها للبيع واحدةً تلو الأخرى.

يبدو أنَّ أحد أكبر المشاكل هنا تكمنُ في أنَّ السيد بيج وشركته يركّزان نوعاً ما وأكثر مما يجب على إيجاد حلولٍ للمشاكل التقنية الصّعبة، لا شكّ بأنَّ ابتكار منصّة حاسوبية حول زوجٍ من النظّارات يعدُّ تحدّياً تقنيّاً صعباً وممتعاً في آن، إلاّ أنّه لم يكن من الواضح أبداً أنَّ إنجاز ذلك التحدي سوف يُفضي إلى الحصول على منتَجٍ قابلٍ للحياة.

تُعتَبَرُ سيارة غوغل الذاتية القيادة بمثابة أكثر مشاريعها الواعدة أهميّةً، إذ يُعدُّ هذا المشروع، وعلى نطاقٍ واسع، مشروعاً تكنلوجياً رائداً. إلاّ أنّ صبرَ أبرز المهندسين المشاركين في هذا المشروع بدأ ينفد حيالَ إيقاع الشركة البطيء لجهةِ طرح المنتَج في الأسواق. وبالفعل فقد ترَكَ فريقٌ من المهندسين شركة غوغل وأسّسوا شركة بمفردهم أسموها أوتّو Otto، وهي شركة سيارات ذاتية القيادة كانت أوبر Uber قد استحوذت عليها في وقتٍ سابق من هذا العام.

كذلك فقد استقالَ كريس أرمسون، المسؤول عن مشروع السيارة الذاتية القيادة من غوغل مؤخراً وذلك ليؤسس شركته الخاصة في نفس المجال.

كذلك فإنَّ الروبوتات مسألةٌ لها أهمّيتها في أبحاث علوم الكومبيوتر، إلاّ أنّ نيّةَ غوغل لم تكن واضحة إزاء مجموعتها الواسعة من المبادرات الروبوتية التي استحوذت عليها. أغلب الظنّ بأنّ غوغل خطّطت لأن تستحوذ أولاَ على أفضل المواهب في هذا المجال، ومن ثمّ تضع خطّةً لكيفية استثمارها.

وبالطبع فإنّ بإمكان مشروع سيارة غوغل ذاتية القيادة أو أيّ مشروع من مشاريعها الأخرى أن يتحول إلى نجاح استثماري باهر من شأنه أن يشفع لفشل المشاريع الأخرى، لكن وحتى اليوم، فإنَّ جهود الشركة في التوسّع خارج نطاق خدمات الانترنت لم يؤتِ أٌكُلَه كما ينبغي.

تركّزُ أمازون على تلبية احتياجات المستخدمين

جيفّ بيزوس حاملاً قارئ كاندل الالكتروني

 

إنّ مبدأ عمل غوغل الذي يقوم على إيجاد الحلول للمشاكل التقنية الصعبة، أوّلاً، ومن ثمّ التفكير في آلية عمل المنتَج، هو مبدأ متأصّلٌ في الخلفية الهندسية لمؤسّسي الشركة، لاري بيج وسيرجي برين. على العكس من ذلك، فقد أمضى جيف بيزوس، الرئيس التنفيذي لشركة أمازون، زُهاءَ عقدٍ في العمل لدى عدة شركاتٍ في وول ستريت قبل تأسيسه لأمازون، ممّا مكّنَه من أن يصبح أكثر براغماتية في تطلّعِهِ لتطوير منتجاتٍ يكون لدى المستخدمين استعدادٌ فعليٌّ لشرائها.

 

عَمِلَ بيزوس على خلق ثقافةٍ تحتفي بالتجريب داخل شركة أمازون.

"لديّ أمثلةٌ عن مواقف يقول فيها مهندسٌ عاديّ في أمازون: لقد قرأت عن فكرةٍ في أحد المدوّنات، يجب علينا تطبيقها" يقول إيريك ريس، ويضيف: "يعلم المهندس بأنّ الخطوة التالية تقتضي طرح الفكرة على اللجنة التنفيذية، حيث يتّخذ جيف بيوزس قراره في الحال".

هنالك عاملٌ أساسي في عمله، يقول ريس، وهو أنَّ التجارب تبدأ صغيرة ومن ثمّ تكبر بمرور الوقت. في شركةٍ عادية، حين يدعم الرئيس التنفيذي فكرةً ما، فإنّها تصبح محطَّ أنظار الشركة بأسرها، وتلك وصفةٌ لتبديد الكثير من الموارد على فكرةٍ ربّما لا تكون موفّقة.

في المقابل، تقوم أمازون بإنشاء فريقٍ صغير الحجم لتدارس الفكرة واختبار جدواها. ويُشتَهَرُ عن بيزوس تأسيسه لقاعدة "فريق البيتزاتَين" والذي يعني بأنَّ حجم ذلك الفريق يجب أن يكون محدوداً بحيث يمكن إشباعه بوَجبَتين من البيتزا.  

 

ويوضح ريس بأنَّ فِرَق العمل الجديدة تحصل على موارد محدودة وأهداف واضحة المعالم؛ وحين يُفلِحُ فريقٌ في مهمّةٍ صغيرة، فإنّه يحصل على موارد أكثر ويُكَلّفُ بمهمّة أكبر ليقوم بها.

غيرَ أنَّ أمازون لا تنفِقُ كثيراً من الوقت على الاختبار الداخلي. "إذ أنّهم يولون أهميةً قصوى لمسألة الإطلاق المبكّر للمنتَج، قبل أيّ شيء آخر"، وذلك بحسب ما كَتَبه أحد المهندسين سنة 2011 مُتَبَجّحاً في مُطَوَّلَةٍ قارن فيها بين ثقافة أمازون وثقافة شركات التكنولوجيا الأخرى.

تلك الطريقة ليست مضمونةً بالطبع، فقد أخفقت أمازون في مرّاتٍ كثيرة، على غرار ما حصل في غزوتها الفاشلة لسوق الهواتف الذكية. لكنَّ أمازون، ومن خلال سرعتها في إيصال السلعة إلى يدِ الزبون الجاهز للدّفع، فإنّها تتجنّبُ تبديد سنواتٍ من العمل على منتجاتٍ لا تُلبِّي حاجة الزبائن الحقيقيين.   

ويبدو أنّ هذا الأسلوب هو ما تعتمدُه أمازون بشأن منتجها الجديد أمازون غو، وهو متجرٌ أشبه بالبقالة. وتصلح هذه التكنولوجيا لتطبيقها على أنواع مختلفة من متاجر التجزئة، إلاّ أنَ نهجَ أمازون المبدئي يلتزم التواضع: فهو متجر واحد وصغيرٌ نسبيّاً. وبحسب تقارير إعلامية، فإنّ أمازون تنوي افتتاح 2000 متجر من متاجر التجزئة هذه، إلاّ أنّ الشركة تجادل في تلك التقارير. في نهاية المطاف، فإنّ أسلوب أمازون لا يقوم على افتتاح متجرٍ واحد لأنّ لديها خطّةً لافتتاح 2000 متجرٍ آخر، بل يقوم على افتتاح متجرٍ واحد، وإذا ما كُتِبَ النجاح لهذا المتجر، فسوف يتم افتتاح 2000 متجر أخرى.  

 

لماذا لا تحقّق الموارد الضخمة الابتكار في كثير من الأحيان?

تقول التقارير بأّنّ شركة بوسطن دايناميكس Boston Dynamics والتي تصنع روبوتات على غرار تلك التي في الصورة أعلاه، معروضة للبيع من قِبَل شركة ألفابيت.

وباختصار، فإنّ هذا النهج الذي يقوم على الحدّ من البيروقراطية، والبدء بتجارب صغيرة ومن ثمّ التوسّع في حال نجاح تلك التجارب، يبدو ناجحاً إلى درجةٍ يظهَرُ فيها وكأنّه عاديّ. غيرَ أنّ ذلك يصعُب على الشركات الكبرى على نحوٍ مدهش، وخصوصاً حين تُفكّر تلك الشركات باقتحام أسواق جديدة.  

بمرور الوقت، تطوّر الشركات الكُبرى ثقافتها وتُحَسِّنُ من أداء عمليّاتها في السوق الذي لاقت فيه نجاحها الأوّل. وتُظهِرُ الشركات ميلاً غريزيّاً لتأسيس معايير موحّدة في أرجائها. حين أمضيتُ فصل الصيف لعام 2010 كمتدرّبٍ في شركة غوغل، فإنّني قضيت معظم وقتي في تعلُّمِ استخدام مجموعة الأدوات والبرامج المملوكة للشركة. إذْ يُطلَبُ من موظَّفي الشركة استخدام تلك الأدوات في نطاق واسع من المشاريع المختلفة. ينفع ذلك الأسلوب بشكل كبير أثناء إنشاء خدمات جديدة على الانترنت على غرار النجاحات الأولى لخدمة البحث و خدمة جي ميل، إلاّ أنَّ هذه الأدوات نفسها، تتحوّل إلى معيقات حين يحاول فريقٌ من غوغل العمل على مشروعٍ يختلف كثيراً عن محرّك البحث.   

يمكن القول بأنّ الأمر نفسه ينطبق على شركة آبل، فهي مشهورةٌ بأناقة الواجهة التي تضعها للمستخدم، والتي تعكس الدور البارز للمصمّمين، وليس المهندسين أو مدراء المشاريع، وذلك في عملية التطوير في الشركة. تلكَ طريقةٌ جيّدة لتطوير أدواتٍ وواجهات سهلة الاستخدام مثل واجهات آيفون وتطبيقات آبل ووتش (ساعة آبل)، إلاّ أنّه ليس من الضروريّ أن تصلح تلك الطريقة لفئات من المنتجات الأخرى. لقد جاهَدَت آبل على مدار سنوات لتجعل من خدمة آي كلاود iCloud (وأسلافها مثل ماك Mac وموبايل مي  (MobileMeخدماتٍ موثوقة.

أمّا جيف بيزوس، وخلافاً لآبل، فقد كان متشدّداً بشأن السماح لفِرق العمل بأن تعمل باستقلالٍ عن بعضها البعض. "لا تهمّ التكنولوجيا التي يستخدمها العاملون في أمازون"، هذا ما كتَبَه أحد المهندسين السابقين في شركة أمازون عام 2011. لقد حضَّ بيزوس بشكلٍ غير مباشر على تجنّبِ ذلك النوع من توحيد الإجراءات والذي نجده في شركاتٍ مثل غوغل وآبل، وبدلاً من ذلك، فقد شجّع بيزوس فِرَقَ عمل الشركة على أن تعمل باستقلاليةٍ وأن تستخدم التكنولوجيا التي تجدها مناسبةً لعملها.  

عَمِلَ بيزوس باجتهاد لتحويل أمازون إلى شركةٍ أنموذجية ومَرِنة تستخدم الحدّ الأدنى من السياسات العامّة على مستواها الداخلي. كان من شأن ذلك أن جَعَل الثقافة الداخلية للشركة تبدو منقسمةً وفوضوية. فليس بمقدور مهندسٍ في أمازون أن يقفز من مشروعٍ إلى آخر على غرار ما يفعلُه مهندسو غوغل وآبل. وقد تفسّرُ الاحتكاكاتُ التي تحصل بين فرق العمل المختلفة الثقافات داخل أمازون، السبب الذي يدفع بالبعض إلى القول بأنَّ أمازون بيئة عملٍ مُرهِقة.

بيدَ أنَّ هذه الثقافة الفوضوية تُعَدُّ حاضنةٌ للابتكار. إذ بإمكان الموظف الجديد استخدام الأدوات والإجراءات التي يراها مناسبة، بدلاً من تجشّمِه عناء مواجهة الإجراءات والضوابط الواسعة.

تحتلّ أمازون مكانةً مرموقة على مستوى الابتكار للعقد القادم

 

ترجعُ أهمية الخيارات التنظيمية لأمازون إلى حقيقة وجود وفرةٍ من الفرص أمام الشركات الكُبرى تُمَثّلُ أفضل خيارات الانطلاق.

تُعتَبَرُ خدمة أمازون غو مثالاً جيّداً على ما قلناه. فمن الصّعب تصوّرُ أنَّ بإمكان انطلاقة متواضعة كهذه قطْفَ النجاح. إنَّ التكنولوجيا التي تديرُ المتجَر باستخدام كاميرات وحسّاساتٍ تتعقّب الزبون خطوة بخطوة، وترصُدُ على الفور تناولُ الزبون لسلعةً من الرفّ؛ لا بدّ وأن تكون ثمرةً متطوّرةً لعلوم الكومبيوتر التي لا شكَّ بأنّها كلّفت ملايين الدولارات لتطويرها. ولاسترداد تلك الاستثمارات، فإنّ أمازون سوف تُنفِقُ سنوات وملايين أخرى من الدولارات على افتتاح متاجر لا تحظى بهوامش ربحٍ عالية. يتطلّب ذلك جيوباً ممتلئة وآجالاً زمنيةً طويلة قلّما تتوفّر عليها الأعمال المبتدئة.  

أواخر التسعينيات وفي بداية الألفية الثانية، كانت شبكة الانترنت هي الميدان الأبرز لشركات التكنولوجيا المتقدّمة. قد تُشكِّلُ مسألة زيادة عدد المستخدمين لموقع الكتروني من المئات إلى الألوف تحدّياً تقنيّاً، غير أنّها لا تتطلّب بالضرورة فريق عمل كبير أو كمّاً هائلاً من البنية التحتية، وعلى هذا النحو استطاعت شركات مثل غوغل وفيسبوك أن تنمو من لاشيء إلى شركات قيمتها مليارات الدولارات.

 

في المقابل، من المرجّح أن يكون الجيل القادم من الابتكارات أكثر صلة بالعالم الواقعي وبالصناعات التقليدية، أي ابتكارات على علاقة بمشاركة السّكن وبالسيارات الذاتية القيادة ومخازن التجزئة والعناية بالصحة، وما إلى ذلك.

تعمل شركات غوغل وأوبر وتيسلا وشركات السيارات التقليدية على تطوير تكنولوجيا للقيادة الذاتية. وللنجاح في هذه السوق، فإنَّ الشركات ستحتاج لأن يكون لديها البرامج والأجهزة والخرائط المتطورة، بالإضافة إلى وجود استراتيجية للتعامل مع المسائل التنظيمية المعقّدة، وهو مزيجٌ من المقوّمات التي ربما يكون من الصعب جداً إدارتها من قِبَلِ مبادرةٍ مبتدِئة.  

تعملُ كلٌ من أمازون وغوغل على تطوير تكنولوجيا توصيل بواسطة الطائرات من دون طيار، تستلزم هذه التكنولوجيا مزيجاً مشابهاً لما ذكرناه آنفاً، فهي بحاجة لبرنامج وأدوات، ولديها التحدّي التنظيمي إيّاه. ولا شك بأنّ البنية التحتية المالية والتقنية لهذه الشركات ستمنحها قَصَب السّبق في سوق هذه التكنولوجيا.

ولعلّ إحدى الطرق التي يمكن للشركات الكبرى أن تتعامل فيها مع تلك المعضِلة، تتمثّل في استحواذها على مبادرات ناشئة. من شأن ذلك أن يجمع بين ابتكار المبادرات الناشئة وبين موارد تلك الشركات. فقد استحوذت أوبر على شركة أوتو الناشئة للسيارات ذاتية القيادة بعد أقل من سنةٍ على تأسيسها. كما دفعت شركة جي إم GM مليار دولار لشراء شركة كروز Cruise الناشئة للسيارات الذاتية القيادة.

إلاّ أنّ الاستحواذ على الشركات المبتدئة والمضطردة النمو يُعدُّ مكلِفاً للغاية لشركات مثل غوغل أو أوبر وبحيث تحافظ على مواقعها. حتى أنّ تلك الاستراتيجية لا تنفع في حالات كثيرة. فقد كان من المفترض بصفقة استحواذ غوغل على شركة نستو، والتي بلغت قيمتها 2 مليار دولار، أن تُسرِّعَ نمو نستو، إلاّ أنها بدلاً من ذلك راحت تعاني تحت مظلّة ألفابيت.

هذا ما يجعل من نجاح أمازون الباهر في رعاية المشاريع الريادية داخليّاً؛ أمراً مميّزاً. إذْ لا تحتاج أمازون لأن تعوّل بدرجة كبيرة على استحواذات مكلِفَةٍ وعالية المخاطر، لأنّها طوّرت نظامها الخاص برعاية المشاريع الريادية لديها. وفي الوقت الذي تغزو فيه التكنولوجيا العالم الواقعي، سيكون هنالك المزيد من الفرص أمام تلك المشاريع الريادية. 

 

علِّق

المنشورات: 13
القراءات: 52372

مقالات المترجم