عدد القراءات: 3921

قصة الطبيب "سلام" التي ترسم ملامح المعضمية... والثورة

 

* السوري الجديد.. يوسف أبو خليل


أمسكه بيديه المرتجفتين وبدأ يقلبه بروية بعد أن اشتمه لفترة ليست بالقصيرة، واسهبت عيناه تنظر ذاك الرغيف الدائري.. ركبتاه المنحوتتان على قماش بنطاله توحي بهزالة الجسد المخفي خلف السترة المخملية الفضفاضة.. أنف قصير مدبب، وعينان دائريتان غائرتان تحت حاجبين سوداوين، وشعر قصير مشذب… ملامح ترسم وجه الدكتور "سلام" ..
"سنة وتلت شهور ما شفت رغيف خبز ولا شميت ريحتو، والظاهر إنو الاسبوع يلي عم شوف فيه الخبز مو كافي ليرضي غريزتي بشم ريحتو، بتمنى تعذروني على تصرفي اللاإرادي" .... الكلمات الاولى التي نطقها بها لسان الدكتور بعد لحظه دهشتنا لردة فعله تجاه رغيف الخبز، لم يكن من الحكمة الخوض بالحديث عن القصة لحظتها؛  فقد اكتفينا بابتسامة مصطنعة لا تخفي تقلص ضربات القلب وانهزام عقلي ونفسي، ليبادر "أبو حمادة" مستضيفنا بالكلام "يالله تفضلوا عالميسور"..
هي لقيمات معدودات تلك التي استطاعت معدة الدكتور "سلام" احتواءها بعد خمسة عشر شهراً قضاها من حصار الغوطة الغربية بمعدة اعتادت على وجبة واحدة من اوراق التوت او الاعشاب كل يومين.. لم نستطع أنا و"ابو حمادة"  إقناعه بتناول المزيد، فحججه العلمية أقوى من دفاعنا الموروث عن القيل والقال، وعليه التزمنا الصمت فاتحين له المجال ليروي بعض القصص التي شهدها وعاشها في "معضمية الشام" مع أبنائها المحاصرين بحلوها ومرها و آمالها وآلامها.


كانت ليلة قصيرة لأسماعنا وطويلة جدا لآلامنا.. حكى لنا أنه ذات مساء وبعد خروجه من غرفة العمليات لاستنشاق بعض الهواء وأخذ استراحة قصيرة بعد الجهد الذي بذله في غرفة العمليات الوحيدة في المشفى الميداني، والعملين الجراحيين المتلازمين بالوقت والمكان، واللذين كانا لازالا مستمريّن وقتها على ايدي اطباء المشفى، وصلت اصابة حرجة لامرأة ثلاثينية، فكان لزاماً عليه إجراء عمل جراحي بغرفة الاسعاف وبمجهود فردي، فغرفة العمليات لا تتسع إلا لاثنين من المصابين وحالة الامرأة شديدة السوء.
كانت الاصابة عبارة عن عدة طلقات رشاش ثقيل أدت الى بتر أحد الاطراف العلوية، وتهتك بالصدر والرئتين والمعدة والكلى وغيرها.. وعلى الرغم من أنه طبيب ذو اختصاص بعيد عن الجراحة العامة والاوعية، إلا انه استطاع انقاذ تلك الامرأة وإجراء عمل جراحي متعدد المهام... نعم استطاع انقاذها قبل أن يفقد وعيه لشدة الجوع وقلة النوم التي كانت قد انهكت جسده النحيل..
حدثنا الكثير من القصص التي لا يمكن أن تسمع عنها أو تعيشها إلا في سوريا..


حكى لنا عن مشاهداته لضحايا مجزرة الكيماوي، عن تلك الطفلة النائمة وشعرها المتموج الذهبي، وعيناها الملونتين الواسعتين المفتوحتين، عن ملامح وجه طفولي يسأل عن السبب.. فعيناها الباحثتان عن والدها رصدت وجه عزرائيل الباكي تلك الارواح وما حصد، لتستقبله بابتسامة ودمعة دافئة ورجاء بإطالة الامد، إلا أن احتضانه لجسدها الغض عجّل من سكرات الموت باستلام تلك الروح والاعتناء بها الى الابد..
كان يتكلم بمشاعر متناقضة، فتارة ترى مشاعر الفخر والاعتزاز تطغى على وجهه، وتارة مشاعر الحزن والأسى والأسف، هي ذات المشاعر كانت ترتسم على ذاك الوجه عند إخبارنا بكيفية خروجه من المنطقة مجبراً على ترك الاهل والأصدقاء في مواجهة الحصار وألة القتل الممنهج.. 
لن أنسى نظرته تلك ما حييت.. لن أنسى دمعته المحترقة خلف أاهدابه عند علمه بأن الدكتور المسؤول عن  الجرحى السوريين في البقاع اللبناني لم يرضَ باستقباله للمساعدة بالإشراف على الجرح،ى بحجة انه ليس طبيباً بل مجرد فني طبي لا مكان لأمثاله في مركز الاستشفاء الذي تديره و تتبناه جماعة بلحى طويلة وشوارب محفوفة..
لم أنسَ شهقاته المتقطعة المكبوتة تحت الغطاء الصوفي تلك الليلة، وأنا أصطنع النوم في مطبخ " أبو حمادة" بعد أن امتلئ المنزل بالضيوف من اللاجئين السوريين والاقارب..
غادر الدكتور "سلام" منزل "ابو حمادة" متجها الى بيروت ومنها الى تركيا.. بقينا على تواصل فترة شهر واحد أو اكثر بقليل عبر وسائل التواصل المتاحة، الى أن انقطعت أخباره لفترة، لأعلم بعدها أنه عاد الى دمشق ليستكمل بعض الاوراق الدراسية فكان ما كان.. وكان المعتقل أقرب إليه من تحقيق حلم أن يصبح طبيباً بشهادة جامعية من الورق..

 

كيف يمكن أن يعاد المشهد مرتين؟!. كيف يمكن أن نلدغ من الجحر مرتين؟!. 
نعم هو ما تفكر به بالضبط.!!. الحكاية تكتب من جديد؛ فواقع قصة الدكتور "سلام" بأدق التفاصيل هو ذات الواقع الذي عاشته وتعيشه "معضمية الشام"، هو ذاك الاسقاط الغريب الذي يمكن ملاحظته بين القصتين، فكما بكى الدكتور من ألم الخذلان وحيدا رغم خبرته بتخفيف الألم، تبكي "المعضمية" وحيدة رغم خبرة مقاتليها بمعنى الصمود، وكما صدم الدكتور بأصحاب الاطقم الرسمية من راكبي الثورة؛  تصدم المعضمية بمن أطلقوا اللحى مراءاة…. حتى في أصعب الظروف تتشابه قصة الدكتور "سلام"  مع قصة مدينة الصمود، فالسجن واحد والسجان واحد. والمنظرون والمتخاذلون والمقصرون هم ذاتهم واحد .
  

يحكى أنه: 
الدكتور "سلام" من أبناء مدينة سورية بعيدة عن دمشق وريفه، وقد أختار هذا الاسم المستعار لإيمانه بعظيم هذه الكلمة، وأنه امتلك العديد من العلوم الطبية المصحوب بالخبرة العملية منها الجراحة العامة والاوعية والتخدير،  كما أنه كان طبيب العينية الوحيد في المشفى الميداني في "معضمية الشام" وله العديد من الاجراءات الاسعافية الطبية المبتكرة، والتي ساهمت بإنقاذ المئات وربما الآلاف من المرضى والجرحى السوريين في مدينتي "المعضمية وداريا" ..

علِّق