No votes yet
عدد القراءات: 6321

قرارات ترامب قد تتسبب بخسارة أمريكا لكفاءات عربية ومسلمة أنقذت حياة الأمريكيين

الكاتب الأصلي: 
MONA HANNA-ATTISHA
تاريخ النشر: 
15 شباط (فبراير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

العنوان الاصلي: هل سنخسر الطبيب الذي سيوقف أزمة فلنت القادمة؟

لمحة عن الكاتب: منى حنّا عاطشة (MONA HANNA-ATTISHA): طبيبة أطفال من العراق، حاصلة على شهادة العلوم من جامعة ولاية ميشيغان وحاصلة على درجة الماجستير في الصحة العامة من جامعة ميشيغان. وهي أستاذ مساعد في كلية الطب البشري في جامعة ميشيغان. وكانت من بين أحد المبلّغين الأساسيين عن أزمة المياه في فلنت.

-----------------------------

خلال عملي هنا كطبيبة أطفال مدة عامين ونصف، اكتشفت أن مياه الصنبور غير المعالجة التي تتسبب في تآكل أنابيب المياه في المدينة كانت تسمم أطفالنا بما تحتويه من الرصاص. وقد ادعى مسؤولو الولاية أن معلوماتي العلمية خاطئة واتهموني بأنني أتسبّب بحالة من الهستيريا. إلا أنني كنت محقة ودؤوبة، وبمساعدة الآباء الشجعان والقساوسة والصحفيين والعلماء الذين طالبوا بالحلول، تم الاعتراف في نهاية المطاف بوجود هذه الكارثة الصحية المستمرة. فقد كانت مدينة برمتها، تضم قرابة 10.000 طفل صغير، تتعرض للرصاص، وهو سم يؤثر في الأعصاب ويسبب تلفاً في الدماغ لا يمكن شفاؤه. ومن المرجح أن المياه الملوثة قد تسببت في وفاة عشرات الناس بداء الفيالقة. وما تزال فلنت في حالة صدمة.

وإني أمضي وقتي هذه الأيام، إلى جانب آخرين في المجتمع، في محاولة التأكد من أن الحلم الأمريكي ما زال ممكناً لأطفال هذه المدينة، ونحن نأمل أن نقلل من الضرر الناجم عن تعرضهم للرصاص باتباع برنامج صحة عامة وبرامج دعم الأسرة والزيارات المنزلية والتعليم المبكر وخدمات الصحة المدرسية والتغذية وإتاحة الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية وغيرها.

لكنني، نظراً لانتمائي لأول جيل من المهاجرين العراقيين، بالإضافة إلى عملي كطبيبة تمتهن تدريب أطباء آخرين، الكثر منهم مهاجرون، فإني أخشى أن الحلم الأمريكي قد تآكل، أنا قلقة بشأن تأثير قرار حظر السفر الذي فرضه الرئيس ترامب، وكيفية تعاطي الكونغرس الجمهوري مع قضايا الهجرة.

وبالطبع، فقد أتى جميع سكان هذه البلاد، باستثناء السكان الأصليين منهم، من أماكن أخرى، لقد هرب العديد منا من شيء ما، أو أُحضروا إلى هنا بالقوة نتيجة أخطاء أمريكا نفسها، وبالنسبة لي كمهاجرة تحمل شهادة طبية، فأنا أعمل في شركة جيدة. وتقول المنظمة التي توافق على برامج التدريب الطبي للخريجين إن هنالك ما يزيد عن 10.000 طبيب مرخص في الولايات المتحدة ممن تخرجوا من كليات الطب في البلدان السبع المدرجة في حظر السفر الذي فرضه الرئيس.

ووفقاً لتجمع كليات الطب الأمريكية، فإن ما نسبته 25% من الأطباء المساهمين في هذه البلاد تم تدريبهم في الخارج، بالإضافة إلى عمل العديد منهم في أكثر المناطق ضعفاً في البلاد -أماكن كمدينتي وفي المناطق الريفية في أمريكا-. وقد صوتت المقاطعات الريفية بأغلبية ساحقة للرئيس ترامب؛ وبانتخابه، قد تخسر الآن التأمين الصحي والأطباء كذلك.

إن ما ستخسره بلادنا بإقامة هذه الجدران وهذا الحظر من مواهب وإبداع وريادة الأعمال، سيكون مذهلاً، لكن الثمن سيكون أكبر على الصعيد الشخصي. في عام 1980، وصلت عائلتي إلى هنا مفعمة بالأمل، متخلية عن مستقبل يَعِدُ بالحروب والظلم والاستبداد بآخر يَعِدُ بالسلام والحرية والفرص. والداي علمانيّان تقدميّان ومعارضان، ناهضا نظام صدام حسين الذي زاد في القتل والاستبداد، ذلك أن المستقبل في العراق كان سينطوي على السجن أو الموت على أيدي الحكومة. لقد رأيت بلادي أول مرة كطفلة في الرابعة من عمرها في عيون هؤلاء المهاجرين الذين يشعرون بالامتنان يومياً، وما زلت أراها اليوم.

 

وربما شعرت بالخوف، عندما كنت مهاجرة صغيرة، حيث كانت تبدو الوجبات في مدرستي مختلفة (فلم يكن أحد يعرف طعم الحمص والفلافل في ذلك الوقت)، إلا أن مجتمع ديترويت احتضنني، وترعرعت فيه لأكون واحدة من بين العدد القليل من الأطفال السمر وقتها.

وإن هذا الحظر، وغيره من القيود المشينة على الهجرة، يتجاهلون إسهامات المهاجرين. ولعل هذه القيود تكون محاولات للعودة بنا إلى ماض "مسلس" “Leave It to Beaver” المليء بالتظاهر. وأياً كان الدافع، فإن عائلتي والملايين مثلنا متشابكون في النسيج الأمريكي. فقد أعطت والدتي دروساً في اللغة الانكليزية للمهاجرين الجدد، بينما عمل والدي مهندساً مدة 31 عاماً لدى شركة جنرال موتورز. وغرسا معاً في داخلي ولدى أخي أخلاقيات العدالة الاجتماعية والعمل الخدمي في الوقت الذي أمنا لنا فيه حياة أفضل؛ لقد كان الحلم الأمريكي واقعاً عشناه.

واليوم، ما يزال الناس يرغبون بالمجيء إلى أمريكا، إذ إنها ما تزال رمزاً للحرية والازدهار، وما تزال البلد الأغنى أكثر من ذي قبل، بالإضافة إلى أنها تنعم بالهدوء. ويعلم المهاجرون أن القوانين هنا ترحب بالتنوع وتحمي الحقوق والملكيات وتؤمّن الفرصة للازدهار الاقتصادي. أمريكا اليوم أعظم من أي وقت مضى، ونحن كمهاجرين نعي أنه من واجبنا أن نستمر بجعلها عظيمة بالنسبة لنا جميعاً، بغض النظر عن المكان الذي أتينا منه.

والآن، هناك فتيات صغيرات يشبهنني عندما كنت في مثل سنهن، وترى تلك الفتيات مكانهن في الحلم الأمريكي يتلاشى، ما يجعلني أتساءل ما الذي سنخسره جميعاً. ربما سنفقد الطفل الذي فك شيفرة السرطان، أو الذي اكتشف كيفية تنمية اقتصادنا على نحو أفضل، أو تقليل عدم المساواة وتأمين المزيد من الأعمال المجزية، أو ربما الطفل الذي سيشرع ببداية تكنولوجية كبرى.  علاوة على ذلك،  فقد كان ستة أشخاص من بين سبعة حائزين على جائزة نوبل للسلام عام 2016 من المهاجرين. وفي جيل سابق، أمسى عمال صناعة السيارات من المهاجرين العمود الفقري لصناعة السيارات المتحدة.

لقد نشأت في أمريكا التي احتضنتني ودعمتني واحتفت بي وبسعيي نحو حياة أفضل. نشأت واثقة، مؤهلة ومدركة تماماً بأنني كمهاجرة من بلد ممزق أن هناك ظلم في العالم وكنت أعي الحاجة إلى النضال المستمر لتحقيق العدالة. وبالفعل، لقد كان هذا ما وجّه مسيرتي وأطّر عملي في فلنت، التي يصحو فيها الأطفال على كابوس الديمقراطية المغتَصبة والإجحاف البيئي والإهمال الحكومي الجنائي.

 

وبالنسبة لأطفال مدينتي فلنت، فالكفاح اليومي المباشر مستمر، وحتى الآن، وبعد مرور أكثر من عام على اكتشاف مشكلات المياه في المدينة، لا بد للناس من أن يعتمدوا على المياه التي تمت تصفيتها أو المعبأة في زجاجات. وما زلنا نسعى لتحصيل دعم حكومي طويل المدى لنضمن نجاة الأطفال. وعلى الرغم من سعادتي لتسليطي الضوء على أزمة مياه فلنت، إلا أنني لا أستطيع التوقف عن التساؤل ما إذا كنا، بوجود القيود الجديدة على الهجرة، سنفقد طبيب الأطفال القادم الذي سيسلط الضوء على كارثة صحية عامة.

 

أما الملجأ الذي أمنته بلدنا، فقد عاد بالنفع على كل منا، لكن ذلك لم يكن السبب فيما نقدمه. بل إن ما قمنا به هو الصواب، لقد كان صواباً الأمس وهو صواب اليوم. ذلك أن "أم المنفيين" لطالما احتضنت أطفالنا.

واليوم، هناك فتاة سمراء صغيرة مثلي، عالقة خلف حدودنا لكنها تأمل في المجيء إلى هذه البلاد. إنها خائفة ومتعبة، لكن عينيها العذبتين واسعتان، وتشاركنا حلمنا الأمريكي.

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2311054

مقالات المترجم