عدد القراءات: 175

قراءة في كتاب النبي الديمقراطي : للكاتب د. محمد حبش

لا بد في البداية أن نتوقع ان النقاش حول كتاب " النبي الديمقراطي " لمؤلفه د. محمد حبش سيجرنا للنقاش حول المؤلف، وهو محل جدل كبير في أرائه وأطروحاته، ولا بد كذلك أن نتوقع أن جزءا من النقاش سيكون ذو نتائج صنعت مسبقا سواء من الكاتب او من الموضوع، إذ جدلية المؤلف لا تقل عن جدلية الفكرة التي يحاول جعلها جزءا من  النبي المختار صلى الله عليه وسلم وصفة من صفاته، وإذ أنني أحاول أن أتجنب الحكم على الفكرة أو المفكر مكتفيا بالوصف لا أعرف هل سأنجح أم لا، ذلك أن الفكرة مغرية بأن تصدر عنها وعليها حكما، خاصة وأن الكاتب ألصقها - ولأول مرة - بالنبي، وجعلها علما عليه، في حين اكتفت كتابات أقدم من هذه التي بين أيدينا بوصف الإسلام بأنه ديمقراطي، أو حاولت أن تدلل على أن الإسلام لا يحارب الديمقراطية على الأقل، ولكن أن تكون الدراسة بهذه الصراحة والجرأة بل والصدمة فتلك سابقة لم تحدث، لا أعلم هل نسيت نفسي فبدأت بإطلاق الأحكام، أم لا زلت في باب من أبواب التوصيف العلمي .

 

ككل من يطرق باب الحديث عن الديمقراطية ليعيب أوصاف الاستبداد والتحكم ورفض الرأي الآخر والفرعنة الفكرية، يطرق د. حبش باب الحديث عن  الديمقراطية وفي مقدمة مقاصده محاربة الفرعنة والاستبداد الديني، والحديث عن الدين عبر وكالات تزعم أنها المتكلم باسم الرب والناطق الرسمي عنه وأنها المخول الوحيد للنيابة عنه، فالدكتاتورية الدينية التي يمارسها البعض كانت المحرك الأساس – برأيي – لأن يضع الكاتب نفسه في مرمى السهام، في محاولة لضخ دماء يظن بأنها ستنجح في إحياء العدالة التي غالبا ما يربط بينها وبين الديمقراطية، فهو يعتبر أن المصطلحين متماهيان، وينوب أحدهما عن الآخر، ومن هنا يستحضر نصوص العدالة في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة .

لا يلبث الكاتب أن يجري قراءة تحليلية للربط بين النص وتحقيقه لمصالح الناس  و وبين مصالح الناس المعتبرة التي أنتجتها الديمقراطية، فالديمقراطية وصلت بالناس لتحقيق مصالحهم وكذلك النص الديني، ويكاد يتشبه بمن عقد مقارنات قديمة للإخاء بين العقل والنقل، ويذكرنا بفصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، كما يربط بين جهود الفقهاء في ما يعرف ب" تاريخ التشريع " وإنتاج آليات جديدة للتشريع لم تكن حاضرة في العصر النبوي كالاستحسان والاستصلاح، وذلك لتحقيق مصالح المجتمع عدولا عن قياس قد لا يحقق العدالة، حيث تلتقي هذه الرغبة من الفقهاء مع الديمقراطية التي هي بدورها " آلة اجتماعية هدفها تدبير حياة الناس بما يسعدهم ويحقق حاجاتهم " فهي عند الكاتب " آلة من آلات العدالة " .

 

في هذا الفصل وحين الحديث عن الربط بين الآليات التشريعية التي استنتجها الفقهاء وبين الديمقراطية لا يستحضر الكاتب آلية " العرف " ليعود في فصل لاحق لذكر العرف الذي يعتمد أصلا على  " رأي الأكثرية "، فالعرف الذي هو تصعيد لفكرة " العادات " التي أخذت شكلا تشريعيا عند الفقهاء تحت قاعدة " العادة محكمة "، فبعد رسوخ العادات في المجتمع يبدأ المجتمع بالتحاكم للعرف الاجتماعي – في حالة عدم وجود نص حاكم - .

بعد عدة صفحات من الكتاب يبين الكاتب المنهج الذي يسير عليه – وحسنا فعل -، ولكن نتفاجأ أن المنهج هو " المنهج الانتقائي " ص16 مع انه يرى أن هناك مشكلة في هذا المنهج ص 58، إلا أنه يعود للدفاع عن المنهج الانتقائي حيث ومن وجهة نظره فإن " الجميع يمارس الانتقائية " .

أعتقد أن المنهج أو الطريقة الانتقائية تصلح في حقل الدعوة وهو ما يسمى إدراك الواقع أو توافق الكلام مع الحالة الراهنة، لكن هل يصلح ويكفي هذا لبناء النظرية ؟ وهل يمكن أن يعتمد عليه في مثل هذه الحالة وهناك عشرات الحالات من ذات المصدر ( أعني السيرة النبوية ) لا تتوافق مع الطرح الديمقراطي، بل تعتمد على مبدأ " التسليم "، ألم يكن من الأنفع لكي تتكامل النظرية أن يتم الرد على هذه الأمثلة وإيجاد تفسير لها، وهل لا زالت هذه النظرية في بداياتها ولذا تحتاج لمزيد من التفسير والشرح والكتابة وإعادة الكتابة وحتى الجدل، شأنها شأن كل النظريات التي تولد جنينا يحتاج للتشذيب والتهذيب، أم هي ليست بالنظرية أصلا ولذا فهي مجرد طرح سوف يموت بمرور الأيام لأنها غير مقبولة فكريا ولا واقعيا ؟ كل هذه التساؤلات وغيرها محل نظر ستكشف الأيام أجوبتها .

أعود للقول بأن الكاتب لا يرد على الكثير من الشبهات التي تثار أو ستثار حول الربط بين الديمقراطية والنبي صلى الله عليه وسلم بشكل مباشر، ولا يخصص لذلك بابا أو فصلا، وإذا كانت الشبهة الأكبر هي : ماذا لو قبلنا بالديمقراطية التشريعية ثم قام مجلس الشعب بتشريع شيء مخالف مخالفة صريحة للنص كإباحة الخمر أو الزنى مثلا كما يحصل في الدول التي تمارس الديمقراطية من بابها الواسع فتحلل المخدرات والمثلية،  هنا يقول الكاتب بأن علينا القبول بالتدافع وأن المجتمع يومها غير مؤهل إلا لهذا، ولنا في مهاجري الحبشة حينها خير قدوة، وعلينا القبول بنتائج الديمقراطية أيا كانت، ولعل الكاتب يستحضر كلمة جودت سعيد دون أن يسميه " حلال عالشاطر" .

 

في الفصل الثاني من الكتاب يستحضر الكاتب وينتقي مجموعة من المواقف " الديمقراطية " في السيرة النبوية، كتأبير النخل – بيعة العقبة – اختيار النقباء – الهجرة بعد تكوين الأكثرية المريحة – اختيار مكان غزوة بدر – وأحد كذلك – رجوع ثلث الجيش يوم أحد دون أن يلزمهم برأيه، وأمثلة أخرى تصل إلى خمسة وعشرين مثالا خصص لها فصلا كاملا، وهي كلها أمثلة تشهد بأن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم استمع لرأي الناس وأخذ برأي الأكثرية العامة أو برأي الخبراء حتى لو لم يكن راضيا عن ذلك الخيار . ولا يتسع لي المقام لمزيد تفصيل حول هذا الامثلة ولكنها امثلة يعلم كل مطلع على السيرة تفاصيلها .

يجد الكاتب مساحة كبيرة في الفقه وأصوله ومن خلال حركة التشريع الإسلامي للربط بالديمقراطية، ويستحضر للتأصيل هنا ما يعرف ب" السواد الأعظم، والعرف الذي سبق الحديث عنه – والفطرة التي تكشف عن اتجاهات القيم الأخلاقية في المجتمع، كما يرى في تغيير الأحكام وقواعد رفع الحرج والعبرة للغالب والمآلات نوعا من الآليات التي لا تكاد تفترق عن آلية الديمقراطية، والتي تشترك مع الأصول السابقة في تحقيق العدالة ومصالح الناس، وما تحدث الفقهاء عن تقييد المطلق وتخصيص العام إلا بحثا عن العدل والمصلحة المجتمعية والتي تتوخاها الديمقراطية أيضا – من وجهة نظر الكاتب - .

تغيير الأحكام بناء على طلب من المجتمع فرادى أو مجموعات أي نسخ حكم والانتقال لحكم جديد بناء على طلب الجمهور ( يقصد الناس ) نوع من الديمقراطية لدى الكاتب وهناك أمثلة حاضرة كالمجادلة التي تغير حكم الظهار بسبب مراجعتها للنبي صلى الله عليه وسلم، هذا النسخ الذي يشكل مادة دسمة للكاتب فيرى أن شكل النسخ قد تغير بعد وفاة النبي وأخذ أشكالا جديدة كالتقييد للمطلق والتخصيص للعام، بل ويحاول إحياء فكرة النسخ بالإجماع وأعتقد أنه يحاول هنا توجيه الخطاب " للتراثيين " الرافضين للتجديد و الذين لا يؤمنون بأي فكرة ما لم يكن أحد من " القدماء " قد تحدث عنها وقال بها، فينسب القول بالنسخ بالإجماع لمجموعة من الأئمة كابن حزم وابن عادل الحنبلي والسرخسي والزركشي والبزدوي، كل أولئك ما بين ناقل للقول أوقائل به، ويضرب مثالا لذلك بميراث الأم والجد .

حاولت تكثيف العبارات وأعرف أن كثرة غالبة لن يستسيغوا هذا التكثيف، وسيعتبرون أن هذا المقال اختصار مخل، ولكن حَسْبُ هذا المقال أن يضيء على الكتاب أو يشير إليه، بمنهج الوصف المحايد، وفي الوقت الذي لا يخفي الكاتب بين ثنايا كتابه خوفه من الحكم عليه  فيستحضر كتابا لاقوا من كتاباتهم العنت والمشقة كعلي عبد الرازق وغيرهم، فإن البعض يعتبر أن الكاتب سوف يستفيد من الكتاب الكثير بل ويصل الأمر ببعضهم لدرجة التخوين، ولذا فإن قراءة الكتاب والاكتفاء بالحكم على الكتاب – دون الكاتب - قبولا أو رفضا أو مناقشة، أو اعتباره وجهة نظر هي أسمى أنواع الفكر والديمقراطية لمن يرفض فكرة احتكار الرأي وتصنيع الحقيقة المطلقة .

 

لا أستطيع أن أختم هذه المقالة قبل أن أشير إلى أن الكاتب ختم طرحه بنص أدبي إشراقي صوفي  على خطى محمد إقبال في " شكوى ومناجاة "، ويعلم دراسو الأدب مدى سمو وروعة نص إقبال الذي لا تكاد جامعة تعنى بعلوم اللغة العربية إلا وتدرّس هذا النص الجمالي ويقف عنده أساتذة الأدب وعشاقه لكي يستمتعوا باللغة والحالة العشقية التي يعيشها غازل النص .

وأقتبس منها : " على شرفته في جبل النور كنت أطيل تأملي وحبي، وأرتقب بعض تلك النفحات التي كانت تفيض على جبل النور فيسبكها لهذا العالم الحائر، أين غياثك أيها المعلم ؟ " " إنه أمر مؤلم أيها الصادق أن نقرأ سيرتك قراءة ببغاوية دون أن نجرؤ على امتلاك ما فيها من عزيمة وعقل ويقين " " أيها المعلم .. هل جئت حقا كما يقولون تختم النبوة وتحجب أبواب السماء عن التائقين إليها ؟ .. أنا أفهم رسالتك أنك أطلقت من بعدك نعمة الإشراق .. " " وها أنا في حضرته العظيمة ألتمس من نور عينيه جواب سؤالاتي الصاخبة وهي سؤالات جيل كامل ... ثم قال لي بعدما استرسلت عيناه في الكون الكبير :

يا عزيزي لا تلمني إنني *** خدمة للعقل ألغيت النبوة

لم أشأ أرضى لكم أوهامكم**** فخذوا أقداركم عني بقوة .

 

علِّق

المنشورات: 1
القراءات: 175

مقالات الكاتب