عدد القراءات: 8747

في الحاجة إلى ثورة فرنسية ثانية، أكثرَ إنسانية

كما هو (أملُ إبليس في الجنة).. ثمة حلمٌ بأن تكون دماء ضحايا مجزرة باريس الأبرياء ثمناً، ودافعاً، لمُراجعاتٍ إنسانية سياسية أمنية ثقافية غربيةٍ شاملة لموضوع الإرهاب. لكن شيئاً من المعرفة بطريقة تفكير الساسة هناك يدفع للترجيح بأننا، كإنسانية، في طريقنا إلى رحلة جنونٍ عالميٍ جديدة باسم (الحرب على الإرهاب).


بعد مجزرة صحيفة (شارلي إيبدو) المعروفة، قال إمام مسجد درانسي، في إحدى ضواحي باريس، أثناء زيارته مع وفدٍ من أئمة فرنسا لمكاتب الصحيفة: "لاشيء، لارسوم كرتونية، ولاكتاب، ولاأغنية، تبرر ذلك الشكل من القتل الجماعي في باريس. هؤلاء مجرمون، برابرة، باعوا أرواحهم للجحيم".
نقولُ هذا اليوم عن الضحايا والسفاحين كما قاله الإمام يومذاك. نقوله بدون أي تردد. ولكن، دون أن يمنعنا هذا أبداً أن نقول: لكن.
نقول: لكن، انطلاقاً من الإيمان بحرية الفكر والتعبير، والرغبة في البحث عن المشترك الأخلاقي والثقافي العالمي. ثم الرفض، الواجب على كل مثقف، لأي شكلٍ من أشكال الإرهاب الفكري، ولعقلية (الفرز) و(الحشد) التي يبدو أنها تتلبس العالم بأسره اليوم.
نقوله ونحن نبحث في ممارسات الغرب السياسية عن ممارسات الحرية والإخاء والمساواة، وعن ثورةٍ فرنسيةٍ ثانية، أكثر عدالةً وأكثر إنصافاً وأكثر التزاماً بتلك المبادىء، حين يتعلق الأمر بشعوب العالم المُستضعفة تحديداً، وفي مقدمتها الشعبُ السوري.


لهذا، ليس غريباً أن تدين الغالبيةُ العُظمى من السوريين المؤيدين لثورة شعبهم العملية الإرهابية التي حصلت أمس في باريس. ولكن، ليس غريباً أيضاً أن ينتقل حديث هؤلاء لتحليل نصيب الغرب، بشكلٍ عام، من تصاعد ظاهرة الإرهاب العالمي، وتحديداً بسبب السكوت على ماجرى ويجري في سوريا.
ثمة معادلةٌ بات السوريون على قناعةٍ بها، ويؤكدُها حدٌ أدنى من التحليل والمنطق، لكن العالمَ لايزال ينظر إليها بغباءٍ وبلاهةٍ وتجاهل: كان تاريخ بشار الأسد ونظامه في خلق المنظمات الإرهابية معروفاً لكل أجهزة الاستخبارات العالمية منذ أيام الوجود الأمريكي في العراق. رغم هذا، عادَ ليفاوض تلك الأجهزة ودُوَلها على تسليم الإرهابيين، الذين صَنعهم، مقابل تطبيع العلاقة مع نظامه. فكان له ماأراد، ووافقت أوروبا وأميركا على ذلك!
أي سببٍ يمنع الأسد من تكرار التجربة؟ لايوجد سببٌ واحد. وهذا مادفعه لتكرارها، وهذه المرة بطريقةٍ أكثر إبداعاً، وعنفاً ووحشية، وبتوسيع دوائر الشراكة في هذا المشروع مع حكومات إيران و روسيا والعراق. هذه هي الحكومات التي تصنع نواة (داعش) وهيكلها، كما قرأ العالم كله في التقرير الذي كشفت عنه مجله ديرشبيغل الألمانية العام الماضي.
ينظرُ الشعب السوري، الذي قُدمَ أكثر من مئات آلاف الشهداء والجرحى، وملايين المشردين، على مذبح الحرية، وعلى يد نظامٍ رسمي إرهابي، إلى هذا المشهد السوريالي وهو لايكاد يُصدق ماترى عيناه.


هل قرأت أجهزة الاستخبارات ومراكز الأبحاث والدراسات الغربية، التي تعرف كل شاردة وواردة عن العالم العربي، ذلك التقرير أم فاتها ذلك بالصدفة؟ وهل رصدت كل تلك الأجهزة والمراكز كيف كان السوريون أول من قضى على (داعش) في شمال سوريا وطردوهم منها، فهرب هؤلاء إلى العراق، حيث فتحت لهم حكومة المالكي السجون وأبواب المدن العراقية ليُعيدوا بناء قوتهم، ثم يُنشؤوا دولتهم المزعومة، ويعودوا بعد ذلك إلى سوريا؟ وهل يذكر هؤلاء تصريحات مفتي النظام، وغيره من المسؤولين، حين قالوا بأن (الاستشهاديين) متواجدون بالفعل في أوروبا وأميركا للقيام بعمليات انتحارية؟ بل حين قال بالحرف: " لا تعتقدوا أن من سيقوم بالاستشهاد في أراضي فرنسا وبريطانيا وأمريكا سيكونون عربا ومسلمين، بل سيكونون كل الصادقين الجدد"!؟
هل توجد لدى كل تلك الأجهزة والمراكز إجابةٌ على سؤال يتعلق بـ (إنجاز) تحالفٍ دولي كامل يقصف (داعش) في سماء سوريا على مدى قرابة عامين؟ ومع كل الاحترام لضحايا مجزرة باريس، والعزاء لشعبهم وأهلهم، هل يمكن لهذا أن يُعيد الذكرى إلى مايجب عمله لاحترام تضحيات مئات آلاف السوريين الضحايا؟ هل سنرى الآن حرباً جديدةً على الإرهاب تُدخل المنطقة، ومعها العالم بأسره، في دوامةٍ جديدة؟
أيﱡ رسالةٍ يُرسلها هذا المشهد، بكل مفارقاته وتناقضاته مع الحد الأدنى من مقتضيات الأخلاق والقانون، ليس فقط إلى الشعب السوري، بل وإلى جميع شعوب العالم؟
"نحن لانتحرك إلا عندما تُمس شعرةٌ في رأسنا، أما غير ذلك فلتذهب الشعوب الباحثة عن الحرية إلى الجحيم، ومعها كل شعاراتنا عن الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان. هكذا كانت القاعدة دائماً، وهكذا هي الآن، وهكذا ستكون. افهموها أيها الأغبياء".
هذا، بكل اختصار ووضوح، مضمون الرسالة الكامنة فيما يجري من مهزلةٍ تُسمى "سياسة دولية" في منطقتنا العربية.


كيف يمكن لأحدٍ، بعد هذا، أن يحارب التطرف في المنطقة بشكلٍ حقيقي؟ كيف يمكن لكل المعتدلين الإسلاميين، ومعهم المعتدلون الليبراليون والعلمانيون والديمقراطيون وو.. أن يُقنعوا ملايين العرب والمسلمين بأن قَدَرهم مع الغرب، تحديداً، والعالم بشكلٍ عام، ليس الخصومة والحربَ والصراع؟ كيف يمكن، في ظل هذه المهزلة العالمية القميئة، أن يُركِّز هؤلاء على إصلاح الفكر التقليدي السائد، دينياً كان أو غير ذلك، وعلى تبيان إشكالاته والإشارة إلى جذور ظاهرة التطرف والإرهاب فيه؟
لسنا هنا في معرض الشكوى أو استجداء الحلول ممن كانوا ولايزالون جزءاً كبيراً من المشكلة: حكومات وساسة أميركا وأوروبا. وسيظل من يحاولون الإصلاح من أهل المنطقة، أياً كانت خلفيتهم وانتماؤهم، يبذلون مايستطيعون من جهد على طريق الإصلاح.
لكن المطلوب في هذا المقام يتجاوز ذلك إلى أمرٍ، قد يبدو مثالياً، لكنه بالتأكيد أحد الخيارات القليلة المتاحة: التحالفُ مع الضمير الأخلاقي والحقوقي والإنساني في أوروبا وأميركا، والعالم.
فغرورُ القوة، لدى تلك الحكومات وهؤلاء الساسة، كبيرٌ فعلاً إلى درجةٍ تُعمي أعينهم عن المأزق (الأخلاقي) العالمي الذي يسحبونَ البشرية بأسرِها إليه. ومن الطبيعي، تبعاً لذلك، افتقادُ القدرة لديهم على رؤية احتمالات تحوﱡل ذلك المأزق إلى مأزقٍ سياسي وأمني عابرٍ للقارات، في ظل عولمةٍ غابت معها الحدودُ والموانع، وأصبحت أدواتُها مُتاحةً لكل إنسان وجماعة.
يُغفِلُ هؤلاء، تحت ضغط غرورهم بالقدرة على التحكم بالظواهر البشرية، والقدرة على ضبطها واستيعابها، أنﱠ الاجتماع البشري مُعقدٌ إلى درجةٍ تجعله، في ظروف معينة، طليقاً جداً من كل القيود. وأن الضغط المستمر، خاصةً حين يحصلُ بوقاحةٍ وصفاقةٍ ليس لها نظير، يمكن أن يُفجِّر في ذلك الاجتماع البشري طاقةً هائلةً تخرج في شكل رد فعلٍ على ذلك الضغط. وأن هذا قابلٌ للحصول بتسارعٍ وقوةٍ يكونان خارج أي حسابات.. حصلَ هذا عشرات المرات في تاريخ البشرية، ويمكن له أن يحصل على الدوام.
ثمة ضميرٌ أخلاقي وحقوقي وإنساني كبيرٌ في هذا العالم الواسع يجب التفكير في التواصل معه بجدية، وهذا الضمير موجودٌ في أوروبا وأميركا رغم كل الظواهر.
ورغم أن الاحتمال راجحٌ أن مخاطبة هؤلاء والعمل معهم هو الأكثر جدوى لإنقاذنا جميعاً من جنون المرحلة القادمة، إلا أن ثمة أملاً صغيراً يجب أن يظل باقياً في أن يصحو ساسةُ فرنسا، تحديداً، من صدمة هذه العملية الإرهابية بشكلٍ يُخالف كل التوقعات الراهنة.. أن يستيقظوا على وعيٍ جديدٍ بجذور المشكلة ومداخل حلها الحقيقية الفعالة.


وبدلاً من أن يُدخلوا العالم بأسره في نفقٍ أسود، كما فعل بوش الابن منذ عقدٍ ونيف، ثمة فرصة أمام فرنسا، قيادةً وشعباً، أن ترتفع على أحزانها.. أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية التاريخية للحظة الراهنة الحساسة في حياة البشرية.. وأن تُهدي العالم ملامح ثورةٍ فرنسيةٍ جديدة تكون رافعة نقلةٍ ثانية للإنسانية، تماماً كما فعلت أختُها منذ قرون.

علِّق