عدد القراءات: 5091

"في الأرض خليفة" بين آدم والأسد

 

حين أخبَرَ اللهُ تعالى الملائكةَ باقتراب إيجاد خليفةٍ في الأرض " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً"1، سارعتِ الملائكةُ إلى التساؤل :

 "أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ".

فتحْنا كتبَ التفسير فوجدناها ملأى بقصصٍ تُحاولُ شرحَ السَّبب الذي دعا الملائكة إلى الرَّبط فوراً بين الخليفة والإفساد في الأرض، لكنَّنا لم نصلْ إلى إجابةٍ مُقنعة، فبعضُ كتب التفسير تقولُ إنَّ آدم هو خليفةُ الله في الأرض، وهذا غيرُ مقبولٍ لأنَّ آدمَ لا يحملُ صفاتِ الله ولا يُناظرُه بشيءٍ يؤهِّلُه لخلافته، والله يقولُ عن نفسه : "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" 2 

 

ونجدُ قسماً آخرَ من التفاسير يتحدَّثُ عن خلافة آدم للجنِّ الذين كانوا يُفسدون في الأرض قبل خلق آدم عليه السَّلام، ويستندُ هذا التفسيرُ إلى بعض الروايات فلا يُمكنُنا الوثوقُ به.

لكنَّنا لم نجد تفسيراً واحداً قد اهتمَّ بالمعنى اللُّغوي لكلمة "خليفة" التي أثارتْ فوراً حفيظةَ الملائكة فربطوها بالإفساد في الأرض.

إنَّ كلمة "خليفة" تحتملُ أن تكونَ اسمَ فاعل "الشَّخصُ الذي يخلُفُ غيرَه"، وتحتملُ كذلك أن تكونَ اسمَ مفعول "الشَّخص الذي يخلُفُه غيرُه"، والجذرُ الأصليُّ لها هو "خَلَفَ"، ومن المعروف أنَّ "الاختلاف" قد اشتُقَّ من الجذر فهو يحملُ معناه إذاً، فالاختلافُ يحملُ معنى التنافس الذي يؤدِّي أحياناً إلى الصِّدام والفساد.

كانَ آدمُ المخلوقَ البشريَّ الأوَّلَ على الأرض، لذلك فهو "خليفةٌ" بمعنى أنَّ هناك مَنْ سيخلُفه من بعده، فهو اسمُ مفعولٍ في هذه الحالة، فالخليفةُ إذاً هي الذُّريَّة البشريَّة التي تتوالدُ وتتكاثرُ وتختلفُ فيما بينها.

لم ينفِ اللهُ ما قالتْه الملائكةُ عن الإفساد وسفك الدِّماء، لكنَّه برَّر قراره بجعل "خليفة" كما يلي :" إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ"، أي أنَّ علمَ الملائكة لا يُقارَنُ بعلم الله الذي خلَقَ آدمَ وعلَّمَه من علمه بما يُصلحُ الأرضَ ويمنعُ سفكَ الدِّماء، أي أنَّ اللهَ قد علَّمَ آدمَ العلمَ الذي لا يمنعُ الاختلافَ المؤدِّي إلى الإفساد، لكنَّه العلمُ الذي يجعلُ من الاختلاف سبيلاً للتنمية والإصلاح : "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" 3 

  أي أنَّ الاختلافَ بين البشر سُنَّةٌ إلهيَّةٌ، بل هو عَلَّةُ الخَلْق التي لا يستطيعُ أحدٌ القفزَ عليها أو محاولةُ إلغائها، لكنَّ الفائزين هم أولئك الذين يجعلون من اختلافهم فيما بينهم سبيلاً للإصلاح وعمارة الأرض، والعلمُ سبيلٌ أساسيٌّ لتحقيق ذلك، إنَّه العلمُ الذي علَّمه اللهُ لآدم وغيَّبَه عن الملائكة، ولا نجدُ ابلغَ من الآية التالية لتأكيد ما ذهبنا إليه :

"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ" 4 

"إلَّا مَنْ رحمَ ربُّك" تعني أنَّ مَن يستخدم العلمَ لجعل الاختلاف سبيلاً للرقيِّ سيكون من المرحومين الفائزين.

إنَّ اختلافَ البشر في طرائق تفكيرهم ومناهج حياتهم ومهاراتهم وإبداعاتهم سبيلٌ صحِّيٌّ لا بُدَّ أن يقودَ إلى إصلاح الأرض، لكنَّ محاولةَ قتل هذه السُّنَّة الإلهيَّة ليس إلَّا إفساداً في الأرض وقتلاً للنفس.

إنَّ بعضَ الحُكَّام الذين تسلَّطوا بالقوَّة على شعوبٍ مقهورةٍ همُ المثالُ الذي يجب أن نستحضرَه عن أولئك السَّاعين إلى إلغاء عِلَّة الخلْق "الاختلاف"، فهم لا يُريدون سماعَ صوتٍ يُخالفُ طرائقَ تفكيرهم ولا يسمحون بإبداعٍ لم يعتادوا رؤيتَه ولا يُعطون فرصةً لأحدٍ ليسبحَ خارجَ فلكِ قهرهم وظلمهم وفسادهم.

بينما نرى حُكَّاماً آخرين لم يقولوا عن أنفسِهم "نحنُ مُسلمون" قد فهموا سُنَّةَ الاختلاف ونجحوا في تحويل مُخالفيهم إلى شركاء في بناء بلدانهم وازدهارها إلى درجةٍ جعلتْ أكثرَ شباب المُسلمين يحلمون في النَّهار والليل بحياةٍ كريمةٍ في تلك البُلدان.

كان رمزُ الفساد في سورية يمنعُ بالقوَّة صدورَ صوتٍ يُخالفُه قبل عام 2011، فيُسرعُ إلى خنقه فوراً، إمَّا برميه في سجنٍ لا يدري أحدٌ مدى امتداده تحت الأرض إلى أن يموتَ فلا يدري أهلُه بموته إلَّا بعد استلام هويَّته الشخصيَّةِ دون جسدٍ، أو بتجريده من حقوقه المدنيَّة والإنسانيَّة وإلقائه خارجَ وطنه كرمزٍ للخيانة الوطنيَّة !

كان رمزُ الفساد يحاول بكلِّ عنجهيَّتِه قتلَ سنَّة الاختلاف التي خلقَ اللهُ البشرَ على أساسها، ولن يؤدِّي ذلك بطبيعة الحال إلَّا إلى حدوث ما فهمتْه الملائكةُ حين أخبرَها اللهُ بخلق الخليفة، لقد أدَّى ذلك كما نُشاهدُ كلَّ يومٍ إلى فساد الأرض التي تسلَّطَ عليها عدوُّ سنَّة الله.

لم يستخدمْ العلمَ لجعل الاختلاف ازدهاراً وإصلاحاً، لكنَّه أصرَّ بلا هوادة على محاولة تغيير سنَّة الله.

حين هبَّ النَّاسُ منذ سنواتٍ قليلة إلى الشَّارع للدِّفاع عن حقوقهم في مُخالفة رمز الفساد، سارعَ دون تردُّدٍ إلى قتلهم بالسلاح الخفيف أوَّلاً، ومع انتشار الحرب وتمدُّدها استخدمَ كلَّ أنواع السِّلاح الثقيل مُحاولاً الوقوفَ في وجه سُنَّةٍ إلهيَّة، فانتشرَ الفسادُ على نطاقٍ لا يتخيَّله بشرٌ، حيثُ رأينا القصفَ والذَّبحَ وسفكَ الدِّماء في كلِّ مكانٍ، وشاهدَ كاتبُ هذه السطور ما يشيبُ له الرَّأسُ لفظاعته، فمنْ طفلٍ رضيعٍ ابتلعته الجدرانُ إلى كلبٍ يأكلُ من لحم جسدٍ مرميٍّ على قارعة الطريق، إلى غرقى في البحار وقتلى في المساجد ومُعذَّبين مُشرَّدين في كلِّ مكان، فأيُّ فسادٍ هذا الذي نتجَ عن مُحاربة سُنَّة الله التي اقتضتْ اختلاف البشر فيما بينهم !

 

بلغَ عددُ قتلى سورية إلى الآن 400000 ،كثيرٌ منهم لم يُشارك في الحرب لكنَّه كان ضحيَّةَ حرب الأسد على سُنَّة الله، والسؤالُ الذي يجبُ أن يُجيبَ عنه الأسد بذاته هو التَّالي : إلى متى سيستطيعُ الاستمرارَ في حربه ضدَّ قانون الله ؟ هل يخطُرُ في باله للحظةٍ واحدةٍ أنَّه قادرٌ على الانتصار في معركته ضدَّ الله ؟

لا أستغربُ إن أجابني ب"نعم" لأنَّه اتَّخذَ قرارهُ بالاستغناء عن العلم وتفنَّنَ في تحويل الاختلاف إلى إفسادٍ وسفكٍ للدِّماء لن يستثنيَه يوماً كما علَّمتْنا ذلك سُننُ الله.



1- سورة البقرة، الآية 30

2- سورة الشُّورى، الآية 11

3- سورة البقرة، الآية 31

4- سورة هود 118، 119

 

التعليقات

أفكار جميلة جداً، تستحق التوسع أكثر، أعجبتني الفكرة التي طرحها الكاتب بأن القمع يزول لأنه يخالف سنة الله في الاختلاف

علِّق