في استعراض البعد النفسي لبوتين، لن يمرّ أي حل للأزمة السورية مالم نرضي غرور وعنجهية هذا الرجل

 

متابعة للمقالة السابقة التي تحدثت فيها عن صعود فلاديمير بوتن إلى سدّة الرئاسة في روسيا، نتابع رصد حياة هذا الرجل الذي غيّر خارطة القوى الدولية، وأعاد العالم إلى عصر الحرب الباردة، لكن من زاوية نفسية وسلوكية تفسّر شخصيته وتأثيرها في سياساته.

لا يمكن بحال من الأحوال فهم المنطلقات والدوافع السياسية لبوتن دون فهم السياق النفسي له، إذ إن شخصية هذا الرجل مجبلولة كلياً على هذا النحو، ولا يمكن تفسيرها من وجهة نظر برغماتية سياسية كالتي يمكن أن نقيس عليها لدى غيره من الزعماء السياسيين.

في هذا الجزء سنتحدث عن هذه الزاوية من خلال المراحل التي رافقت وصول بوتين إلى السلطة وما تلا ذلك.


 

 

المرحلة الأولى: بناء الثقة بالنفس

كان بوتين يميل منذ صغره إلى الاهتمام بالقوة الفيزيولوجية لجسمه، ربما لتعويض شعوره بالنقص نتيجة ضئالة حجمه في بلد تشكّل فيه القوة العضلية والرجولة سمة غالبة للمجتمع، وحيث يتمتع غالبية الرجال الروس بقامات طويلة وكتلة عضلية كبيرة .

في سيرة حياة رجل كبوتين لا يعتبر هذا الأمر هامشياً، بل إنه أثّر في مجمل شخصية الرجل لناحية تغليب القوة على العقل، والشدّة على الرشاد، وهو ما يبدو واضحاً في سياساته الدولية اليوم، وتعامله بوقاحة مع أقرانه من الزعماء فيما يسبه سلوك رجال العصابات.

أضف إليه اهتمام الرجل وسعيه الحثيث منذ الصغر للوصول والعمل في جهاز المخابرات الروسي (كي.جي.بي) بأية صفة كانت، وهذا يدلّ على جانب آخر في شخصيته وهي الانتهازية، ففي بلد مثل روسيا يشكلّ فيه جهاز المخابرات مركز القوة ومحرك السلطة الحقيقي، لم يفت ذلك رجلاً كبوتين يسعى حثيثاً للتمتع بشعور القوة والتسلّط ولحبك خطوط المخطط الذي يعمل عليه.

عمل بوتن في جهاز المخابرات أضاف لشخصيته بعداً ثالثاً، وهو الهوس بأفكار وقصص المؤامرات والدسائس، ولعل تصريحات الرجل المتكررة ضد المخططات الامبريالية الأمريكية بشكل خاص وضد الغرب بشكل عام  ليس إلا انعكاساً لطبيعة عمله في جهاز كانت تطبخ فيه مثل هذه الأفكار.

 

المرحلة الثانية: خطوة نحو العمل العام

في المرحلة الثانية في طريق وصوله للسلطة كان على بوتين أن يخرج من داخل أروقة العمل السرّي حيث تضيع الفردانية ويذوب الأشخاص في المؤسسة، ليدخل في مشهد جديد يظهر فيه اسمه للعلن، وتلقط صوره الكاميرات،وبناء عليه استقال من الكي جي بي برتبة مقدم، وفجأة وبدون مقدمات، وبدون أن يعلم أحد كيف حدث ذلك  يختار  رئيس جامعة سان بطرسبورغ يبوتين ليتبوأ منصب وكيل الجامعة مباشرة و دون أن يكون لديه أي سجل أكاديمي، بل دون أن يحمل اية مؤهلات في الدراسات العليا. وتساؤل كثير من الكادر التعليمي في الجامعة، كيف لإنسان أن يكون مسؤولاً عن أساتذة وعلماء وهو لا يحمل إلا الدرجة الجامعية الأولى؟ هناك شيء ما غير طبيعي في هذا الأمر؟

 

اختيار بوتين لهذا المنصب من قِبَل رئيس الجامعة كان حدثاً محورياً في حياة الرجل، فعندما ترفّع وترقّى رئيس الجامعة فيما بعد وأصبح عمدة مدينة سان بطرسبورغ، رافقه بوتين معه إلى هناك، وعيّن بمنصب رئيس العلاقات الدولية في بلدية المدينة.

 

المرحلة الثالثة: الوصول للسلطة.

من بلدية بطرسبورغ ترقى بوتين بأسلوب غامض ليعمل في جهاز الرئيس الروسي بوريس يلتسين، وبحكم تمتعه بالسلطة في أقوى مركز في الدولة، انتهز بوتين والفرصة وحصل على شهادة الدكتوراه دون أن يحضر محاضرة واحدة، وبذات الأسلوب الذي عمد إليه المسؤولون السوريون في سلطة الأسد.

م تمضِ سوى سنوات قليلة على وجوده كموظف في الكرملين وإذ به يصبح مديراً لجهاز الأمن الاتحادي، وهنا أيضاً علامة استفهام، إذ كيف لموظف  لا سجل  له ولا إنجازات مهنية  أن يتبوأ هذا المنصب الرفيع!؟

 

ثم تأتي قفزة أخرى في الهواء وإذ به يهبط رئيساً لوزراء روسيا؛ عندها أصبحت الطبخة جاهزة وعناصر المؤامرة مكتملة، فنتيجة مرض يلتسين المزمن ونصيحة الأطباء له للتقاعد، عقد بوتين صفقة مع الرئيس تعهد الأخير خلالها بتقديم استقالته وتعيين بوتين رئيساً للبلاد خلفاً له، فيما تعهد بوتين بالمقابل بإعفاء يلتسن وعائلته ومقربيه من المسائلة والملاحقة القانونية على نهب ثروات روسيا. وهنا أيضاً يمكن أن تجد عاملاً مشتركاً بين زعمائنا والزعيم بوتين. ما هو هذا العامل المشترك؟

 

المرحلة الرابعة: التمكّن وفرد العضلات

بوصوله إلى سدة الحكم فتل بوتين عضلاته واراد استعرض مواهبه التدميرية والإرهابية على مبدأ إخلق عدواً واقتله كي يهابك الناس، وعلى هذا الاساس استغل المطالب الشعبية للشيشانيين، فقام بقصف الشيشان على مبدأ الأرض المحروقة، و استطاع أن يتغلب على المعارضين بعد أن أفناهم ودمر مدينة غروزني على أهلها.

كما قصقص أجنجة رجال الأعمال اروس واحداً تلو الآخر، وركّز القوة والثروة بين يديه، وبدأ بمنح الفتات لمن يطيعه،وفي طريقه إلى ذلك أعاد تمكين الجيش ليصبح جيش الكرميلين لا الشعب الروسي، وليصبح اليد الضاربة له.

في هذه الأثناء واجه بوتين بعض الاحتجاجات الشعبية التي ظهرت بعد نحو روسيا نحو سياسة السوق وأفكار الحريات والحقوق في الغرب، لكن بأسلوبه المخابراتي استطاع أن يفكك هذه التحركات، بعد أن أغرق معارضيه بسلسلة من الاجراءات القضائية في قصص ملفقة، فأودع بعضهم السجن، فيما بدأ آخرون يسقطون قتلى واحداً تلو الآخر دون أن يترك الجاني أثراص وراءه، لكن الجميع علم -دون أن يملك الدليل القطعي- أن بوتين هو من يقف وراء كل ذلك.

لم يكتفِ بوتين بفترتين رئاسيتين يسمح بهما الدستور، بل حبك مؤامرة ونسج تواطؤاً يسمح له الإمساك بخيوط اللعبة في روسيا حتى ولو لم يكن رئيساً. وهذا ما حصل بالضبط. اتفق مع أحد موظفيه أن يجعله رئيساً على أن يصبح هو رئيساً للوزراء ثم يتبادلا الكراسي بعد 4 سنوات.

وقد تم تنفيذ الاتفاق بحذافيره، ونحن نرى اليوم بأم أعيننا أبطال هذا الاتفاق (بوتين وميدفيديف) يصعدان المنصات ويقتحمان الشاشات مذكرين الناس بالأخلاق والقيم والإنسانية، ناسين أو متناسين الصفقات والتواطئات التي حبكاها  لكي توصلهما إلى السلطة.

اعتبر بوتين فترة أربع سنوات التي يحددها الدستور لا تليق به وبسمعته ولا تلبي نهمه للسلطة فقام في بداية الفترة الرئاسية الثالثة له بتعديل الدستور وتمديد فترة الرئاسة من 4 سنوات إلى 6 سنوات.

 

المرحلة الخامسة: عبادة الزعيم

كأي صعود مشابه، وتمكّنٍ من أدوات السلطة، وشعور تام بالأمان والاسترخاء، بدأ بوتن يعجب بما أنجز، وكيف استطاع بمفرده أن يقتحم كل المخاطر ويسيطر على مفاتيح القوة في البلاد، وهنا أخذت مظاهر الزهوّ والاعتداد بالنفس تظهر عليه.

ووئد لكل حراك معارض.

قالت بي بي سي بعد مرور سنة على حكمه أي في عام 2001 :

"ظهرت مؤشرات متتابعة تدل على بروز ظاهرة عبادة الفرد عند بوتين.  حيث انتشرت في محطات المترو صوره وأخذ الناس بشرائها وتعليقها  في مكاتبهم ومحلاتهم"

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/5/53/Putin-portraits-1614.jpg/800px-Putin-portraits-1614.jpg

يعتبر الكاتب الروسي يفغيني كيسيليوف أن التلفزيون الحكومي ساهم بقوة في تثبيت فكرة عبادة الفرد عند بوتين. حيث  "يظهر بوتين بشكل متكرر على الشاشات وهو في أحسن أحواله وأفضل صوره، لا يخطأ ولا يفشل أبداً"

يظهره التلفاز على أنه المنقذ من الأزمات والعارف ببواطن الأمور،  وقد تفشت هذه الظاهرة في روسيا بحيث جعلت صديق بوتين الحميم رئيس بلاروسيا الكسندر لوكاشينكو يصرح علانية، بعد مشاهدته فيلماً لأحد اجتماعات حزب الرئيس الروسي بوتين (روسيا الواحدة)، ويعبّر عبّر عن مخاوفه من انزلاق روسيا إلى نظام شبيه بالنظام السوفيتي عندما كان الجميع يصرخون (المجد للحزب الشيوعي السوفيتي). قامت هيئة الإذاعة البريطانية في عام 2011 بعمل مقارنة بين النظام الروسي الحالي والنظام السوفيتي فتوصلت إلى نتيجة مفادها أن النظام الروسي الحالي هو نظام نيو سوفيتي يرتكز على تقديس الحاكم.  أما صحيفة  Die Welt الألمانية فتعتقد أن ظاهرة تقديس وتأليه شخصية بوتين بدأت في عام 2014 على خلفية الأزمة الأوكرانية واحتلال القرم.

мсрмсрмсвп

لا تقتصر سياسة تقديس شخصية بوتين على الصور بل تشمل مناح كثيرة. يمكن لأي ضيف للمدن الروسية أن يرى بشكل غير طبيعي انتشار صور بوتين على الملابس والميداليات  وأواني المطبخ  وعلى الجدران وحتى على حافظات أجهزة الاتصال الخلوية.

 

اليكم عدداً من هذه الشواهد:

1- بوتين  الامبراطور ( اضغط هنا لمشاهدة الفيديو)

2- تدشين تمثال لبوتن  ( اضغط هنا لمشاهدة الفيديو)

3- أغاني تمجّد بوتن  

    أ- أغنية العم بوتين اضغط هنا لمشاهدة الفيديو)

    ب- أغنية (تصرف يابوتين فالقرم لنا) اضغط هنا لمشاهدة الفيديو)

    ج- أغنية المطربة نتاليا (أريد شريكاً مثل بوتين) اضغط هنا لمشاهدة الفيديو)

    د- أغنية (بوتين للعسكريين الأوكرانيين: أنتم براز ) اضغط هنا لمشاهدة الفيديو)

 

 بعد هذا الاستعراض يمكننا فهم الحال النفسية التي يعيشها فلاديمير بوتين، وانعكاسها على سياساته الداخلية والخارجية.

سياسات تقع في كثير من الأحيان ضمن باب الغباء السياسي، لكن بالنسبة للرجل لا بأس بالأمر إذا كان ذلك يرضي غروره وعنجهيته.

في الحرب الروسية على سورية تبدّت هذه السياسة بشكل واضح، لذلك لا يمكن المراهنة على تعقّل الرجل في سبيل الوصول إلى حل للأزمة السورية، أي حل من مع هذا الرجل لن يحصل إلا في حال راعى غروره وعنجهيته وإظهاره كبطل عالمي لا يجارى. 

علِّق