No votes yet
عدد القراءات: 1865

فهمي الخاطئ للآفاق العسكرية لنظام الأسد - ترجمة السوري الجديد

الكاتب الأصلي: 
Faysal Itani
تاريخ النشر: 
12 أيلول (سبتمبر), 2016
اللغة الأصلية: 


في مقال سابق هذا الصيف بعنوان " هل الأسد واهم؟ ناقشت فكرة أنه في الوقت الذي كان من المستبعد أن يستعيد النظام كامل سيطرته على الأراضي السورية، فإن تحالفه مع إيران وروسيا سيضع حداً في نهاية المطاف للتهديدات الإستراتيجية التي تفرضها الثورة في ظل غياب تدخل دولي داعم للثوار. وتشير التطورات العسكرية الأخيرة إلى أنه من المحتمل أن يكون هذا التحليل خاطئاً حيث بالغَ في تقدير قدرة النظام على ترجمة الدعم الحاسم من روسيا وإيران إلى مكاسب دائمة على الأرض.
كان تشاؤم المقال حول آفاق "الثوار" يرتكز بشكل كبير على عدم قدرتهم على الرد المؤثر على دخول روسيا في الحرب السورية. وأضاف التدخل الروسي لصالح المجهود الحربي للنظام قدرات جوية ومدفعية ساحقة بالإضافة إلى المستشارين العسكريين والتخطيط. وفي غضون أسابيع، استطاعت هذه القِوى إعادة الاستقرار إلى جبهات النظام المترنحة وبالنتيجة جرى تطويق الجزء الخاضع للثوار من مدينة "حلب" تقريباً. وعلاوة على ذلك، حقق النظام تقدماً جوهرياً عبر قمع  الثوار في مناطق سيطرتهم في ريف العاصمة دمشق. وبالانتقال إلى الجبهة الجنوبية والتي كانت ذات يوم جبهة حاسمة في الحرب، فيبدو أنها قد دخلت في مرحلة من السبات. وقبل أسابيع قليلة، حاصرت قوات الأسد مدينة "حلب".


وعلى أية حال، راح النظام يصارع  مؤخراً  للدفاع عن مواقعه التي كسبها بصعوبة على جبهتين مهمتين. أولاً ، تقدم تحالف من الجهاديين والسلفيين وفصائل الثوار الرئيسية عبر مواقع النظام وكسروا دفاعاته في جنوب غرب حلب وتمكنوا من رفع الحصار عن الجزء الخاضع لسيطرة الثوار من المدينة ، لا بل وحافظوا على مكاسبهم طيلة 28 يوماً وصمدوا في وجه هجوم معاكس شرس.  ويبدو أن دفاعات النظام استسلمت للعربات المفخخة التي يقودها الانتحاريين وللهجمات المفاجئة . وخلال الأيام القليلة الماضية، نجحت الهجمات المضاعفة التي شنها الجيش السوري  وجماعة حزب الله والميليشيات المتحالفة معه بفرض الحصار مجدداً على حلب. وكردة فعل لها، شنت غرفة العمليات المشتركة التابعة لجيش الفتح  والتي كسرت حصار حلب هجوماً معاكساً وتعهدت بتحرير كامل المدينة. إن المكاسب الأخيرة للنظام هي انتكاسة للثوار غير أن نمط القتال خلال الأيام الماضية هو مؤشر على ضعفهم.
إن لمدينة "حلب" أهميتها الرمزية والإستراتيجية ولكن النظام يواجه مشكلة في محافظة "حماه" لا تقل خطورة عن حلب. احتل الثوار وبسرعة مواقع النظام وأصبحوا على بعد 6أميال من مدينة "حماة" كما أصبح مطارها العسكري في مرمى نيرانهم. قد لا يسيطر الثوار على "حماه" ولكنهم قد يسحقوا البنى التحتية العسكرية المحيطة. جغرافياً، تعد حماه بوابة سهل حمص وهو محور إستراتيجية  النظام المسماة "سوريا المفيدة"، الرامية للسيطرة على المناطق السكنية غرب البلاد وطرق المواصلات. وتتاخم الأراضي التي سيطر عليها الثوار مؤخراً تجمعات سكنية كبيرة من العلويين.  ومن جديد، فقد جرى تقدم الثوار هذا في جغرافية حساسة رغم الضربات الجوية الكثيفة  وسقطت دفاعات النظام بشكل سريع. ويكمن الهدف الرئيس لهذا الهجوم في إبعاد القوات التي يحتاجها النظام عن حلب مستغلاً ضعف الأخير فيما يتعلق بعديد القوات المسلحة.


وتلقي مشاكل النظام في حلب وحماه الضوء على أمرين اثنين:

الأول: قد تكون نوعية المقاتلين والقيادة المنتشرة للدفاع عن هذه المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية الكبيرة، سيئة وبكل بساطة، فمثلاً فشلت هذه القوات ببناء دفاعات فعالة لا سيما لمواجهة الهجمات الانتحارية التي تنفذها المجموعات الجهادية باستخدام العربات المفخخة، ولم تفلح هذه القوات بالتكيف مع تكتيكات الهجوم المباغت للثوار. وتبدو قوات النظام أنها تصارع لاسترداد مساحات صغيرة نسبياً من الأراضي كان الثوار قد سيطروا عليها بسرعة ملحوظة رغم تفوق القوة النارية للنظام. يشمل هذا مدينة "حلب" حيث نشر النظام بعضاً من أفضل الوحدات في قواته إلى جانب حب الله. وتتأثر القوات المسلحة بالتعفن الذي ضرب بُنيَتَها مما يعكس ضعف الدولة السورية، الشيء الذي يؤثر حتماً على نوعية ومعنويات القوات على الجبهات. وكما ناقش الكاتب "توبياس شنايدر" مؤخراً في صحيفة ""War on the Rocks"، فإن "قوات النمر العاملة في حلب" والتي يفترض أنها مرعبة إنما يمزقها ضيق أفق التفكير والإجرام.


الأمر الثاني: يبدو أن المشكلة الأكبر للنظام تتمثل بالقوة البشرية. و من شبه المستحيل الحصول على أرقام دقيقة غير أن التقارير السردية و الصور الملتقطة من الميدان تشير إلى أن عدد المقاتلين الذين يخوضون أي معركة في وقت واحد هو قليل بغض النظر عن أهميته. و وفقاً لمحادثاتي مع بعض عناصر المعارضة، فقد تم رفع الحصار عن حلب بعدد لا يزيد عن 4 الاف مقاتل. وتفيد مصادر المعارضة أن الهجوم في "حماه" لا يشارك فيه سوى 2500مقاتل يواجهون آلافا قليلة من جيش النظام رغم الأهمية الإستراتيجية لحماه. تشير لقطات لبعض دفاعات النظام وتقارير مثبتة أن النظام يعيد نشر قواته من جبهة حلب الخطيرة إلى حماه، إنما تشير إلى أن النظام يواجه نقصاً في عديد قواته للصمود على جبهتين في آن واحد. وتبرز صحة هذه المسألة في شمال سوريا، بينما يؤدي النظام بشكل أفضل داخل العاصمة وفي محيطها.


قد تتبادل الأراضي في حماه وحلب الأدوار مرات عديدة من حيث الأهمية. إن انتكاسات الثوار ممكنة إن لم تكن محتملة: فكلما يرتبط النظام وحلفاءه  بأي هدف عسكري، فإنهم يميلون لتحقيقه ولو كان صغيراً. وهما يكن فإن النقطة هنا هي أنه في الوقت الذي حمى فيه الدعم الجوي والمدفعي الروسي، النظام من الانهيار في عام 2015 وَسهَلَ من تحقيق النظام لمكاسب مهمة منذ ذلك الحين، إلا أن هذا الدعم لم يغطي الضعف الذي أصاب صميم النظام. في ظل غياب  ما يكفي الجنود أصحاب الكفاءة  فإن مدى أهداف النظام وطموحاته سوف يتقلص أيضاً. ومن المحتمل أن روسيا ترسم هذا الاستنتاج أيضاً، الشيء الذي قد يفسر قبول موسكو الواضح بالحرب البرية التركية شمال سوريا.
ومع ذلك، ورغم كل هذه المعوقات الخطيرة ، استخف النظام نظراً لثقته وطموحاته، بقرار وقف الأعمال العدائية الذي تم التوصل إليه شهر شباط الماضي، وتصرف بعدوانية كبيرة في حلب تزامناً مع إهماله لحماه. وإن ما يشاع عن عدم حماس روسيا لحملة النظام لمحاصرة حلب / رغم توفيرها الدعم الجوي للنظام/  فهو مؤشر على أن موسكو ربما تكون قد توصلت لتقدير أفضل لقدرات النظام العسكرية أو أنها ببساطة أظهرت أن الأسد قادر على بل ويشعر بالسعادة لجر أحد الداعمين المهمين إلى معركة غير مرغوب فيها. قد ينجح النظام بالمضي بهذه الخدعة، بيد أن الافتقار إلى نشر الأعداد الكبيرة من القوات الروسية والإيرانية في الميدان قد يجبره على إعادة  ضبط طموحاته بما يتفق وقدراته العسكرية.


ينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها أن لا يفترضوا أن النظام سيوافق على هذه الحسابات أو أنه راغب بالتفكير في تسوية سياسية مع المعارضة. ورغم تخمينات بعض المحللين أن الأسد سيرضى أو قد يتم إجباره على حكم "دويلة" إلا أنه ليس هناك أي دليل على أن أحداً من مؤيدي النظام المهمين سيوافق على هذا.  وبالتأكيد، تشير أفعال النظام إلى أنه عازم على هزيمة الثورة.  طالما أن روسيا وإيران ملتزمتين بدعم أقزام الأسد والتزام منافسيهم بدعم الثوار، فإن النظام لا يجد أي حوافز تجعل طموحاته معتدلة،  كما ولا  يجد القدرة على القضاء على الثورة نهائياً وهذه وصفة لحرب في سوريا لا تنتهي.
إن هذه الغرابة المتمثلة بثقة النظام بوضع أهداف طموحة وعدم قدرته على الحفاظ على ما حققه من مكاسب،  تعقد من محاولات الولايات المتحدة لإنهاء هذا الصراع  وتضمن أنه لن ينتهي بالمستقبل القريب. وينبغي أن لا تأخذ الولايات المتحدة مشاكل النظام العسكرية لإعداد تسوية يتم التفاوض عليها وممكنة في ظل التوازن الحالي للقوى. وقد يبدو من الواضح جداً أن النظام لا ينوي التوصل إلى أي تسوية مهما بلغت صعوباتها.إن اضمن وسيلة لاكتشاف ذلك هو اللجوء الحكيم للقوة العسكرية الأمريكية وتعديل التكتيكات بالوكالة لمفاقمة ضعف النظام . قد يهدف العمل العسكري لضرب الأدوات التي يستخدمها النظام ليعوض المشكلة الكبيرة وهي نقص القوى البشرية في قواته، أو لجعل كلفة استخدامها كبيرة جداً. فمثلاً، إن القصف الغير مميز والذي يشنه النظام على المناطق السكنية وعمليات الحصار هي أمور حاسمة في مجهوده الحربي ويمكن أن تُواجَهَ بضربات أمريكية ضد أهداف عسكرية للنظام بالإضافة إلى زيادة كمية ونوعية في دعم فصائل الثوار التي يتم التأكد منها, ويجب أيضاً إعادة تفعيل الفصائل في الجبهة الجنوبية التي كانت قد دخلت بحالة من الركود. أستطيع القول أن الأسد "أضعف" مما أظن لكن أهمية هذا ترتبط بإدراك النظام نفسه لهذه الحقيقة وإلا فسوف يستمر الأسد في القتال بغض النظر عن ضعفه ، وبدورها ستستمر فشل محاولات الولايات المتحدة إبرام صفقات دائمة مع روسيا مما يعني استمرار الحرب في سوريا. 

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 722512

مقالات المترجم