No votes yet
عدد القراءات: 2499

فن الكذب وسياسة ما وراء الحقيقة - ترجمة السوري الجديد

الكاتب الأصلي: 
Editorial
تاريخ النشر: 
12 أيلول (سبتمبر), 2016
اللغة الأصلية: 

 

لقد كذب السياسيون دوماً. إذاً هل من مشكلة فيما لو تخلوا عن الحقيقة بأسرها؟!
لنأخذ  مدى انفصال "ترامب" عن الواقع وكيف أنه يعيش في عالم خيالي حيث تم فيه تزوير شهادة ميلاد "باراك أوباما" الرئيس الذي أوجد تنظيم الدولة الإسلامية، و"آل كيلنتون" هم قتلة، ووالد أحد المنافسين كان برفقة "لي هارفي أوسوالد" قبل أن يقتل "جون كينيدي".
ويُعتبَر السيد "ترامب" زعيم  سياسة "ما وراء الحقيقة" وهي اعتماد على تأكيدات تبدو أنها صحيحة لكنها في الواقع لا تستند إلى أي أساس. لا يُعاقَب "ترامب" على وقاحته ، بل يتم أخذها كدليل على استعداده لمواجهة قوة النخبة. والحقيقة أن "ترامب" ليس الوحيد في ذلك، إذ يؤكد أعضاء في الحكومة البولندية  أن روسيا اغتالت رئيساً سابقاً للبلاد بتفجير طائرته. هذا ويدعي رجال سياسة أتراك أن مدبري محاولة الانقلاب الأخيرة إنما كانوا ينفذون أوامر الاستخبارات المركزية الأمريكية "CIA". وبدورها، حذرت الحملة الناجحة لبريطانيا بهدف الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، من جحافل المهاجرين التي قد تنتج عن انضمام تركيا الوشيك للاتحاد.
إنه لأمر مقلق لو أن رأيك يتفق مع رأي هذه الصحيفة الذي يقول أن السياسة ينبغي أن ترتكز على الأدلة. يمكن للديمقراطيات القوية رسم دفاعات تحمل في ثناياها عوامل مضادة لما وراء الحقيقة، حيث إن البلدان الاستبدادية هي أكثر ضعفاً وعرضة لذلك.

 

أُمراء الكذب:
ليس بالأمر المهم أن يكذب السياسيون أحياناً. لنأخذ كذبة الرئيس "رونالد ريغان" أن إدارته لم تتاجر بالأسلحة مع إيران لضمان إطلاق سراح الرهائن  وتمويل عمليات المتمردين في "نيكاراغوا" . ولطالما تلاعب الديكتاتوريون والديمقراطيون بالحقيقة سعياً منهم لصرف الأنظار عن غياب أهليتهم. كما كان الخاسرون إلى حد موجع يتهمون الكاذبين الكثُر.

بيد أن "سياسة ما وراء الحقيقة" هي أكثر من مجرد اختراع  من قِبل النُخب المتذمرة التي تم تطويقها وإجهاضها.  ويدل هذا المصطلح على صميم ما هو جديد بحيث يأتي عدم تزوير الحقيقة أو الصراع عليها في مرتبة أقل أهمية. و فيما مضى، كان هدف الكذب السياسي هو خلق صورة مزيفة للعالم ولا تعمل الكذبات التي جاء بها السياسيين كأمثال "ترامب" بصورة مشابهة للسابق وليس الهدف منها إقناع النُخب التي لا يثق بها الناخبين ولا يحبونها، وإنما تهدف لتعزيز التحيز.
إن المهم هنا في هذا النوع من الحملات هو المشاعر وليس الحقائق. إن إنكار خصومهم يثبت عقلية "نحن ضدهم" التي ينجح فيها المرشحين ذوي الحظ الضعيف. وإذا ما ركز خصومك على إظهار أن معلوماتك خاطئة فإنه يتوجب عليهم المحاربة في الميدان الذي تختاره أنت. وكلما هاجم النشطاء الفاعلين الادعاءات المبالغة فيها من قبل أولئك المنهزمين والتي تقول أن  كلفة عضوية بريطانيا في الإتحاد الأوربي  كانت 350 مليون جنيه أي ما يعادل " 468 مليون دولار ، أسبوعياً، كلما سلطوا الضوء على قيمة هذه التكاليف ولفترة أطول.
إن سياسة "ما وراء الحقيقة" لها أصول عديدة  بعضها نبيلة، ويعد استجواب المؤسسات والحكمة المأخوذة منها هي فضيلة ديمقراطية. إن أولى خطوات الإصلاح هي قلة الاحترام المشكك فيه للقادة ، حيث عَجَلَ الشجعان من انهيار الشيوعية لأنهم كانوا مستعدين لتحدي الدعاية الرسمية.
ولكن القِوى المتآكلة تلعب دوراً هنا وإحداها الغضب إذ يشعر العديد من الناخبين بالخيبة والخذلان في الوقت الذي تنجح فيه النخب ذات المناصب. ويحتقر هؤلاء الناخبين، التكنوقراط الذين يسعون لخدمة مصالحهم الذاتية والذين قالوا أن "اليورو" سيحسن من معيشة الناس وأن الرئيس العراقي صدام حسين كان يمتلك أسلحة الدمار الشامل. وقد تراجعت الثقة الشعبية بآراء الخبراء والمؤسسات في الديمقراطيات الغربية.
هذا وحرض تطور وسائل الإعلام على ظهور سياسة " ما وراء الحقيقة" ، وساعد تفكيك مصادر الأخبار على خلق عالم ذَري ينتشر فيه الكذب والإشاعات بسرعة خطيرة. وبإمكان الكِذبات التي يشاركها أعضاء إحدى الشبكات العنكبوتية الذين يثقون ببعضهم البعض أكثر من ثقتهم بمصادر الإعلام الرئيسية، أن تأخذ وبسرعة شكل الحقيقة. يميل الناس للتخلي عن الحقائق بدليل يناقض إحدى المعتقدات السائدة. ويقع اللوم أيضاً على الأعمال الصحفية ذات النوايا الحسنة. وغالباً ما يُحدِثُ السعي "للعدل" في نقل التقارير توازناً زائفاً على حساب قول الحقيقة. يقول علماء "ناسا" أن كوكب المريخ غير مسكون، بينما يقول البروفسور" سنووكس"أن الكوكب يعج بالمخلوقات الفضائية، حقاً إنها مسالة رأي.
وعندما تكون السياسة مشابهة للمصارعة فحينها يكون المجتمع هو الضحية لذلك، وإن إصرار السيد "ترامب" على أن "أوباما" هو من أوجد تنظيم الدولة الإسلامية يحول دون مناقشة جادة حول كيفية التعامل مع عنف المتطرفين. تبدو السياسة أمر معقد ولكن سياسة "ما وراء الحقيقة" تحكم على هذا التعقيد أنه براعة يستخدمها الخبراء لخداع الجميع، و بالتالي فإن مشاريع هيلاري كلينتون بخصوص إجازة الأُبوة مدفوعة الأجر تمر دون تدقيق وإن قضية تحرير التجارة  أغرقتها المطالبات المنطقية بالحماية.
من المغري الاعتقاد أنه عندما تفشل السياسات المُسَوَقة عبر نشرات المراوغة، فإنه قد يرى المؤيدين الذين تم الكذب عليهم أخطاءهم. ومع ذلك فإن الجانب الأسوأ لسياسة  "ما وراء الحقيقة" هو  أنه لا يمكن الاعتماد على  هذا التصحيح الذاتي. عندما يُخلُ الكذب بعمل النظام السياسي فإن نتائجه السيئة قد تغذي العزلة وانعدام الثقة بالمؤسسات التي تجعل من "هذه السياسة  أمراً ممكناُ في المقام الأول.

 

للصدق أنصاره الذين يُعَولُ عليهم:
لمواجهة هذا، يحتاج السياسيين الرئيسيين لإيجاد نوع من لغة الطعن قد تكون تسمية " مؤيد للحقيقة" هي البداية/ ومن شأن التواضع و الاعتراف بالغطرسة الماضية أن يفيد في هذه المسألة. وتمتلك الحقيقة في جوانبها قِوى فاعلة. إن أي سياسي يقدم وعوداً متناقضة لجمهور مختلف سوف يتم عرضه مباشرة على "فيسبوك " أو "يوتيوب"، وإذا كذب أحد المسؤولين بخصوص حضور اجتماع معين أو السعي لحملة تبرعات فإن سيل من الإيميلات سوف يقبض عليه متلبساً.
و تتمتع الديمقراطيات بمؤسسات للمساعدة أيضاً وللأنظمة القانونية المستقلة آليات لنشر الحقيقة. بالفعل فقد لجأت "ميلانيا ترامب" للقانون في سعيها للحصول على تعويضات بخصوص كِذبات تتعلق بماضيها، وهكذا تفعل الهيئات المستقلة التي أُحدِثَت لإصلاح السياسة لاسيما تلك التي تعتمد على العِلم.
إذا خسر السيد "ترامب" السباق الرئاسي شهر نوفمبر القادم، فستبدو سياسة "ما وراء الحقيقة" أقل تهديداً رغم أنه كان ناجحاً جداً ليذهب بها بعيداً. إن الخشية الأكبر تعبر عنها دول كروسيا وتركيا حيث يستخدم المستبدين تكتيك "" ما وراء الحقيقة" لإسكات خصومهم. وبما أنهم سوف يهيمون في بحر من الكذب فلن يجد الناس ما يتشبثون به. وإن حداثة سياسة " ما وراء الحقيقة" تعود بهم إلى ذاك الطراز القديم من القمع.

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 721583

مقالات المترجم