No votes yet
عدد القراءات: 40685

فلاديمير بوتين يمتلك خطة تحقق نجاحاً لقلب النظام السياسي في الشرق الأوسط

الكاتب الأصلي: 
Steven A. Cook
تاريخ النشر: 
14 آذار (مارس), 2017
اللغة الأصلية: 

كلما ظهرت فكرة استقلال الأكراد، يعلن جميع أنواع الخبراء والدبلوماسيين والمسؤولين السابقين أن "ذلك لن يحدث البتة"، ودون أي تردد، يكون ذلك التأكيد مدعوماً على الدوام ببيان أنيق ومطلع يتحدث عن التحديات الخطيرة التي تواجه الأكراد العراقيين، ما يؤدي إلى استنتاج مفاده أن إعلان الاستقلال "ليس عقلانياً".

وعلى الرغم من ذلك، يبقى هناك احتمال أن يقوم الأكراد العراقيون باتخاذ قرار، وربما ليس في المستقبل القريب، يكون عقلانياً بالكامل. وترتبط هذه الفجوة بالاختلاف بين ما يعتقد المحللون أنه واجب على الأكراد _ استناداً إلى حسابات المراقبين فيما يخص السياسيات والمصالح الكردية _ والطريقة التي يتطلع فيها الأكراد وقادتهم إلى العالم. وهذا الأمر يعد مشكلة قد تصدم المسؤولين الأمريكيين بالأحداث "غير المتوقعة" وتجعلهم غير قادرين على استيعاب السياسات المناسبة المتطورة.

ويعد الجدل الدائر حول الأكراد أحد الأمثلة العديدة عن هذا الفكر المشكوك فيه الذي تمارسه السياسة الخارجية الأمريكية. ولتتأملوا قضية إيران في سوريا، على سبيل المثال. إذ كان من المفترض أن يكون الإيرانيون الآن قد استنفذوا دعمهم لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، وذلك يرجع في جزء كبير منه إلى الضغوطات المالية للإبقاء على الصراع، بيد أن الإيرانيين ما يزالون موجودين.

وهناك الروس، الذين لم يكن من المفترض بهم أن يدخلوا أوكرانيا الشمالية ليضمّوا شبه جزيرة القرم، وذلك تبعاً لقدرات موسكو المحدودة والرد العقابي المحتمل من حلف شمال الأطلسي. ومع ذلك، ها نحن نجد أن الإيرانيين والروس يقدمون الدعم والمساعدة لنظام الأسد غير مثقلين، كما لم يتراجع الروس عن تدخلهم في أوكرانيا برغم العقوبات الغربية.

 

أما الحلقة المفقودة في التحليلات غير الشرعية حول السلوك المحتمل للأشخاص الآخرين، فهي الأفكار، فبالنسبة للكرد، هناك أفكار مهمة تخص الهوية وهذه الأفكار على المحك. وفي طهران، لا يقاس الدعم المقدم للأسد بالمعايير المالية، بل يقاس من حيث الأفكار القوية حول الطريقة التي ينبغي للشرق الأوسط أن يتبعها ودور إيران في ذلك. كما أن مأساة فقدان القوة العظمى يلفت انتباهنا بكل وضوح إلى النظرة العالمية القومية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وهذا هو السبب وراء لجوء المحللين الغربيين والمسؤولين الأمريكيين إلى التقليل من شأن الأهداف الروسية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن التفكير الاستراتيجي لموسكو أصبح بيّناً في الأشهر القليلة الماضية، إلا أن شعوراً سائداً ما يزال هناك  لدى خبراء السياسة الخارجية بأن خطط موسكو في المنطقة كانت مخصصة وأن نجاحاتها جاءت نتيجة حماقاتها وليس أفكارها الرشيدة. وهناك شيء مهم في هذا تسبب في سلبية الأمريكيين والغربيين ومنح بدوره فرصاً جديدة للروس، إلا إذا كان بسبب الافتراضات القائمة على أن الزعيم الروسي لم يكن لديه خطة محددة، ولم يكن يمتلك الكثير من الموارد.

ومع ذلك، فإن تفسير تصرفات موسكو في الشرق الأوسط لا يكمن في عدم رغبة إدارة باراك أوباما في استيعاب مدى نوايا موسكو في المنطقة وحسب، ذلك أن فريق الرئيس دونالد ترامب، بقدر اهتمامه في فهم نية الروس، إلا أنه يخاطر بارتكاب الخطأ ذاته في حال إخفاقه في فهم خطة الكرملين في الشرق الأوسط ومجموعة الأفكار المهمة والقوية التي ألهمت الروس.

ويبدو بوتين ذلك النوع من الأشخاص الذين يحملون ضغينة، ويبدو أن الذي يبقيه مستيقظاً طوال الليل يحيك خططاً للانتقام هو الإذلال يوم الميلاد عام 1991. في ذلك المساء، وفي تمام الساعة 7:32 مساءً، أزيلت راية المطرقة والمنجل عن بناء الكرملين، التي قد رفرفت هناك منذ عام 1923، ليُرفع العلم الروسي في مكانها بعد 13 دقيقة.

ولزيادة الطين بلة، قام حلف الناتو منذ تلك اللحظة بالتوسع باتجاه الشرق، كما كان الاقتصاد الروسي بحاجة إلى مساعدة المؤسسات الدولية مالياً ليتمكن من الوقوف على قدميه، وقد ألقت الولايات المتحدة بثقلها حول العالم مع القليل من الاهتمام بالمصالح الروسية أو الدفاع عنها، بالإضافة إلى ذلك قوّضت الثورة البرتقالية في أوكرانيا قيادة مؤيدة لموسكو يمكن الاعتماد عليها هناك لصالح الأشخاص الذين يتطلعون إلى الغرب. ومن وجهة نظر روسيّة معينة، يبدو هذا بصورة غامضة على أنه محاولة أمريكية لتطويق موسكو وزعزعة أمنها والتقليل من احترامها.

لهذا، ومنذ الوقت الذي أصبح فيه بوتين رئيساً للاتحاد الروسي، اتّبع خطة معينة. وفي الوقت الذي ركز فيه الأمريكيون على أفغانستان والعراق، وحل الصراع العربي الإسرائيلي، والتخفيضات الضريبية، وتعزيز الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، وشهادة ميلاد باراك أوباما، وحزب الشاي، وسقف الديون، وإغلاق الحكومة وقانون الرعاية الصحية بأسعار مقبولة، قامت روسيا ببناء قدراتها العسكرية وإعادة النظر في عقيدتها القتالية في الحروب. وفي الوقت ذاته، سعى بوتين إلى استعادة هيبة موسكو العالمية، وذلك في معظمه عن طريق الاستفادة من الأخطاء الأمريكية - في الداخل والخارج – لتوفير البديل. وهذا بدوره منح الروس فرصة ليبدأوا ببناء مناطق نفوذ جديدة، والذي ساعد في إتمامه ما قامت موسكو ببثه من إرباك واستقطاب وعدم استقرار في الغرب من خلال وسائل الإعلام والتلفاز ودفع المبالغ المالية نقداً.

ما الذي يعنيه كل ما سبق في منطقة الشرق الأوسط؟ لم يمر وقت طويل مذ كانت الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة في المنطقة. وما تزال كذلك، في طرق متعددة، نظراً لنفوذ واشنطن الدبلوماسي والعسكري والتجاري المتواصل، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمبيعات الأسلحة. وبالرغم من ذلك، فقد أعادت روسيا هيكلة نفسها كقوة عظمى في المنطقة. وعلى أقل تقدير، تدرك دول الخليج العربي المؤيدة لأمريكا أنها لا بد وأن تأخذ المصالح والأهداف الروسية بالحسبان في الوقت الراهن، وهذا شيء لم يتعين عليها فعله مدة 25 عاماً.

وينبثق جزء كبير من هذا التحول في القوى المحركة للقوى الإقليمية عن التدخل الروسي في سوريا، الذي بدأ أواخر شهر سبتمبر/ أيلول عام 2015، وهو عملية اعتقد عدد لا بأس به من المحللين الغربيين أنها ستكون قصيرة الأمد وغير فعالة، بل وستلحق الخسائر بالجيش الروسي كذلك. وبقدر ما يبدو ذلك غريباً، إلا أن موسكو قد حققت عدداً من الأهداف المهمة، كما بين الروس أنهم سيقفون إلى جانب حلفائهم، وهذا ما يميز موسكو عن واشنطن، التي يعتقد كثيرون في المنطقة أنها غير فاعلة. كما أجبر الروس حلفاء أقوياء لأمريكا؛ مثل تركيا وإسرائيل، على التوجه إلى روسيا عندما يسعون إلى تحقيق أهدافهم في سوريا. علاوةً على ذلك، أقام بوتين قضية مشتركة مع الإيرانيين الذين يشعرون بالاستياء، كحال الروس، من النظام السياسي الإقليمي الذي أنشأته الولايات المتحدة.

وحتى المصريون، الذين كثيراً ما استفادوا من المساعدات الأمريكية الاقتصادية والعسكرية الوفيرة على مدى أعوام كثيرة، يرون وبكل وضوح روسيا على أنها بديل للولايات المتحدة. لدرجة دفعت الحكومة المصرية إلى الاعتراض على التدخل الأمريكي المحتمل في سوريا أواخر صيف عام 2013، بينما أيدت العمليات العسكرية الروسية فيها.

ولكي نكون منصفين، الولايات المتحدة أعطت المصريين سبباً للحصول على الدعم من مكان آخر، فالدبلوماسيون المصريون والملحقون العسكريون في واشنطن يُعَدون مراقبين شديدي الحرص على السياسات الأمريكية. وفي الأعوام الأخيرة، بدأوا بالتخوف من الخلل الحاصل في الكابيتول هيل والانعزالية المتخللة التي وجدت بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. ويرى المصريون أنه من الممكن لهذه التطورات أن تؤثر سلباً في مبلغ 1.3 مليار دولار الذي يخصص لهم سنوياً في المساعدات الأمريكية العسكرية.

وهناك أيضاً اتهام مصري خاطئ يقتضي قيام الولايات المتحدة بدعم الإخوان المسلمين، وبقدر ما قد يكون ذلك بعيداً عن الحقيقة، إلا أنه يقدم فرصة للقيادة الروسية، التي تخلو وجهات نظرها حول الإسلام  من الوضوح، وبذلك تتماشى على نحو وثيق مع وجهات نظر القادة الأوربيين.

 

وبعدها تأتي ليبيا، التي التقت فيها المصالح الروسية بمصالح الجنرال "خليفة حفتر"، الذي نصب نفسه قائداً لما يسمى بجيش ليبيا الوطني. وحفتر ليس متصالحاً مع الإسلاميين كحال رعاته الأساسيين؛ الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" وولي عهد دولة الإمارات العربية المتحدة "محمد بن زايد". لكن ما يجري في ليبيا أكثر من مجرد الحرب ضد الإرهاب، فهذه البلد تمتلك أكبر احتياطات مؤكدة من النفط الخام الخفيف وعالي الجودة في العالم، كما تمتلك أيضاً الكثير من الغاز الطبيعي، وهذا يجعل ليبيا مهمة بالنسبة لأوروبا. ومن الجليّ أن الروس يفكرون للمستقبل، ذلك أن الأمر قد ينتهي بحفتر ليكون رجل ليبيا الجديد، ولكن حتى إن لم يحصل ذلك، فهو يمثل القوة والسلطة في شرق البلاد، حيث يكثر النفط. وفي الوقت الذي يتطلع فيه الأوروبيون إلى تقليل اعتمادهم على مصادر الطاقة الروسية، تبحث موسكو عن سبلٍ تضمن إبقاءهم محتجزين وضعفاء.

وعلى نحو أعم، لم تدرك الولايات المتحدة والغرب أن الروس قد عادوا وأنهم يمتلكون أهدافاً واضحة حتى وقت قريب. وتتمثل أهدافهم في فهم الطريقة في تحقيق تلك الأهداف والموارد الوطنية التي سيستخدمونها في تلك العملية. بمعنى آخر، كان الروس يفكرون بطريقة استراتيجية، والسؤال هو: ما الذي ينبغي لواشنطن وحليفاتها فعله حيال ذلك؟ في وقت سابق، كان التحدي الروسي دعوة واضحة للرد من قبل التحالف الغربي، لكن رئاسة ترامب دفعت بفكرة التهديد الروسي لتضعها موضع شك.

ويبدو أن كلاً من ترامب ومستشاريه ملتزمون بفكرة القضاء على "الإرهاب الإسلامي المتطرف" وهذا ما يجعلهم على أتم الاستعداد لمشاركة الكرملين. لكن ما لا يرونه هو أنه بينما قد يوجد التقاء مصالح في محاربة التطرف، فإن الاستراتيجية الروسية تهدف إلى ما هو أبعد من هذه الغاية المباشرة. ذلك أن بوتين يريد بالأحرى أن يعيد كتابة قواعد الشرق الأوسط وقلب النظام السياسي الإقليمي الذي سهّل على واشنطن، بل وقلّل تكاليف، ضمان التدفق الحر لموارد الطاقة من المنطقة، وضمان أمن إسرائيل ومحاربة الإرهابيين والحيلولة دون انتشار الأسلحة النووية. هذه هي الخطة الروسية، خطة واضحة وبسيطة.

 

----------------

الكاتب:

ستيفن كوك (Steven A. Cook):زميل بارز في مجلس العلاقات الخارجية. يسهم بانتظام في الصحف المعنية العلاقات الخارجية مثل "فورن أفيرز، فورن بولسي، أتلانتك، نيو ريبببلك".

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2539753

مقالات المترجم