عدد القراءات: 780

عيوننا إليك .. ترحل كل يوم

 

لكل إنسان وطن و لم يبق للداراني من وطن يذكر !!

الداراني الذي كان يعد الأيام والليالي على أمل العودة ، فقد اليوم أي أمل بالرجوع و صار حلمه الذي صاحبه كظله في سنوات الضياع و أعوام النزوح ؛ سرابا في صحراء لا أول لها ولا آخر

و هكذا سقطت داريا و سقطت معها آلاف القلوب بين أرجل حامليها الذي أيقنوا بالهزيمة و محوا حقهم في العودة بعد سيطرة الغرباء على ربوع المدينة - الحلم 

ومع أنهم بالكاد سيتعرفون على ملامح وتضاريس مدينتهم وبيوتهم التي حولتها سبعة آلاف برميل متفجر إلى حجارة بعضها وفق بعض لكنهم كانوا قبل سقوط داريا يحلمون في كل ليلة بهذه الحجارة 

ربما كانت قلوبهم هي من يعمل فترسم المدينة في أبهى حللها يوم كانت آهلة بالسكان مكتظة بعشرات الآلاف من أبنائها و القاطنين فيها من غير أبنائها ، أما عقولهم فقد تحركت عند نقطة واحدة هي في الرجوع إلى ملاعب الصبا والشباب ؛ حيث الذكريات التي لا تغيب عن البال وبيت الطفولة الذي قضوا فيه أجمل سنوات العمر،  و الجيران الطيبين الذين يندر أن تجد مثلهم في شتى بقاع الأرض ،  و مساجد المدينة التي كانت تكثر و تزداد صادحة بالأذان شاغلة عقول وقلوب أبنائهم في حلقات العلم و حفظ القرآن ، و محلات النجارة تلك المهنة التي اشتهرت فيها داريا و توارثها الأبناء عن الآباء والآباء عن الأجداد ، و كروم العنب ذات العناقيد المتدلية التي تقطر شهدا من حلاوتها  ، إن عقولهم توقفت عن التفكير إلا في هذه الفكرة ثم وضعت نقطة في نهاية السطر و ليكن ما يكن ...

في كل يوم يأوي فيه إلى النوم ، يضع الداراني حلمه تحت الوسادة و يغفو حيث تتوالى لقطات ممتعة من مسلسل طويل بدأ منذ الليلة الأولى لنزوحه عن المدينة  ، وهكذا تداعبه في الحلم أضواء السيارات التي تلتهم عجلاتها شوارع مدينته التي لا تنام ، و محلاتها التجارية ذات الواجهات الملونة ، و عماراتها الشاهقة المليئة بالنوافذ المضاءة ، و مطاعمها البسيطة ذات المأكولات اللذيذة ، وربما يحلم في ليلة ما أنه يدخل مطعم " النور " حيث يتناول وجبة تقليدية لكنها لا تنسى فيضع النادل على طاولته زبدية الفتة بالسمن أو الزيت البلدي و صحنا من الفول مزينا بالبندورة والبقدونس و مغمورا بالزيت و صحنا آخر للخضراوات و اصناف المخللات 
وقد يشاهد نفسه في ليلة أخرى في المطعم الشعبي - مطعم أبو نصوح ، يتناول نصف فروج مشوي مع صحن من المسبحة ومخلل الخيار حيث الطعم الذي لا يضاهى و الرائحة التي لم يشم مثلها في المطاعم المتنوعة التي ارتادها في مكان نزوحه
و في ليلة ثالثة يرى نفسه بين عناقيد مدلاة من العنب البلدي والحلواني و الزيني و الأسود فلا يدري أي عنقود يقطف و يحار ماذا يأكل و ماذا يدع ، ثم يسير نحو الساقية - النهر الغربي حاملا رفش السقاية ليزيح التراب و يترك ماء النهر ينساب نحو شجرات العنب والزيتون و الرمان التي تنتظر دورها في السقاية الذي يدعى في لغة الديارنة ب " العدان " 

الداراني الذي لا تجد بلدا عربيا أو غربيا  إلا وله فيه موطئ قدم يحلم كل ليلة بمثل هذه الأحلام واضعا أمامه الأمنية الكبرى في الرجوع إلى الوطن ، إنه بعد انهيار الحلم و انعدام الأمل ما زال يرى كلما غفت عينه و مضى في سباته نفس المشاهد من مسلسل المدينة الذي لا ينتهي و لكنه لا يستيقظ كل صباح لينهض إلى عمله أو إلى جامعته أو إلى خيمات جيرانه مصبحا عليهم إلا وقد بلل وسادته بدموع أقل ما يقال فيها إنها دموع الثكل و الفقد لمدينة حبيبة لن يراها بعد اليوم .... !!

ان عينه ترحل كل يوم إليها ، إلى تلك المحبوبة الجميلة الغالية ، يتمنى لو يراها أو يمس شيئا من ترابها ، يرى فيها ذكرياته الجميلة ، طفولته المدللة ، ذهابه كل صباح إلى المدرسة ، رحلته إلى الجامعة أو إلى كرم العنب أو محل الموبيليا حيث يعلو صوت آلات قطع الخشب ، زواجه بفتاة أحلامه وإن كان لم يرها إلا مرة واحدة قبل الخطوبة ، مشروعه التجاري الذي أينع وآتى ثماره ثم تركه عند القذيفة الأولى 

 

إن كل نازح داراني يروي قصة مماثلة لما يرويه جاره الداراني الآخر ، في أحد الأيام تناهى إلى سمع الجميع صوت مدفعية تلعلع قذائفها في أجواء المدينة ، ترك معظم الأهالي منازلهم إلا من آثر حمل السلاح و الوقوف في وجه المسلحين الغرباء المدطجين بالعتاد و المحتمين بظهور الدبابات ، النجار محمد ترك محله و الخزائن التي يصنعها لم تكتمل بعد ، و المزارع سعيد ألقى نظرة على زرعه الذي استوى على سوقه و ينتظر القطاف ، والحاج أبو محمود قال لزوجته وهما يغادران بيتهما بعد تناول طعام الفطور لا تجلي الصحون فما هي إلا أيام ونعود 

ثم مضت أيام تلتها أعوام ولم يعد محمد ليكمل خزائنه التي سقطت عليها قذيفة نابالم أحالتها إلى كومة من الرماد ، و قطف ثوار المدينة ثمار سعيد ليطبخوها و يقتاتوا عليها في مواجهة الحصار الذي فرضه المتوحشون من كل الجهات ، وأما أبو محمود الذي منع زوحته من غسيل الصحون متعللا بالعودة فقال لزوجته المسكينة في إحدى الليالي وهو يحتضر مودعا آخر يوم من أيام الدنيا مستقبلا أول يوم من أيام الآخرة " البيوت تموت ... البيوت تموت إذا غاب سكانها "

علِّق

المنشورات: 5
القراءات: 40516