عدد القراءات: 4911

عودة إلى مفهوم القدر


ينقلون  عن الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمة الله عليه مقولته "أنا نازعت أقدار الحق بالحق للحق" و ربما العبارة تلخص الكثير من فهم المسلم الصحيح للقدر .
يستند التكليف  والمسؤولية إلى توفر الوعي، الإرادة، الحرية، ويسقط الجزاء بسقوط  أحد هذه الأركان(تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ )  آل عمران(١٠٨)

 
الكلمات الكونية والكلمات القدرية :

يتم تقسيم كلمات الله سبحانه إلى كونية قدرية يخضع لها الجميع وفق قوانين الطبيعة والإجتماع، وكلمات تشريعيه تلتزم بعناصر المسؤولية؛ : ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا﴾ سورة الكهف الآية [29].
 

العلم والدين :   
يستوجب الإيمان بمفهوم القضاء والقدر الإيمان بالله سبحانه وتعالى وبصفاته التي وصف نفسه بها أولاً، ولا يصح تصور أن الله خلق العالم ثم تركه يعمل بطاقته الذاتية وتخلى عنه  فيما نؤمن أنه هو الخالق وهو القادر وهو الصمد وهو الحكيم الخبير وهو القيوم، أن تفعيل كل معاني الصفات يتطلب إشرافاً آنياً  منه على كل عملية خلق وأمر ،هذا الاعتقاد لا يتعارض مع الإيمان بالأسباب والنظام واضطراده والتي هي مسلمات قوانين العلوم ، حين  نقول أن هذا العمل من فعل الله ليس معناه أننا أسقطنا القانون ولكن نحن نثبت المزدوجة المكونة من العقلانية والإيمان ونقول أن الله يخلق القانون ويأمر به ويرعاه و ليست الحالة وليدة فعل ميكانيكي للطبيعة وبقصورها الذاتي، الواضح  أن هناك فرقاً بين موضوع العلوم وموضوع الدين، العلوم تفصل في الأشياء وتوصفها، بينماالدين يفسر . حين نستعرض البيولوجيا والفيزيولوجيا والتشريح لعمل الجهاز العصبي وعلاقته ببقية أجهزة الجسم  مثلاً، سنجد إبداعاً بمنتهى الحكمة والخطة والذكاء والوظيفية والقصد والجمال ،العلم هنا يفصل ويشرح في شتى فروعه وتخصصاته ليوضح ، وهذه هي موضوعاته، لكنه لا يقدم  إجابة عن سؤآل، من وضع هذه الخطة ونسق لها وتابعها ورعاها ولازال يفعل ذلك وماهي خصائصه وصفاته  ؟، وبالتالي لن نتوقع تعارضاً بين القانون والحكمة، أو بين الخلق والأمر


بين العبث والحكمة :
حين تقع كارثة طبيعية أو صحية أو إنسانيه  يتم طرح تساؤلين :
كيف حدث هذا ولماذا وماهي الأسباب ؟
هل هناك هدف من ذلك  وقصد ؟
الإيمان بالله والرسالة يستبعد مفهوم العبث في الأقدار، فلا يطيح بمفهوم القصد والحكمة في الخلق لصالح  مفاههيم الصراع والعداء مع قوى الطبيعة والمستند إلى القوة والنزو والعبث وذلك  حين يعبر بالوعي  من الخلق إلى الأمر ،  لأن حالة الدهشة واليقظة والقياس العلمي التي تقرُّ بالحكمة في الخلق والتي  ربما تقف عاجزةً عن تفكيك شفرة المعنى والهدف من القدر ،  ستأخذنا للتسليم والرضا حتى يحضر  زمن يحمل معه العاقبة والبيان، هنا يمكن الاستعانه  بالخارطة القرآنية:

(لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ) الأنبياء (١٧)

فلم يعد مقبولاً إذاً  إثبات الحكمة والذكاء لله  في الخلق ونفيها عنه في الأمر، لكن المتابع للنص القرآني التالي سيجد تفسيراً يجمع التعليل العلمي والإجتماعي والأخلاقي في بسط مفهوم الفساد:

(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) الروم ٤١   

الفساد هنا يعني الفساد بمفهومه العام،  ويتمثل بالشرك والكفر وفي إفساد الحياة والمحيط الحيوي بسوء استخدام الطبيعة والموارد بالاستهلاك والإسراف والاستنزاف، وكذلك بالفساد الأخلاقي باختراق قيم العدالة والحق والحياة والحريات والفضيلة، النتائج إذاً  رهن لما تكتسبه أيدي الناس ضمن إطار معقولية الأقدار وتدافعهابالخيارات الإنسانية ووفق منظومة العلوم .


بين الحصبة والقدر :
في الثمانينات أذكر آخر وباء حصبة ضرب سورية، يومها كنتٓ تدخل المنزل لتجد  العائلة بأكملها مصابة، كان الناس قديماً يعتبرون الحصبة لازمة طبيعية، وكانت الأُسر  في بعض المناطق تستعد بالألبسة والأغطية الحمراء والدبس كطريقة من طرق التدبير، ومع ذلك  لم تفلح كل تلك  الخيارات السيئة في القضاء على المرض والحد من وفياته، حين بدأت حملات التلقيح بعدذلك اختفت إصابات الحصبة تقريباً من المجتمع على مدار عشرات السنين ، نفس النتائج قدمتها إحصائيات في مختلف دول العالم عن الجدري والشلل وكل الأمراض الخاضعة لخطة اللقاحات في منظمة الصحة العالمية ، ممايعني أننا حصلنا على نتائج أفضل بتطوير الأقدار والأسباب . كذلك الإنجازات في وفيات الأطفال والولادات بعد تطوير  أنظمة الرعاية الصحية، نحن إذاً أمام خيارات وبدائل بحسب وعي الإنسان وخبرته  والتي تختاريمكن لها اختيار أقدارٍ متباينه  .  سأل كعب بن مالك رسول الله - صلى الله عليه وسلمفقال: أرأيت دواء يتداوى به .. هل يرد قدر الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم - يا كعب: بل هو من قدر الله.


الصبر ووظاؤفه :
هل يشكل مفهوم الصبر تكريساً لحالة من القبول بالدونية والسلبية أمام الواقع ؟
ربما نغالط الحالة الإنسانية والدينية إذا عممنا الإجابة بنعم ، تخيل أننا أمام خبر صادم يتمثل بوفاة عزيز  بحادث سير، أو طبيب يخبر بإصابة أحدنا بمرض خطير جداً ، ماذا يمكن أن نقدم للمصاب أو أهله  سوى الدعم والأهم  الدعم النفسي القائم على إعادة التكيف مع المستجدات وتعزيز التماسك والصمود وتقديم التبريرات التي يمكن أن تعيد للنفس درجة من التوازن، للصبر  هنا قيمة إيجابية وإنسانية، يذكر الهروي في المنازل  فوائد الصبر (والصبر في البلاء بملاحظة حسن الجزاء وانتظار روح الفرج وتهوين البلية بعدِّ أيادي المنن وتذكر سوالف النعم )


من وظائف الإيمان بالقدر :
يشكل العزاء المسلّي المبعد للأسى: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ)  الحديد (٢٣) وسيلة لدرء الاكتئاب، كما يشكل حاجزاً لمنع الفرح المطغي (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) لقمان (١٨).  

لابد من تجاوز  الاكتئاب والحزن،  في الوقت الذي يجب علينا عدم التماهي مع  الفرح المبطر والمتعالي الذي يؤسس للطغيان والاستبداد، كذلك الإحساس الآمن   من خلال الاطمئنان  بأن الخلق والأمر تحت السيطرة المركزية لكل خصائص وصفات الألوهية، وأنه لا يوجد موقف عداء سابق وتصيد للحالة الإنسانية.

الدعاء :
هو سبب شرعي يعمل حين تتحقق شروطه وتنتفي موانعه، وهو طلب  يترافق بعمل وجهد وليس وظيفة للتسكع والتكسب  على أقدار الله   .
هناك فرق بين العظة والعبرة وبين الفرح بالكوارث، التوجيهات القرآنية تتحدث عن السير في الأرض ومطالعة حياة الأمم للعبرة والفائدة، أما الحياة الإنسانية فهي في جوهرها  محترمة ومصونه .


المعجزه والقدر :
يذكر ابن الجوزي في مدارج السالكين (أن الله تعبدنا بالأسباب . سواء الشرعية منها أو الكونية ، وأن الخروج عن هذا المفهوم يتعارض مع الشريعة والسيرة النبوية)، لكن هذا لا يمنع من الإيمان بأن الله سبحانه قادر على التدخل في أية لحظة لإحداث تغيير لصالح فرد أو جماعة ما، هذا التدخل استثناءً من القاعدة يجب أن لا يطلبه الوعي  إلا بعد استنفاذ الفرص

وغاية الجهد: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) الأنعام ٥٠.

 


 

علِّق