عن نصير شمة وأبي وسورية الجريحة

 

لم تتسنّ لي معرفة العازف القدير نصير شمة معرفة شخصية.... كنت قد بدأت التعرف عليه من خلال موسيقاه في عمر السادسة عشر، مراهقةٌ تريد اكتشاف الدنيا وأسرارها، وتسعى لمسابقة الريح ومنافسة النجوم.. فتاة كلّ همها أن توسّع معارفها وآفاقها الثقافية لتشابه أباها الذي تحب، ومن خلاله وعن طريق الوسط الذي نشأت فيه عرفت أن "عود" نصير شمة صار منبراً أساسياً في ثقافتنا الموسيقية، وما أنتجه جزء لا يتجزأ من تراثنا الفني والإنساني.

 

وبالرغم من التعلق بمقطوعاته وألحانه التي تداعب الأذن وتلاعب الروح وتسرح بالخيال، إلا أني لم أفهمها جيداً أو أعايشها كما يحدث الآن، وربما لتجربتنا السورية وتغريبتها الدرامية دورٌ في إنضاج القدرة على ترجمة ما تحمله موسيقاه من تسجيد لآلامنا. ربما آن ذاك لم يحمل هذا القلب ما يحمله اليوم من آسى، لكن الآن صارت هذه الروح الجريحة تغتسل بالمعنى على إيقاع أنغامه، فربما فهمي للحياة وإدراكي لها لم يكن قد بلغ المستوى الذي يتيح لي أن أتوحّد مع إيقاعاته وأتيه في عوالمها، فكل ضربة من ريشة الشمة هي عالمٌ بحد ذاتها.

في تلك الفترة، كنت لم أشهد بعد الفاجعة المسماة الحرب، فما كانت تثير معزوفة "ملجأ العامرية" ما تثيره اليوم من أوجاع ومن خيالات، لم يكن لهذا القلب أن يرتجف بعد على أصداء صوت صاروخ يخترق السماء والروح، والأرض لم تتزلزل تحت قدمي أمام جبروت الموت، كنت لم أدرك جيداً ما يعنيه صراخ سيارة الإسعاف وهي تحمل جسداً ضعيفاً هشّمه حقد القتلة، ولم أستوعب كيف لطيارٍ أن يتخذ قراره بسرقة حياة المئات من ملائكة الأرض، وينام في نفس الليلة مرتاح البال، يشغل نفسه عما خلفه من موت بمداعبة أطفاله.

 

اليوم كلما سمعت المعزوفة أجدني في قلب ملجأ العامرية، سوية مع الشمة، استشهد مع الأطفال على وقع كل ضربة للوتر، وأحيا مع استرجاع ذاكرة لوعة الضحايا التي يخلدها في إبداعه.. أشتم رائحة الدم، أصبغ وجهي بالشحار المنثور على بقايا جدران "العامرية" وجدران الإنسانية، ثم أرحل إلى سوريا لأكرر المشهد حقيقة مرّةً وواقعاً دموياً في كل سجن وكل بيت، وفي كل قرية أو مدينة.

أما في هلال الصبا،   حيث لم أعرف في بدايات صباي أية لوعة كي أناجي كما تناجي المفاتيح الموسيقية على حدود الأوتار، فكيف لي أن أعرفها وأبي معي جميلاً باسماً حنوناً، ومنزلنا الدافئ تزينه الطمأنينة تحت جناحي رعايته؟

في تلك الأيام لم أعرف بعد حرقة الغياب والتغيب القسري والشوق الجارح والفقدان، لم أعرف كيف يغيب الأحبة سنيناً مجبرين، تاركين خلفهم صندوق الذكريات مفتوحاً على مدى الانتظار والجرح نازفاً يأبى الاندمال.

بعد الفاجعة، أي بعد ثلاثة أعوام وشهور على اليوم الذي اعتدى فيه وحوش الدين على ملاكي الحارس " أبي" وغيبوه في سجونهم، تعلّمت على عتبات الهلال والصبا كيف تناجي الروح الإله والكون والقناع والزنزانة، سوية مع الشمة في بداية المعزوفة ناجينا السجان، رجوناه حرية كل المعتقلين، وتصاعدياً مع ارتفاع الأنغام صرخنا وصرخنا وصرخنا لكنه لم يسمعنا... زرنا أقبيته ولم يعرنا انتباهاً، فابتسمت لأبي وأصدقائه، تمنيت لهم السلام وجرجرت قدمي عائدة مع الشمة مستسلمة من جديد للألآم.

 

أخيراً فيما يخص القلب وما يهوى، مع "رحيل القمر"، لم أفهم جيداً الرحيل وآلامه، إلا بعد أن رحلت أنا أو رحل الأحبة، تحت ظلال العشق وانكساراته فهمت كيف يرحل القمر من سماواتنا، وتتحول أيامنا إلى ليالي حالكة يتسيدها شبح الألم، فهمت كيف يلتف حبل العجز حول العنق ممتصاً ببطئ بريق العينين، تاركاً لنا خيبتنا وشوقنا لأيام ذهبت مع من ذهبوا. أدركت كيف يترنح العاشق بين الأمنية والحقيقة كما يترنح الإبداع بين الريشة والوتر في "رحيل القمر".... كلما سمعت هذه المقطوعة أحسست بأن الشمة يرثي كل ما عشته من خذلان وانكسار، يطبطب عليّ كصديق مخلص. يعطيني النصائح، ويدندن لي حتى أنام.

لم ألتق شخصياً بالمبدع نصير شمة، لكنني اليوم بعد ما عشته أشعر أني أعرفه ويعرفني، أشعر أنه يتسلل من بين ألحانه إلى ثناياي ليقرأني، وأني قد شكلت مع معزوفاته قصة عشق أبدية أو ورواية تختزل كل انكساراتي وانفعالاتي، أعرفه صديقاً قديماً يحتضن خفايا الروح وأسرار القلب، وحارساً للذاكرة والتاريخ، موسيقاه دوائي عندما يسرق الوجع مني بقايا الفرح والابتسامة، ويهشمني وحيدة منسية في غربتي الروحية.

كما أعرفه إنساناً له من الروعة ما يشهد له التاريخ، عراقياً أحب العراق فكان سفيراً له ولمعاناته، أرسل من رحم الحرب ألحانه حمامات سلام، ليخبر العالم أجمعه أن أصدق اللغات وأبقاها هي لغة الموسيقى.

كما لا يمكننا الحديث عن الثورة السورية دون استحضار المواقف الإنسانية للشمة تجاه شعب تُرك وحيداً مخذولاً مذبوحاً بسكاكين من يسمون أبناء البلد أولاً، ثم العالم العربي والمجتمع الدولي، بما فيها دعمه للاجئين السوريين في مختلف البلدان العربية… اختار  الشمة أن يكون انساناً ويدعم قضية الشعب السوري في زمن تخلى الكثيرون من الفنانين العرب عن انسانيتهم ووقفوا في طرف السفاح.

 

علِّق

المنشورات: 1
القراءات: 1348

مقالات الكاتب