عدد القراءات: 339

عن المعارضة وأشياء أخرى !

 

في الحديث عن المعارضة السورية، لا يمكن أن نقف عند الائتلاف السوري المعارض فقط، فهناك هيئات و شخصيات معارضة سبقته وتلته، ناضلت للتخلص من القبضة الحديدية داخل الحدود السورية، قبل أن تُفتح الأبواب والشبابيك للمعارضين للخروج الى فضاءات حرة ينشطون فيها بكرامة وحرية ودعم سخي !.

شخصياتٌ عادلت شهرتها نجوم السينما، لكن بعد العام 2011 تغيّرت حقائق كثيرة، كثر المعارضون واختلّ ميزان التضحيات، فتساوت الرؤوس عند البعض، وتمايزت عند البعض الآخر، فهناك من نقل حالة القداسة الشخصيّة لرأسٍ بعينه من خيالات النظام الى فضاءات الثورة، لتصبح الصورة بوهيميّة غير قابلة للتعريف، من ثورة جماهيرية قامت من بين أزقة شعبية كان قوامها الفلاحون والصناع والطلاب، الى ألقاب وبروتوكولات وسجاد أحمر ! وكل هذا باسم تمثيل الثورة سياسياً في الخارج، وليس هناك مايتعب القلب، لا تظاهرات ولا غبار المخيمات، ولا ذل على أبواب السفارات، لا صواريخ وبراميل ورصاص قناصة، تفاصيلٌ (حريريّة) باتت ترخي بظلالها على حياة بعض المعارضين التي باتت تغري حتى أغلظ الرقاب من أزلام النظام لدخول الفقاعة الدبلوماسية تحت مسمى معارضة تحتكر الحراك السياسي للثورة السورية ...

 

إنجازات تاريخية ..

رمى الشعب الكرة في ملعب المعارضة السياسية، بعد أن أقحم الأخير ثورته في نشرات الأخبار مضحياً بدمه، ما فرض مطالبه على طاولات الأمم المتحدة، لكن ماذا حدث بعد أن تشكلت الهيئات والمجالس التي أخذت فرصتها لسبع سنين؟

أكثر من 700 ألف شهيد، حوالي ال7 ملايين مهجّر داخلياً، ومايقارب ال5 ملايين مهجّر خارجياً، أكثر من 3 مليون منهم يقطنون المخيمات، 150 ألف بين معتقل ومفقود.

عسكرياً: بعد أن سيطر الثوار على 60% من الأراضي السورية، وما أن وضعت المعارضة السياسية أياديها الحكيمة حسب توجيهات داعميهم فوق بواريد الثوار، حتى خسرت الثورة أكثر من 70% مما كسبته، وعاد الأسد ليحكم البلد، وكلّه بالسياسة يا سادة، مفاوضات هنا، ومصالحات هناك، ورعاياتٍ لهدنٍ وانسحابات تكتيكية، صارت الثورة قاب قوسين بعد أن صاح النظام (وا بوتيناه) ألماً وفرقة.

وكما أن النظام هو المسبب الأول لهذا الخسائر، إلا أن المعارضة المتنطعة باسم الشعب تتحمل جزء من المسؤولية. أما سياسياً، ومنذ سبع سنين، ماهي انجازات المعارضة؟

خمس جولات من "جنيف"، سبع جولات من "أستانا" ! مؤتمرات في الدوحة و الرياض وإسطنبول وموسكو والقاهرة و واشنطن.. سموا ماشئتم من المدن، هناك مؤتمرٌ ما ! تيارات ومنصّات فرّخت منصات، بعثات أممية وأخرى عربية ودولية، مراقبون ومحللون وسياسيون يطعمون الوعود الكاذبة لأناسٍ يفقدون أطرافهم واحدٌ تلو الآخر في مجازر عند كلّ مؤتمر !

وعلى الأرض المحرّرة، يجد الناس أنفسهم حائرون يتسائلون: ماذا نفعل الآن ؟ ولغياب المعارضة المنظّمة، يسهُل سيطرة الجماعات المتشددة عليهم وعلى مدنهم، في الوقت الذي تعلوا فيه المطالب للائتلاف وغيره بأن يقدموا مشروعاً وطنياً  يكون حلاً لادارة المناطق المحررة ومنع وقوعها بأيد المتشددين الذين يرضخ لهم الأهالي (من قلّة الخيل) ..!!!

 

احترام متبادل ...

تفشل المعارضة حتى في حفظ كرامتها في أعين الناس، كوميديا سوداء يمارسونها علناً، شتائم وفضائح مالية ومعارك وصفعات متبادلة وشرّ البليّة ما يضحك. يتسهتر البعض بكونهم (شخصيّات وطنية) كما يصفون أنفسهم، وأن لذلك مسؤولية تنطوي حتى على الأحاديث الخاصة ومن يجالسون، هكذا تصنع الفضائح !. خرج لنا مؤخراً تسريبٌ لتسجيل صوتي يتحدث فيه "ميشيل كيلو" عن الثورة شاتماً لاعناً مزبداً مرعداً ! فتقوم الدنيا عليه، ليتبيّن في اليوم التالي أن التسجيل مُجتزأ، لكن بعد فوات الأوان، فخبر كهذا ينتشر بنار الحسرة في هشيم المَخذولين. والسبب بسيط، فجمهور الثورة يرى خللا واضحاً في كلّ العملية السياسيّة، فصعود خبر كهذا، يجد فيه الناس الكثير من الأجوبة، حتى وإن كان فارغاً إلا من الشتائم، لكن على الأقل هيَ نارٌ لذاك الدّخان. وحتى البيان التوضيحي لا يبّر لـ"كيلو" ما حدث، فالثواني المجتزأة من حديثٍ مستهتر، أعادت كلّ إخفاقات الرجل الى الواجهة، ليذكّر الجمهور بأسئلةٍ أساسيّة عن المعارضة، كان الهمّ العام قد طمسها. فكل مافعله في دفاعه عن نفسه خلال 16 دقيقة، هو الدوران حول نفسه وحول المشكلة، وعبثاً يحاول، فالمسألة باتت أزمة ثقة تراكمت مسبباتها عبر تجارب كثيرة فاشلة، كلّ ما فعله كيلو هو تحويل مشاكله الشخصية الى مشاكل عامّة، أسقط فيها عيوبه على الوضع العام، لتكون هذه العيوب علل مجتمعيّة يتشاركها الجميع لا ميشيل كيلو وحده..! وهذا ليس ماكان الناس ينتطرونه من شخصية لازاله لصِفَة (الوطنيّة) أثر في أذهانهم عنها.

ولأثر المعارضة على الناس، انقسموا بين مدافعين ومهاجمين، وآخرون حاولوا انقاذ صورة (الشخصية الوطنية) من التشبيح (وليس دفاعاُ عن كيلو نفسه كما يقولون)، فقاموا بإصدار بيانٍ يستنكرون فيه الهجوم، جاء فيه مانقف عنده:

" التركيز على الأستاذ ميشيل كيلو هدفه إزاحة شخصية وطنية من المشهد، ومحاولة إغتيالها معنوياً لتفرغ الساحة للصغار والمرتزقة والزعران لتصدر المشهد". وتابع "نعتقد أن شخصية وطنية مثل ميشيل كيلو هي فوق شبهات الزعران والسوقة ".

هل يعقل أن بياناً مضاداً للاساءة للشخصيات العامّة، يقوم باستخدام عبارات مثل (مرتزقة وزعران وسَوقة) لوصف الذين اتخذوا موقفاً سلبياً من فضيحة كيلو، حتى لو كان مغالياً ؟ وهم (أصحاب البيان) يعلمون أن رد الفعل على التسجيل كان جماهيرياً وليس من شخصيات بعينها، وأن جمهور الثورة (المقصود بشتائم بيانهم)، هو خليط طبيعي من السوريين الذي نجد فيه العامّة والنخبة؟ الذين من الطبيعي أن يستقبلوا هذا التسريب بشكل سلبي بعد أن جرح مشاعر الملايين منهم؟. ستبقى هذه الصورة البشعة (التسريب) في الذهن الجمعي للمجتمع كآخر انبطاع حتى تأتي صورة أكثر قوة تغيرها تماماً، وهذا ما فشل ميشيل كيلو وأصحاب البيان في فعله..!

تكررت هذه الحوادث بصور مشابهة، تقترب وتبتعد، وجميعها تصبّ في كأسٍ يتلاعب بالرأي العام ومشاعر الناس. كالفضحية الأخرى التي حاول فيها غاوي شهرة، المخرج "محمد بيازيد"، الذي فبرك محاولة اغتيال تساعده على الشهرة وتسويق أعماله. منذ اليوم الاول لفضيحة "بيازيد"، علمنا كما علم كثيرون ان الامر لا يتجاوز خدعة سينمائية رديئة. ومن التداول الكبير للقصّة، ظهر متعاطفون (بالشكل الصحّي) ومهاجمون (بالشكل الطبيعي)، ما أبرز أثر (الجريمة الأخلاقية) في المجتمع، ولأن الأضواء تختار جانب واحد، أغفل الكثيرون أن الأشخاص الذين قاموا بكشف الحقيقة لا حقاً ونشر مقاطع فيديو مسجّلة لكل الأحاديث التي دارت لعمليات التخطيط لمحاولة الاغتيال المفبركة، هي من أشخاص قالوا أنهم من أكثر الأصدقاء المقربين لبيازيد، وأنهم كشفوا الحقيقة لاحقا لأنهم خُدِعوا به كجميع السوريين، وأن ما قام به بيازيد عمل غير أخلاقي.. لكن السؤال الأهم، هو أن هؤلاء الأشخاص لماذا قاموا بتسجيل كل المحادثات بشكل فيديوهات لصديقهم الذي يؤمنون به قبل كشفه ؟! أوليس هذا أيضاً عمل ترصّد غير أخلاقي مساوي تماماً لفعل "بيازيد" ؟! هذا الأمر ينطبق أيضاً على من قام بالتسريب الصوتي "لميشيل كيلو" ! العملين غير أخلاقيين لهذا فإت التحيز لموقف أو الدفاع طرف إشاكلية تندرج في نطاق الأمور الغير واعية، كالهجوم الأعمى على طرف وتصديق رواية الآخر، مع أهمية فضح هذه الأمور طبعاً. مالم يكن مقبولاً في هذا السياق ان يذهب البعض من الطرفين لمهاجمة الآخر وتسفيهه واتهامه باستخدام الفضيحة للتعمية عن مأساة السوريين او التعامي عن القضية ذاتها، كما حدث في الفضيحتين والبيانات التي رايناها في كلتا الحالتين، وهنا يأخذ الناقد مكان المنتقد، ويقع في خطيئته التي يزدريها، اعجب من عدم مراجعة هؤلاء انفسهم او حتى قراءة ماكتبوا بعد حين !

هذا كله يعود الى حالة عدم التوازن الفكري والعاطفي تجاه الشخصيات العامة والاحداث التي نتلقاها، فننجرف بسرعة بالحبّ أو البغض، ما يلبسنا حالة الاحباط والصدمة، وتغيب الاحكام المنطقية في أمور كهذه لما تراكم في أذهاننا من تجارب فاشلة عن المعارضين السياسيين، الأمر الذي نسقطه على باقي الشخصيات العامة في أي حادثة مارقة. حالة الإحباط المتكررة التي تنعكس على كل شيئ والتي كان سببها آلاف الوعود الكاذبة والتجارب الخطيرة التي وضعت فيها المعارضة الناس ...

 

 

علِّق

المنشورات: 2
القراءات: 648

مقالات الكاتب

وجهات نظر