No votes yet
عدد القراءات: 6223

عندما يصبح الإحباط إساءة ذاتية: كيف نستطيع تقويض نجاحاتنا وإعادة بنائها؟

الكاتب الأصلي: 
Brett Steenbarger
تاريخ النشر: 
28 نيسان (أبريل), 2017
اللغة الأصلية: 

 

بصفتي طبيباً نفسياً، كنت شاهداً على الكثير من حالات سوء المعاملة العاطفية والجسدية داخل الأسر وعلى مستوى العلاقات بالإضافة إلى الحصيلة التي تنتج عن ذلك. وفي هذا المقال أود أن أتطرق إلى موضوع أكثر دقة وحساسية؛ وهو علاقتنا المسيئة مع أنفسنا والطرق التي نستطيع من خلالها أن نقوض من اعتزازنا بأنفسنا بصورة فاعلة ومن ثم التقليل من أهمية نجاحاتنا.

 

يشير المعالجون إلى ما يسمى "بالكلام الذاتي السلبي" و"اللوم الذاتي" وأنماط التفكير السلبية التي ترافق الاكتئاب والعديد من أشكال الاضطراب العاطفي. كما يصف لي المسؤولون الماليون الذين أتعامل معهم في الأسواق المالية، "إحباطهم" و"انزعاجهم" حول خسارة الأموال. وهذه مصطلحات تعويضية، فهم لا يستطيعون استيعاب الواقع العاطفي الذي أشهده: وهو كيف تتحول سلبيتنا وإحباطنا في كثير من الأحيان إلى سوء معاملة عاطفية فعلية.

 

ولنتحدث عن التاجر الذي يخسر المال في سلسلة من الصفقات، ربما كانت الفكرة وراء هذه الصفقات خاطئة، وربما كانت صحيحة، لكن السوق تستجيب لمجموعة مختلفة من الاتجاهات. ولدى حساب الخسارات، يمسي التاجر محبطاً وغاضباً بصورة متزايدة. ذلك أنه – ويكون التاجر مذكراً في الأغلب في عالم التجارة، وسنرى السبب في أهمية ذلك – يتفاعل مع الأمر بداية بدافع الإحباط وخيبة الأمل عن طريق عقد المزيد والمزيد من الصفقات، لكنها في هذه المرة لا تكون مدروسة بدقة. ومع ازدياد خسارته للأموال نتيجة هذه الصفقات، يصبح موقفه "أسوأ" ويضيفه إلى مواقفه السابقة. وفي نهاية المطاف يتحول كل شيء ضده ويضطر إلى قبول خسارة مدمرة. والآن بات ممتلئاً بالغضب والإحباط، وأصبح هو أيضاً ضد نفسه ليخبر نفسه عن مدى "غبائه"، وكيف أصبح "خاسراً" وأنه لن يتمكن من تحقيق النجاح على الإطلاق.

 

نلاحظ مدى سرعة تصاعد الإحباط الطبيعي، الممكن تفهمه، نتيجة مجموعة أولية من الخسائر،  ليصبح سلوكَ تدميرٍ ذاتي ثم أفكاراً ومشاعر مدمرة ذاتياً. وتصرفات التاجر الذي تحدثنا عنه للتو ليست مختلفة من الناحية النفسية عن تصرفات سيدة شابة تعاني "النُهام"، وهو اضطراب في عادات الأكل، هذه الشابة تأكل أكثر بقليل مما خططت له ضاربة بالتحذيرات عرض الحائط وتستهلك الكثير من الطعام، ومن ثم تحاول التخلص من السعرات الحرارية بسلوك وأفكار مدمرة ذاتياً. ونحن ليس لدينا مشكلة في تحديد سوء المعاملة الذاتي عندما يأخذ شكل الإفراط في أمر ما، ومن ثم محاولة تطهير ذلك أو إيذاء أنفسنا بعد اضطراب عاطفي، لكننا عادة ما نشهد هذه السلوكيات لدى النساء أكثر من الرجال. غير أن الرجال عندما ينخرطون في تصرفات موازية لتصرف السيدة الشابة، كحالة التاجر المذكورة، يُنظر إليهم ببساطة على أنهم متهورون ويفتقرون إلى الانضباط وقادرون على التنافس عاطفياً. إلا أننا لا ندرك العنف العاطفي وسوء المعاملة الذاتي، وهذا النقص في الوعي يتسبب في ديمومة دينامية التدمير الذاتي.

 

لدينا 4 قطط في منزلنا أُنقذت من أوضاع عانت فيها إما من سوء معاملة أو إهمال، وعندما تصاب إحدى هذه القطط بجروح أو عندما تمرض، نتعامل معها بشفقة وتعاطف من نوع خاص، فنحن على دراية بأنها قد عاشت حياة صعبة من قبل لذا نتعاطف مع شعورها بالألم. وقد اعتادت القطط الأربع على تعاطفنا ذاك، وأصبحت تلتصق بنا بطرق لم تلتصق بها بالآخرين على الإطلاق. والتعاطف هذا هو العنصر المفقود عند أولئك الذين يسيئون معاملة الحيوانات والنساء والأطفال، إلا أنه مفقود بالقدر ذاته في أنفسنا عندما نتجاوب مع الإحباط بتصرفات مدمرة ذاتياً وحديث ذاتي مهين.

 

أما بالنسبة لأولى الخطوات نحو تغيير سلوك سوء المعاملة الذاتي، فتكون في تحديد هذا السلوك بكل وضوح على النحو التالي: هذا ليس مجرد "تجارة انتقام" أو نشاط اندفاعي أو إحباط أو حتى غضب، بل هذا سوء معاملة عاطفي ونفسي. فنحن عندما نسمح للإحباط بتخريبنا فإننا نؤذي أنفسنا بذلك كثيراً. وفي هذه الحالات، نصبح تعسفيين.

 

وهذا ليس اعترافاً يبعث على السرور، غير أنه الخطوة الأولى للاعتراف على قدر مساوٍ بأننا نعاني من سوء معاملة لذواتنا، وهذا بدوره يمنحنا قدراً من التعاطف. بالإضافة إلى ذلك، لا بأس أن نشعر بالإحباط عند حدوث خسائر، لكن تلك هي الأوقات التي نحتاج إلى معاملة أنفسنا فيها بصورة جيدة وأن نتعلم من أخطائنا ونعمل على تحسين أنفسنا. وفي حال واجهنا بصورة متساوية بشاعة أن نصبح شخصاً متعسفاً وأن نعاني من سوء المعاملة، نستطيع عندها أن نجد الدافع الذي يحثّنا لنصبح شخصاً مختلفاً من نوع آخر وبالتالي نقيم علاقة مختلفة مع أنفسنا.

 

يبدأ الأمر بالوعي وينجم عنه التعاطف. وحالما رأينا بوضوح حقيقة حديثنا الذاتي مع أنفسنا وسلوكياتنا الشخصية وأدركنا أنها سوء معاملة للذات، نستطيع التخلص من الأفكار والتصرفات التي تسبب الحيرة والارتباك ومن ثم نجد الإلهام والتصميم على ألا نصبح ضحية مرة أخرى.

 

--------------------

الكاتب:

بريت ستينبارجر (Brett Steenbarger): أستاذ مشارك في الطب النفسي والعلوم السلوكية في جامعة ولاية نيويورك جامعة أوبستيت الطبية في سيراكيوز، نيويورك.  يغطي أخبار علم النفس في سوق العمل ولدى التجار ويركز على البحوث والتطبيقات الأخيرة في علم النفس والتمويل السلوكي

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2513979

مقالات المترجم