عدد القراءات: 14391

عندما كنت ابن النظام، وأصبحت أحد خصومه

ربما تأخَّرت هذه اللحظة كثيراً، لكني كنتُ دائماً أعلمُ أنَّها قادمةٌ لا محالة، فهناك دائماً تلك الهزَّة التي تُقرِّرُ عندها أن تضع جميع الاعتبارات والحسابات خلفك، وتدوس على جميع مخاوفك، وتواجه الآخرين بالحقيقة: الحقيقة فقط كما هي.

ورغم أنّي كنتُ قد اخترتُ في الفترة الماضية أن تصب كتاباتي ومقالاتي في مجال التوعية الفكرية فقط، سواءً كان ذلك في السياسة أو الدين أو المجتمع، ومعالجة وتفكيك عقلية الاستبداد في العموم ودون الدخول في السياسة إلى منطقة الخطر Danger Zone، إلَّا أن الدرس الذي تعلمته أخيراً هو أن المعركة الناعمة مع عقلية الاستبداد لا يمكن أن تطول، لأنهم لن يتركونك بحالك إلى أن تحرق معهم كل الزوارق، ولابد في نهاية الأمر من أن تخرج عن صمتك، وتقول كل شيء، مهما كانت العواقب، ودون أن تُفكِّرَ حتَّى بهذه العواقب، لأنَّكَ إن لم تفعل فسوفَ تفقِدُ احترامَكَ لنفسِكَ إلى الأبد.

 

إليكم حكايتي مع نظام الاستبداد. النظام الذي تواجدت في أوساطه حتى أواخر سنة 2013 بحكم موقع والدي الدكتور محمد سعيد عقيل كسفير في أوكرانيا حتى ذلك الوقت، قبل أن يكون الفراق الذي عنونه موقع كلنا شركاء بعنوان: النظام يقيل سفيره في أوكرانيا والسبب ابنه! ونشرت الخبر الكثير من المواقع الأخرى في ذلك الوقت.

 

لكن يبدو أن الصمت الذي التزمت به بعد ذلك، احتراماً واستجابةً لرغبة والدي بطبيعة الحال، قد أوهم ذئاب الاستبداد أنهم يمكن أن يستمروا في نهش لحمنا والإساءة لسمعتنا بتلفيق الأكاذيب الرخيصة وصولاً إلى تجاوز كل الخطوط الحمراء وتناولنا في العرض والشرف، عندها لابد من وضع النقاط على الحروف، وفتح جميع الأوراق على العلن.

لدي رجاء شديد، هو أن يتذكر القارئ تماماً أني أمثل نفسي فقط، وروايتي لما عشته وشهدته، وأني أتحدث باسمي وليس باسم والدي أو أسرتي.

فلكل شخص الحق في اختيار مواقفه وقناعاته، واختيار موقعه من التاريخ.

------------------------------------------------------------------------------------------------

27 ديسمبر، 2013 - الساعة الواحدة ليلاً

-    " إسمع يا عبد المجيد، لقد أصبح الجميع في سوريا في وزارة الخارجية وحتى في القصر يعرفون أنَّ ( ابن السفير ) هو المسؤول عن تسريب التقارير الأمنية من أجهزة السفارة إلى قيادات المعارضة في كييف، وهناك معلومات مؤكدة لديهم عن ذلك. هذا الأمر خطير جداً إن لم تتم معالجته بأقصى سرعة... وخطورته تتجاوز أن تتم إقالة والدك فقط من منصبه كسفير... بل إنَّ الأمر سوف يصل إلى حرمانك من دخول البلد وأن تصبح ملاحقاً أمنياً... لأن الموضوع يخص الأمن القومي للوطن... أنا أريد مساعدتك برغم كل شيء كرمال الخبز والملح ولأنك لست سيئاً إلى درجة أن تستحق هذه النهاية الوخيمة

 

-   " مُضَر، اسمعني، إذا كنت قد اتصلت بي في وقت نومي وجئت لتصطحبني بالسيارة في هذا الوقت المتأخر لتجري معي التحقيق إياه وتستجرني للحديث عن قصة التقارير الأمنية، فإن جوابي لن يتغير عن كل مرة:  التقارير الدنيئة والخسيسة التي تم كشفها، والتي لم يسلم منها أحد من السوريين في أوكرانيا، والتي تُكتَب دون علم والدي، وقد تتسبب بتدمير حياة ومستقبل الكثير من الناس، والأذى لأهاليهم في سوريا، هذه التقارير هي الجريمة التي يجب محاسبة أصحابها وإدانتها بجميع السبل والوسائل وليسَ مَن كَشَفَ وجود التقارير، وعلى ذلك فأنا لا أقبل أن أوضع في موضع المُتَّهَم أساساً، ناهيك عن سخافة الحديث عن أن هذه التقارير تخص الأمن القومي، فإذا كان الأمن القومي يهدده افتضاح تقارير مثل: فُلان من الدبلوماسيين جاءته هدية ساعة جميلة جداً عليها صورة السيد الرئيس فلم يرتديها ولا مرة، أو أن فُلاناً لا يبدي الكثير من الحماس في الهتاف للرئيس في المناسبات الوطنية. ربما يكون الأدق الحديث ليس عن تهديد للأمن القومي، بل عن فضيحة وعار، لأني واثق من أن الكثير من السوريين لا يعرفون بوجود مثل هذه الأمور خارج حدود مرايا وبقعة ضوء والكوميديا السياسية السوداء"

 

أمَّا مُضَر هذا فهو ابن اللواء رفيق شحادة، الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب رئيس المخابرات العسكرية في سوريا، قبل فضيحة الصدام مع اللواء رستم غزالة الذي انتهى بمقتل الثاني، وقد تم إرسال مضر من وزارة الخارجية كمبعوث دبلوماسي للسفارة في كييف ، وكان قد اتصل بي في وقت متأخر ليلاً ليخبرني أنه قادم لاصطحابي بالسيارة للحديث ولو نصف ساعة عن موضوع خطير جداً.

 

- " المهم، إذا أردت أن يبقى أبوك سفيراً، وطالما أن إنكار مسؤوليتك عن تسريب التقارير لم يعد يفيد في شيء، لديك فرصة في أن تصلح الموقف قليلاً وذلك بأن تقول أن التقارير الحقيقية التي سرقتها من أجهزة السفارة موجودة على جهازك فقط، أما التقارير التي انتشرت على الانترنت بعنوان "ويكيليكس السفارة السورية في أوكرانيا" فهي مجرد تقارير كاذبة اخترعها سفهاء المعارضة في كييف بعد أن سمعوا بوجود بلبلة في السفارة وقيام ابن السفير بالتجسس على أجهزة الموظفين، وهكذا تموت قصة التقارير ولا يعود لدعاية المعارضة أية قيمة، وربما يتجاوزون في دمشق عن زلتك "

 

عموماً، قصة التقارير لم تكن أول مواجهة لي مع العقلية الأمنية الاستبدادية التي لها حضورها القوي جداً في أوساط السفارة والجالية كما في أية مؤسسة يتحكم بها النظام في سوريا وتتداخل بنيتها مع بنيته، لكنها كانت اللحظة التي انتقلت فيها الأمور إلى مرحلة المواجهة العلنية والصريحة وكشف الأوراق.

 

لا أريد أن أدَّعي بأني كنت بطلاً، لأنني بالفعل لم أكن كذلك، ولم أكن إلَّا مُجرَّد أسير لسجنٍ كبير، لكني حاولتُ دائماً أن أتحرك قدر الإمكان ضمن الحدود الضيقة المتاحة لي للدفاع عما أؤمن به من رفض لعقلية الاستبداد والإقصاء والتخوين. أذكر مثلاً في إحدى المناسبات كيف كنت أجلس في مكان عام، ودخل صديق من المعارضين المعروفين في كييف، وهو بالمناسبة أمين سابق لفرع حزب البعث في أوكرانيا وقدَّم استقالته منذ آذار 2011، فتجنَّبني، ثم أرسل لي رسالة قصيرة: "آسف ما سلمت عليك لأن فلان من الشبيحة موجود وانت مو ناقصك مشاكل". فذهبت إليه مباشرةً إلى طاولته حيث يجلس لأسلِّمَ عليه وأتبادل معه أطراف الحديث متجاهلاً العيون المحملقة، ومدافعاً عن رؤيتي لسوريا الواحدة بعيداً عن رؤية النظام الاستبدادية والإقصائية والتخوينية. عند تلك التفاصيل الصغيرة كانت تتجسد الحرب الباردة التي عشتها لمدة سنتين كاملتين في أوساط نظام الاستبداد مع شبيحة السفارة والجالية. الحرب التي لم تكن شخصية بقدر ما كانت دفاعاً عن أخلاقي ومبادئي، وعبر تلك التفاصيل كنت أتلمَّسُ حُريَّتي المأسورة، وبدأتُ أفهم أكثر فأكثر كم أصبحت الحرية اليوم حاجةً مُلحَّة وأكثر من أيِّ وقتٍ مضى. قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة لكن أعتقدُ أنَّ السوريين الذي أصبحوا يعرفون جميعاً العقلية الأمنية الاستبدادية للنظام  يفهمون ما أتحدث عنه تماماً ويمكن للحظة أن يتخيلوا التضييق والحصار الذي يمكن أن يُمارَس على ابن سفير لم يستطيعوا ترويضه ضمن قطيعهم، خاصةً في تلك الفترة التي توالت فيها أخبار انشقاقات السفراء وغيرهم من المسؤولين.

 

ورغم أني في تلك الفترة لم أكن أتجاوز في كتاباتي ومقالاتي الخطوط الحمراء، ورغم أن انتقاداتي لسياسة النظام كانت خجولة إلى حدٍّ ما، ولم تكن تتجاوز انتقاد تفصيل هنا وتفصيل هناك، دون المساس بمقام الرئاسة، إلا أن مجرد طرح فكرة صغيرة تتعارض مع منهجية الاستبداد والإقصاء التام للطرف الآخر كان يتسبب لي بمشاكل جمة، وخاصةً عند اللعب على وتر علاقتي مع والدي:

السفير مو عرفان يضب ابنه... أنت لا تمثل نفسك فقط بل تمثل والدك السفير وسوف تؤذيه وتؤذي كل عائلتك... ابنك يا سعادة السفير رح يخرب بيتك.

 

وعندما جاءت قصة التقارير المُسرَّبة، وأصبحت أنا الأول على لائحة المتَّهمين، كان السيلُ قد بلغ الزُّبى، وكانت الضغوطات السياسية والأمنية والعائلية قد وضعتني على حافة الانفجار، ولم أتردَّد لحظة فور عودتي إلى المنزل وحيث كان البعض قد اعتقد أني سوف أجيب على عرضه بالقبول، من أن أخرج هاتفي وأكتب بضع كلمات على الفيسبوك

 ( الأقفاصُ الذَّهبيَّة لا تستهويني، فأنا نسرٌ أعشقُ الحُريَّة ).

وفي اليومِ التَّالي مباشرةً كانت الكثير من المواقع قد أعلنت خبر إقالة بشار الأسد لسفيره في أوكرانيا بسبب ابنه!

والدي اختار الانسحاب من المشهد السياسي بهدوء، وإنهاء تاريخه المهني دون شوشرة وضجيج وبعيداً عن القيل والقال، والدفاع عن موقفه بأنه أدى مهمته الوطنية بنزاهة مطلقة وأيدٍ نظيفة وبمهنية تامة ووفق الأنظمة والقوانين التي بين يديه كسفير لجميع السوريين، مع قناعة تامة بأنَّ أي تصريح يخرج به قد يضر البلد ولا ينفع.

 

طبعاً هذه قناعته الشخصية التي أحترمها، واستجابةً لذلك امتنعت أيضاً بدوري عن التصريح أو إثارة الموضوع وقررت الابتعاد مؤقتاً عن السياسية ريثما أعيدُ ترتيبَ أوراقي، واتجهت للكتابة في الشأن العام، في الدين والفلسفة والمجتمع، ولكن: هل جرَّبتم أن تقتربوا من إحدى المافيات الإيطالية، ومن ثم أن تديروا ظهركم لها وتذهبوا بعيداً..؟!

 

بهذه العقلية تماماً، تم اتِّباع أقذر الأساليب التشبيحية معي خلال السنتين الماضيتين، من قِبَل شبيحة النظام وإعلامييه، ووحده الإعلامي باسل ديوب الذي يغطي معارك حلب للنظام اليوم كتب أكثر من 15 بوست يُشهِّر بي وبعائلتي، وبرعاية ومباركة وتحريض من شخصيات كبيرة في النظام، مثل اللواء بهجت سليمان الذي لم يخجل –وأنا من عمر أحفاده ربما- من تبني اتهامات الخيانة والعمالة بحقي ونشرها على صفحته في ثلاث مناسبات، وكُلَّما نشرتُ مقالاً جديداً انقضت علي الماكينة التشبيحية للنظام، وأفلتوا علي قطعانهم الحاقدة للتشهير بي وبعائلتي، وتلفيق اتهامات العمالة، والإساءة لتاريخ والدي، ومن ثم تجاوزوا كل الخطوط الحمراء وبدؤوا بالتعرض للعرض والشرف، وصولاً إلى تركيب الصور الجنسية لعائلتي وتهديدي وابتزازي بها.

حقيقةً كتبت في الكثير من المواضيع الحساسة، بما في ذلك قراءات ناقدة وجريئة في موضوع الدين، وتعرضت للكثير من الهجوم من الدواعش على اختلاف أشكالهم وألوانهم، لكن لم يصل أحد إلى ما وصلت إليه قذارة الشبيحة الأسديين. لذلك كان لابُدَّ أخيراً من وضع النقاط على الحروف، والانتقال للمواجهة العلنية.

 

اليوم أدوسُ على ما تبقى من خوفٍ وقلقٍ وتردُّد، وأضع جميع الحسابات جانباً، وأواجه الجميع بما في قلبي مما أردت أن أقوله منذ شهور وسنوات، وبحقيقة ما جرى معي خلال وجودي ضمن أجواء النظام، وكيف تطورت الأمور حتى وصلت إلى ما وصلت عليه اليوم.

لا شيء يخيف في مواجهة الناس بالحقيقة، لأن الحقيقة تبقى هي الحقيقة في جميع الأحوال سواءً أعجبتنا أم لم تعجبنا، وإن كانت حقيقة الواقع مخجلة، فليعمل البعض على تغيير هذا الواقع، عوضاً عن كم الأفواه

التعليقات

أشجعك أخ عبد المجيد على شجاعتك في مواجهة عقلية الاستبداد من الطرفين: الأسدي والمعارض له فجميعهم مجرمون. تحية ومحبة لك

علِّق