عدد القراءات: 9087

عندما شاهدت الله

أول صورة ارتسمت  في ذهني لربي سبحانه  تمثلت في جسد أمي رحمها الله تعالى، كان ميتاً بلا حراك، وساعتئذ قابلت (الله) عزوجل أول مرة  بصفة (القادر) على أن يفقدني أحبابي من دون سابق إنذار...
ماتت (عائشة) ...

إذن كل ذخيرتي العاطفية، ومفرداتها من الدلع و(فركة الأذن) تلاشت...
فقدت أشياء حلوة لم أعرفها إلا اليوم وأنا أرى أطفالي كيف تعاملهم أمهم اليوم ...
بموت أمي وأنا في الثامنة من عمري و لم أك بعد قد اعتدت على أن اقول لها :
"توبة  (ماما)  ماعاد عيدها"...  ماتت كل طفولتي ...
"قدر الله أن يأخذها لعنده" هكذا نبهني الوالد طيب الله ثراه  ...
نزلت على أمر الله وحكمه الذي لا أملك رده ولا أعرف وجه الحيلة فيه.!
خبر الوفاة كان النواة الأولى لما صب على رأسي  من صهريج هائل من الأسرار المجهولة  والأسئلة الكبيرة
أين   الله ؟! لماذا فعل هذا؟
لماذا خلقنا؟! لماذا لا أحد يستطيع أن يوقف الموت ؟!
ولأنني ساذج  كنت ثائراً على كل ما حولي، وفي كل يوم تتجدد هجمات  الاستفسارات على والدي رحمه الله ومع  كل استفسار يجمد كل شعور..


 ٢ 
ولدت في منطقة الجسر الأبيض حي دمشقي عريق سكنه الكثير من الصالحين الوافدين إلى دمشق وقد اعتادوا على القبول بالمتوارث دون السؤال عن أحقيته...
ثم إن محنة وفاة والدتي رافقتها خراب البلاد والعباد على يد حافظ أسد الذي كان عنوان العبث وفقدان الشرف، والخداع والكذب، والشك بالايمان ومنع البحث..!!  
إنني ساذج وشرس أيضاً ومتعب لوالدي يرحمه الله ...
لم أقتنع أن مشاهدة الله  تتمثل بكرم الشفاه التي تهمهم بذكره، ولا بتلك الأنامل التي تسبح بحمده ...
سلوا من غابت عنه أمه كيف سيكون ؟!
  زلزلة  ألتاث عقلي بعدها فلا أنا عاقل ولا أنا مجنون، وبدأالتعجب، وكان علامة يقظة العقل الروح...
فقدت والدتي وها أنا أرقد في الفراش من دون حضنها، لا أنعم بلذة الشعور، والانتماء الى الحنان والطمأنينة ...
بين اليقظة والمنام كانت ذكرى والدتي لا تنفك عن توضيح الصورة لي أكثر وأكثر!!!
" الله قادر ولا عَبث معه" قالها لي بابا!!!
واحد إثنان ثلاثة ...
(هوبه)
طيب بابا كيف غلب حافظ الأسد الأخوان المسلمين؟!
هكذا رشقت والدي بسؤال قفز والدي فوقه، ورد علي: "هذا العالم يحكمه رب محاط بملائكة وقدرة وحكم نافذ لا يرد" !!
شعرت أن حواسي الصغيرة ومداركي الأصغر، بليدة الحس  ضيقة الأفق....
ومع هذا كان والدي يضع يده على فمي مخافة أن يخرج أمر نفسي من يدي فأصرخ: ياناس بابا يقول لي الله موجود وحافظ أسد قتل ورمل أهل مدينة حماه..!!
حاول بابا رحمه الله أن يُبين لي أن الحقيقة يعبث بها المستبدون، وان العقول تفخخ وتستنزف بالحروف الكاذبة وأن الله لا يتدخل في مصائر الناس إذا هم لم يصنعوها!!!
لكني لم أفهم في ذلك الوقت مبتغاه...
عدا والدي كان كل من حولي يتحدث عن الله بطريقة مملة سقيمة، وبفضل التلقين غالباً في المدرسة و في المسجد، وجدت نفسي أدفع نحو رفض هذه الرتابة، والبحث عن الله بعيداً عن القادر الذي يصيب القلوب بألم ...
وسط الحزن والحيرة طلبت من أبي أن اتعلَّم الدين، -لم يتردد والدي بعد أن دفع بي إلى أختي الكبرى  كي تتعهد بتربيتي، بعد وفاة أمي - أن يستجيب إلى مطلبي فساقني إلى شيخ لم أستطع أن أطيل المكوث بين يديه، لأغادر إلى مسجد آخر؛ وبدأ عقلي يمور، والشيخ ينور نفسي، وصهري يطلب مني أن أعمل كي أثبت رجولتي ووالدي يبارك ذلك ...
إن الإيمان فكرة وتصديق وإذا أردت أن تشاهد الله فأبذل عزمك، وإياك أن تكون شحيحاً أو ضعيف العزيمة وكن رجلاً تستحق أن تشاهد الله اذا كنت مؤمناً لا يشوب إيمانك رياء ولا دهان ولا يخالط بشاشة قلبك خداع ولا كذب ولا ريبة... هكذا علمني أحد تلامذة الشيخ جمال السيروان الذي غادر سورية فاراً بدينه من الأسد..!!


 ٣ 
نزلت الحياة وشاهدت الله سبحانه و تعالى  كما قال لي الشيخ إنه  (الرزاق) و( الجواد)...
"لا تخف ولا تقلق فقط اجتهد"؛ "الله  حتما سيكون معك لن يتركك وسيرزقك كما يرزق الطير تمضي خماصا وتعود بطانا لأنها مؤمنة متوكلة على خالقها"، ل"ا تثق بغير ربك وغير سعيك لنفسك وإلا فعكازة الآخرين سوف تسقطك وتدوسك الأقدام وتمضغك الأنياب" ...
شاهدت الله كيف يكون مع من يكون مع نفسه مجداً،  وأن من طال نومه انتكست رايته...
اختلفت مع صديق لي في المسجد...
فقال الشيخ لي  :" لابد أن يكون أحدكما خاطئاً"
برأت نفسي فوراً..!!
وشعرت أن "الغالب والمغلوب في الحياة قد يستويا" "وقد يتحول الغالب إلى المغلوب" "والضحية إلى قاتل" "وتزور الحقائق" ...
يقولون:  إن الولد سر أبيه، ويعنون بذلك أنه المرأة التي ترتسم فيها صورته، تداعى إلى فكري كلام والدي...
يا علاء  هناك جبابرة يدبرون المكيدة فيقتلون الضعيف، ويستعبدون الحر، ويستذلون الأعزاة ويسلبون كرامة البشر وحريتهم وإرادتهم...
هؤلاء الظلمة إن فشلنا في مقاومتهم، فالله لن يضيع حق المظلومين فهناك يوم قادم ( القيامة)  ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره...
شاهدت الله كيف يمنح فرصة الحياة للجميع وحق الاختيار للجميع  وكيف يهمس في أذني عن ذلك اليوم الذي يقول  الكافر فيه (  ياليتني كنت تراباً)، الفأر أسعد حظاً منه، لقد كان الكافر رجلاً او امرأة سترا الحق واخفياه، وظلما من حولهما  وسارا في الحياة بجهل موضوع وفشل مصنوع وكراهية للخير مؤكدة ودعوات للشر مزينة..!!
شاهدت الله. عادلاً ونحن ظلمة..!!
قال لي والدي :
"لا أحب أن أكل الجبنة"، اسمها يبعث فيني الخور!!!
"ولا البطاطا" إنها كبيرة الحجم وتصيب بالترهّل وبلا فائدة!!!
لقد قتل ورحل حافظ أسد آخر الرجال المحترمين
لماذا نشرعن الباطل؟ كيف نقول :
(سلام مع تحية لرئيس الجمهورية) في المساجد ؛ ثم نسال الله أن يخلصنا من هذا الطاغية بعد أن شرعنا وجوده الحرام ولماذا نحمل الله فشلنا ؟!
وأدركت أيضاً أن الفاشل يعزو فشله إلى مجهول بعد أن خاف من مواجهة الواقع المعلوم فينسب كل تخلف الى الله، مع أن الله رهن كل نفس بما كسبت وأوكل العمل الى الناس والحساب عليه فكيف تسأله أن يجزل  الثواب لك وانت القاعد..!!
ترنحت تحت هذه المعاني، وبدأت الحيرة تتبخر، ومع أن والدي كانت اللغة العامية خبزه اليومي إلا أن إشاراته كانت ابلغ من الفصحى ..


 ٤ 
أسعد الساعاتي ...
قدس الله سره ...
شاب منفتح ومتكلم،
المكان:  دمشق  ساحة القصور سوق الخضار... 
سألته لماذا رجال الدين هكذا ...
رد بثقة  : إنه اختبار لك يا علاء،  كي تفرق بين الأصلي وبين التقليد..!!
هناك أناس كالكتاب الأسود كلهم سقطات وان كان ظاهر صفحاتهم بيضاء، وتحت لحاهم شياطين ترقص، ومن بين كلماتهم تتبدى نفوس مريضة لم تنفذ اليها أشعة التدين لقد امتهنوا الدين وجعلوا لسانا يلعق أحذية السلاطين لا تلم الدين يا علاء ولم عقلك اذا صدقهم... 
إياك أن تنسى ان هذا الكون خلقه الله وأرسل اناساً ليكونوا أساساً في البناء لكون جميل ولكن الناس تخون كلماتهم الطيبة،  ابراهيم كادوا يحرقونه، ونوح عذبوه، وموسى رحلوه، وعيسى آذوه ومحمد شردوه...
صلوات ربي وسلاماته عليه...
إذا أردت أن تشاهد الله ففرق بين الدين وبين التدين، ادع الله أن يزيل عن عينيك الغشاوة فتبصر الحق وتدرك الحقيقة، اسكب الدمع وكن صاحب قلب واجم ولسوف تدرك حقيقة أن الله معك في كل خطواتك ...
الدين ليس حرفة وليس دكانا وإذا صار مهنة فقد بات جثة هامدة وليس ديناً حيّاً!!!
لماذا خلقتني يا رب ؟
لو أن غريباً وفد إلى قرية هل الاسهل أن يعتمد على نفسه أم ان يسترشد بمختار القرية ؟!
أجبته: الأسهل أن يسأل .
أسعد رحمه الله :
طيب،  خلقك الله لأنه يحبك لا ليعذبك، ضيق دائرة المحرمات ووسع دائرة المباحات، وطلب منك ان تحافظ على إنسانيتك، وجعل الكون كله خادماً لك، والدين جاء ليرفع عنك القيود والاوهام انه خادم لك يريد بك اليسر ولا يريد لك العسر...
قل لي يا علاء هل اذا ضربت صديقك من العدل الا يحاسبك المعلم على فعلتك، هل الله يجبرك على ضرب صديقك ام انت من اختار ذلك، وهل اذا حاسبك الله اعلى فعلتك  يكون قد ظلمك؟!
قالها سعد  يرحمه الله تعالى، كي  أهب من سباتي، وينحني رأسي، أمام جمال الله وحبه ...
بت على  ثقة وادراك أني ولمجرد دقيقة  سأجن إن لم أكن على يقين بوجود ربي، انا بلا رب أنا ضائع ... انا بإحساس مبهم، لا اثق بنفسي، ولا اثق بمن حولي إنسانيتي لا تكفي فهي متقلبة مع مصالحي، خلقني الله كي استمتع بهذه الحياة وأدرك سر النفخة الاولى أنا من روحه وعلي ان امتحن قدراتي بين الوثوق والشك...
ومن غير الإيمان فلسوف يسود قانون لا يرحم قانون الافتراس صراع بلا حد وعد بين الضعيف والقوي إما قاتل وإما مقتول..!!!
في سري في جهري غير جلالك لا أدري...
ماذا نفعت بشار الكرافة الحمراء، وادعاء العلم والثقافة بعد ان فقد الإيمان ...
إنه مثل ابيه قاتل ابن قاتل ...
إننا نفقد بتجاوز السنوات إحساساً غريباً هو لذيذ ومخيف في آن واحد، بأن وراء ما يحصل في سوريا ترتيباً جديداً يرسمه  القدر ويخفى على كثير من البشر، يخاطبنا الله  أحيانا صراحة ورمزاً أحياناً  إنها خسارة واضحة  إذا لم نكن على مستوى الحدث، نهبط من راحة  التامل والشهود الى مألوفات سابقة تافهة فقدناها، كانت تنويعات وتموضعات  توافقنا عليها دون أن نحس بعيبها، اصطلحنا عليها وقلما نناقشها...
لقد شرعنا الفساد وما أصابتكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ...


 ٥ 
معاذ الخطيب...
مثالي واقعي رقيق العواطف اصيل المواقف، يجمع بين العلم والرجولة والشجاعة الأدبية صار نجم خطباء مدينتي الغالية دمشق ...
منذ ان تعرفت عليه صدقه عقلي قبل ان يحبه قلبي ...
جاء المساء وشعشت الأنوار الكهربائية، ولاح الفجر، وأنا أتأمل في كلام استاذي أحمد معاذ الخطيب رجل استعصى على السلطة فرفض ان يطوع أو يضارع المشهد، وأيقظ نغمة الفرح في داخلي أتريد مشاهدة الله يا علاء ...
آمن بأن الاسلام اكبر من أي راية رفعت باسمه، المعرفة سطوتها تتكلم فتجعل الجهل يتراجع ويتألم تعلم يا علاء اقرأ واقرا واقرا وإياك ان تسجن عقلك ولا تكن قصبة تدوسها الأقدام...
معاذ الخطيب مهندس الكلمة  المتدينة العاقلة، لسوف تشاهد الله بعيدا عن الخوف والتشاؤم وأنت تفكر في المستقبل لا تحبس نفسك في الماضي ...
إياك أن تتجمد أو تتحنط ...
الخبز الطازج  إذا أصبح بائتاً شتان بين الطعمين!!!
ان الرجل وما زال كزهرة نبتت في ظل الصخور المتعالية لسوف يترك الناس تلك الصخور وتظل الزهرة هي محط الأنظار فقط لأنه شاهد الله...
وعلمني أن الله موجود في عينك المغمورة بالدموع لمأساة طفل، وفي  روحك التي تخفق لكل ظلم، وفي كلمة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

علِّق