عدد القراءات: 12738

عندما تختل أدوات القياس... فتسقط المفاهيم

 

يبدو أن الكلام الأخير المنسوب لحسام عيلوش رئيس مجلس إدارة المجلس السوري الأميركي، والذي يعتقد فيه أن هجرة الدواعش إلى سوريا مثلها مثل هجرة أطفال اليهود الأميركيين إلى إسرائيل، تعطي شرعية مزعومة لهجرة الشيعة أيضا إلى هذه الأرض السورية "المقدسة" لأن عقلية المناكفة والتبرير وخلق الذرائع لا حدود لها، وتفتح الباب أمام الجزائر بالمطالبة بحماية قبر الأمير عبد القادر الجزائري وما تبقى من منزله بالقرب من دمشق.
لعله خلل بنيوي  يصعب إصلاحه يعتري أدوات القياس والمعايير لدى المؤدلجين من كل الاتجاهات وعلى رأسهم بعض ممثلي التنظيمات والجماعات الإسلامية التي ما انفكت تحاول استعارة مكياجات على هيئة شعارات مدنية لتسوق لنفسها أمام الداعمين، ولكن هذا الخلل يفضحها ويمنعها من تمثيل الدور الذي لا يمكن أن يتطابق مع شخصيتها، هذا للأسف ساعد في مضاعفة عدد الأعداء وحجم الصعوبات في الوصول إلى تحقيق أهدافنا في دعم الثورة السورية والتسويق لقيمنا الثورية والتي لابد وأن تغرف من قيمنا الحضارية والأخلاقية كسوريين.
هذه المقارنة بين هجرة أطفال اليهود إلى إسرائيل و هجرة الدواعش إلى سوريا محملة بخطاب "مناكفة" لا يمكن أن يكلل بالنجاح أي محاولة للتسويق لقضيتنا لجذب التعاطف معها من قبل رئيس مجلس إدارة مجلس سوري أميركي يقيم علاقات مع معهد واشنطن المؤسس من قبل إيباك؟
المناكفة على الأقل تكون مع عدوك المباشر و ليس مع من تتوسل دعمهم لمناصرة قضاياناK وهذه بديهية في أي عمل سياسي.
بالطبع لن أناقش إسرائيل و"دعشنتها" على مدى عقود في المنطقة، ولن أقارن بين ظروف المعتقل الفلسطيني والمعتقل السوري في سجون الأسد، لكن الأجدى بممثل لمثل هذه المؤسسة أن يذكر حكومته الأميركية وحكومات الغرب أن مواطنين غربيين من الولايات المتحدة وأوربا هم من يهاجر,k إلى "دولة الإسلام" وهم من يقوم بذبح السوريين والعراقيين، والأجدى تحميلهم مسؤولياتهم لمثل هذه الحقائق، وليس الذهاب بعيداً في خطاب المناكفة الذي لن يجلب إلا المزيد من المناكفة المقابلة..
على الأقل عليه التذكير بما قاله الصحفي الفرنسي "نيكولا هينان" والذي اختطف لدى داعش  " إن سوريا و العراق بلدان حضارية، و قدم هذان البلدان الحضارة للعالم، إن أغلب الدواعش هم مواطنون غربيون".

ليس بعيداً كثيراً عن هواء واشنطن على المحيط الهادي يطل علينا زهير سالم أحد الوجوه المتميزة لدى جماعة الأخوان المسلمين والمقيم في بريطانيا، والذي يعيش بالطبع على حساب دافعي الضرائب البريطانيين حاله كحال أغلب اللاجئين السوريين و غير السوريين،  يجري زهير سالم مقاربات غير موضوعية و غير علمية عن الجزية والضريبة وعن الأكثرية والأقلية وعن ماهية حقوق المسيحيين، دون أن يتجاهل تطعيم كلامه بمصطلحات مثل "دولة مدنية" ليبدو لوهلة وكما أنه "عراب" الفهم الحداثي للدولة المدنية، دون أن يعطي تفسيرات علمية وعملية لهذه الدولة، خاصة وأن طرح الدولة المدنية يتنافى مع طبيعة الأحزاب الدينية.
ينطلق زهير سالم والجماعة التي ينتمي لها من قاعدة أساسية وفهم أساسي، وهي أن السنة أكثرية في سوريا، ولا يتردد في التعبير عن أن جماعة الأخوان تمثل صوتهم في سوريا، وبناء على هذا القياس فإن كتلة السنة هي الأكثرية بمواجهة الأقليات، وهذا يعني أن زهير سالم لم يتأكد لديه بعد أن مفهوم الأمة السنيّة أو الأكثرية السنية في سوريا أو الدم السنّي واحد أو طبيعة الصراع الطائفي قد سقط،  هناك تجاهل لحقيقة أن جزءاً كبيرا من السنة الكورد لا يمكن أن يدخلوا في النسب التي يضعها في جدول حساباته، وهم غير معنيين بأهداف السنة السوريين و مواجعهم، كما أنه لابد من استثناء سنة دمشق و حلب، و هما الكتلتان الأساسيتان في سوريا، و هذا الاستتثناء الضروري لأنهما أقليات منفصلة و متقوقعة على ذاتها، و لا يمكن التعويل عليهما "كسُنّة" في حسابات الأخوان،  كما أن الانقسامات الإسلامية للأسف ملأت خريطة توزع القوى السنية بالدم ولا يخفى على أحد الانقسام الحاصل و المؤذي بالطبع.
أعتقد أن كتلة إضافية من السنة في سوريا لا تشاطر جماعة الأخوان المسلمين ذات التوجه، وأعتقد أيضا أن جزء واسعاً منهم ينتمون لأحزاب و تيارات مدنية و علمانية وهؤلاء لا يدخلون أيضا في حسابات الاخوان المسلمين لحجم السنّة الذين يحاولون إدعاء تمثيلهم ..
إن الإستقواء الحالي من قبل بعض السنة بمفهوم الأكثرية سوف ينعكس ضدهم لاحقا، ليس فقط أمام هذا التشتت "السني" و إنما أمام حقيقة أن الأكثريات و الأقليات ليست قيمة ثابتة بل متغيرة،  و إذا كان هناك الكثير من العبر في هذا الأمر فإن تجنيس الشيعة و هجرة المسيحيين و عمليات التطهير المزعومة في سوريا تؤكد حقيقة هذا التغير في حجم الأقليات و الأكثريات.
على السنة في إيران أن يحصلوا على حقوقهم الكاملة حتى ولو كانوا أقلية، و اعتبار الشيعة هم الأكثرية في إيران لا يعني أن تؤكل حقوق السنة فيها.
المعيار الأساسي للحق هو اعتبار الجميع مواطنين و كلهم بشراً، ولا يجوز التفريق بين مستحقي الحقوق على أساس الدين أو المذهب أو الجنس أو اللون أو غير ذلك، و ذلك بناء على بديهيات المجتمع المدني الذي يروج له زهير سالم و جماعته في رطانة مستمرة منذ بداية الثورة السورية..
لكن زهير سالم يرفض أن يكون رئيس سوريا المستقبلي مسيحياً، وحجته بالطبع أنه لا يمكن أن يكون هناك رئيس مسلم في أوربا، و هنا بالفعل يحتار المرء كيف يمكن أن يتعامل مع هذا النوع من أدوات القياس التي تتجاهل الحقائق رغم التمسك برطانة الدولة المدنية، فإذا كان المسلون في أوربا عبارة عن جاليات مهاجرة ولاجئة، فإن المواطنين السورين الذين يتبعون الدين المسيحي مواطنون أصلاء أباً عن جد، و لم يأتوا من خارج الأرض السورية أو من خارج جغرافيتها أو تاريخها كما هي حالة (السنّي المهاجرالمجاهد).
إن الضريبة الملزم كل مواطن أوربي بدفعها،  لا تكون على أساس الدين أو المذهب و بالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنتها بالجزية التي تفرضها داعش ومثيلاتها على مواطنين سوريين يدينون بالمسيحية، خاصة و أن الجزية تطبق في ظروف الإذعان و الانتصار كما يخبرنا التاريخ و أحداثه، ولست هنا بصدد الدخول بجدل ديني لن يساعد في فهمنا للقضية بشكلها الواضح.
إن الحاجة الملحة لتكريس خطاب وطني سوري جامع ليست رفاهية بقدر ما هي أدوات وظيفية تساعدنا على تجاوز بحر الدماء الذي نغرق فيه، وللحفاظ على وطن اسمه سوريا، سوف يتحول بفعل هذا النوع من الخطاب والخطاب المضاد إلى كانتونات ودويلات متصارعة لأسباب تافهة سوف ننساها لاحقا، وإذا كانت المعارضة فشلت في تمثيل ثورتنا وتحقيق حد أدنى من الانتصار الأخلاقي أمام جمهور المقهورين فعليها – المعارضة- وللمنضويين تحت مظلتها أو مظلة مؤسساتها الحزبية، أن يحترموا هذا الشعب وتضحياته وتاريخه وحضارته ونسيجه الاجتماعي وعمق معرفته بنفسه كي لا نزور هويتنا ولا نزور معرفتنا بذاتنا، وبمعنى آخر نرجو بالفعل أن يكون هناك حد من الاحترام لعقولنا، و أن يكون هناك حد معقول للطروحات و أدوات القياس ليؤكد على أننا شعب له عمقه الحضاري و إرثه المعرفي  لكن لديه مشكلة مع نظام بربري.
لدي تساؤل أخير:
الكثير من الإسلاميين تحديداً ممن يعيش في الغرب يبدو أنهم لا يطلعوا على تجربة الغرب، فهل إلى هذه الدرجة هم متقوقعون على ذواتهم؟
أخشى أن أتهم بأني من المعجبين بالغرب من خلال هذا التساؤل.. بالتأكيد أنا معجب بانتصارتهم الحضارية و بتجربة الدولة لديهم، أما فشلهم الأخلاقي خصوصاً فيما يتعلق بدمنا السوري فنناقشه بعيداً عن المناكفات و الاتهامات.. و بعيداً عن أدوات القياس المضروبة و المشوهة ..


 

علِّق