Your rating: لا يوجد (1 vote)
عدد القراءات: 14002

عمليات إعادة بناء شحيحة في مدينة وضعت الحرب فيها أوزارها

الكاتب الأصلي: 
ALICE FORDHAM
تاريخ النشر: 
13 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

تتجول المهندسة مروة الصابوني في مدينة حمص القديمة والتي كانت إحدى المدن التي بدأت الثورة السورية فيها عام 2011، فقد سيطرت المعارضة السورية على معظم أجزاء المدينة، لكن قوات الرئيس الأسد استعادت السيطرة عليها عام 2014.

كانت فرحة المهندسة مروة الصابوني وهي تتجول في حمص القديمة، غامرة ومعدية للجميع، فقد تجولنا في المنطقة التاريخية في مدينة حمص، قلب المدن السورية الواقعة إلى الشمال من دمشق، والتي كانت معقلاً للثوار، ومحاصرة من قبل قوات الحكومة السورية لمدة عامين.

بدايةً كل ما رأيناه هو الدمار، فبعض الأبنية مدمرة واجهاتها الخارجية بسبب الضربات الجوية، وبعضها الآخر امتلأت بالثقوب الناجمة عن القذائف، وأغلب الأبنية مليئة بثقوب طلقات الرصاص. لكن المهندسة الشابة صغيرة القامة والممتلئة حيوية ترى ما وراء تدهور الحرب السورية وتشير إلى طبقات الماضي في هذه الحجارة القديمة.

توقفنا عند أكبر مساجد المنطقة والمعروف باسم مسجد نوري، تقول مروة مشيرةً إلى الهيكل الوثني الذي كان موجوداً هنا: "كان في الأصل معبداً للشمس، ثم كنيسةً، ثم بيع نصفه للمسلمين ليتقاسم المسجد والكنسية بناءً واحدا". وتشير إلى الأعمدة الرومانية التي استخدمت في بناء المسجد، مضيفةً: "هذا هو الشيء المدهش في فن العمارة القديم، فلم يلغِ أحدهم الآخر، وهذا الانسجام الذي تم بناؤه وعايشه السكان هنا".

استخدم الثوار هذا الحمام الذي يعود للعهد العثماني والمبني جزئياً من الصخور البازلتية المتينة كمخبأ لهم، مثل العديد من المباني القديمة في حمص القديمة.

كانت مروة تدعوني للاستعجال بينما كنا نتجول في شوارع المدينة بفوضى ودون ترتيب، فتجاوزنا الكنائس لنصل إلى الحمام العثماني الجميل الذي يأسر الألباب، حيث تنساب أشعة الشمس من نوافذه الصغيرة المزخرفة بإتقان لتخترق بقع الضوء الظلام الذي يكتسي الجدران، وتشير مروة إلى أشجار الليمون والبرتقال متجاهلةً أكوام الحطام والأنقاض التي تملأ المكان.

وتعتبر مروة هذا الجزء القديم من حمص والذي احتضن بين جنباته يوما ما، الغني والفقير، المسلم والمسيحي، الأشجار والساحات، تعتبره تجسيداً معمارياً للسلام والتعايش في المدينة. "كل شيء درس بعناية فائقة بطريقة تمنح الهدوء لعينيك ولعقلك ومنهما لروحك"، أضافت مروة ذلك في مكتبة  اللغة الانكليزية الصغيرة التي تديرها، وبالرغم من أنها كانت أبعد ما يكون عن الهدوء في السنوات الست الماضية.

أطلق يوماً ما على مدينة حمص لقب قلب الثورة السورية، فقد عمت الاحتجاجات المطالبة بإسقاط الحكم الاستبدادي للرئيس بشار الأسد عام 2011 ، وغصت الشوارع الرئيسية والساحات بالمحتجين، وأعقب ذلك حملة حكومية لفرض النظام، وخرج المحتجون يحملون السلاح، تلا ذلك أحداثاً من أسوأ أعمال العنف التي شهدتها الثورة السورية.

سيطر الثوار على جزء كبير من حمص، واتخذوا من المدينة القديمة معقلاً جزئياً لهم، كون أبنيتها القديمة مبنية من حجارة البازلت، التي تحملًت هجمات قوات الأسد أفضل بكثير من الأبنية الإسمنتية الحديثة. انتهت معظم العمليات القتالية عام 2014، حيث هزمت القوات الحكومية وحلفاؤها الثوار لتنتهي الأمور بالتفاوض من أجل الاستسلام، لكن المدينة ستدفع الثمن لعدة أجيال قادمة، ستون بالمئة منها ما يزال غير مأهول بالسكان. وبصرف النظر عن أعداد القتلى والجرحى، فالناس يتحدثون عن الفجوة في العلاقات غير القابلة للردم بعد أن اختار الناس هذا الطرف أو ذاك.

 

صورة للرئيس الأسد معلّقة في حمص كتب عليها "سوا" Alice Fordham/NPR

وبالنسبة لمروة، يكمن جزء من الإجابة  لسؤال "لماذا اندلعت الحرب هنا؟" بالطريقة التي نمت بها المدينة في القرن الماضي، وهو سؤال تناولته في كتابها "المعركة من أجل الوطن" الذي صدر عام 2016، وقصة تطور المدينة قصةٌ طويلة، تبدأ من التطور الصناعي الذي شهده القرن العشرين. وتقول الصابوني: "قصد المزيد من الناس المدينة، منهم القوى العاملة كما سمّوا، وتغيرت وظائفهم من فلاحين لمزارعين". ولم يقطنوا في المدينة القديمة، حيث عاش الأغنياء والفقراء بجوار بعضهم البعض، بل في أطراف المدينة في الأحياء الفقيرة سيئة التخطيط.  "وتضخمت الأحياء الفقيرة إلى الحد الذي نراه الآن، حيث أحاطت بالمدن ، ووصلت نسبة السكان فيها إلى 40% قبل الحرب" أضافت الصابوني. وحدث شيء مشابه في العاصمة دمشق، وبعض المدن السورية الأخرى. وتقول الصابوني السبب في ذلك هو انتقال سكان الريف وأصدقائهم وعائلاتهم من قراهم القديمة إلى المدن. وانقسمت الأحياء الفقيرة ليس فقط أحياء للأغنياء وأخرى للفقراء، بل حسب الأصل الجغرافي والدين، وأصبحت المدن بحكم المعزولة.

يمكنك أن تعتبر كل ذلك عوامل ساهمت بتغذية الطائفية التي غطّت الحرب السورية، وادعت أن ذلك كان خسارة بسيطة للترابط الاجتماعي الذي تسبب باضطرابات تطورت إلى أحداث عنف. كما قالت: "عندما نملك علاقة قوية ومتماسكة بين أفراد المجتمع، عندما يكون لدينا شيء للحفاظ عليه، شيء لنهتم به، شيء نحرص على أن لا نفقده، سيجد الناس طرقًا عدة للتعبير، طرقاً كثيرة لحل مشاكلهم".

ولمعرفة المزيد بهذا الشأن، انتقلت إلى عبد الله الدردري نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية والمسؤول عن وضع السياسات الاقتصادية لنظام الأسد قبل الثورة، ويعمل الدردري حالياً مع لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا ومقرها بيروت.

أشار الدردري إلى أن التقدم الصناعي والتحضر لم يكونا مشكلتي سورية الوحيدتين بل يعترف قائلاً: "إن الطرق التي أدرناهما بها والخطط التي وضعناها للمدن ومراكز المدن لم تكن بالكفاءة المطلوبة."

 

انتهى القتال عموما في حمص عام 2014 حيث هزمت القوات الحكومية  وحلفاؤها الثوار وأجبرتهم على الاستسلام، والآن يعمل برنامج الأمم المتحدة للتنمية على إعادة تأهيل المدينة القديمة. هنا رجال يعملون في السوق القديم.

وعند وصول الدردري للسؤال الحاسم المتعلق بمستقبل سوريا الآن ألا وهو، لنفترض أن الأسد ربح الحرب وكانت له اليد العليا في سورية، هل تستطيع أو هل ستعيد الدولة السورية بناء علاقاتها مع الناس في المناطق السورية الثائرة مثل حمص؟ أجاب بأن ذلك يتوقف على إعادة الإعمار الشاملة ونشر الديمقراطية، وأضاف الدردري: "تحدثنا عن الحاجة لانتخابات جيدة جداً، والأهم من ذلك عودة الشعور بالأمن والأمان والعدالة والإنصاف في برنامج إعادة الإعمار هذا"، وأضاف: "أريد أن أشعر بأني على قدم المساواة مع الجميع."  وبعد عامين من توقف القتال في حمص، هل إعادة الإعمار تحدث بطريقة شاملة؟

يعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي جاهداً في المدينة القديمة، ويدير المشروع غسان جنسيز، زوج المهندسة مروة الصابوني، والهدف الأولي من المشروع هو إعادة تأهيل السوق القديم في المدينة، ليتمكن الناس من إعادة فتح محلاتهم التجارية وبذلك يؤمنون سبل كسب معيشتهم. وهنالك أناس قد عادوا لمحلاتهم ومنازلهم بالرغم من أن المكان يبدو قليل الكثافة السكانية. وباستثناء العمل في المسجد التاريخي في حي الخالدية المجاور الذي كان خاضعاً لسيطرة الثوار فيما مضى،  لم توضع لبنةٌ واحدة بعد، ولم يسمح لأحد بالعودة، فالدمار هو كل ما تستطيع عيناك رؤيته، هناك عمارة بعد الأخرى، والوضع مشابه في مناطق الثوار الأخرى.

عامل مع برنامج الأمم المتحدة لإعادة تأهيل مدينة حمص يسد الثقوب في الأبنية كبداية لإعادة إعمار المدينة التي شهدت القليل جداً من نشاطات إعادة الإعمار Alice Fordham/NPR

لم يقم أحد من المسؤولين في حمص بإجراء مقابلة معنا، لكن السكان سعداء جداً بالحديث إلينا، ويبدو أنهم غير متأكدين من خطط المصالحة الرسمية وإعادة الإعمار. وتقول رشا المصطفى حديثة التخرج التي تعمل في صيدلية: "بالطبع حمص ليست المدينة التي عهدناها، لكن الحمدلله هنالك عمليات إعادة إعمار للسوق القديم." لكن يجب أن تكون عمليات إعادة الإعمار أكثر من ذلك بكثير، يجب أن تشمل المدارس والمشافي والمنازل. "لن يحدث ذلك في المدى القريب، فالدمار في حمص كبير" تضيف رشا.

علِّق