No votes yet
عدد القراءات: 11050

عقيدة أوباما.. فلترقد بسلام

الكاتب الأصلي: 
Jeffrey Goldberg
تاريخ النشر: 
9 نيسان (أبريل), 2017
اللغة الأصلية: 

الصورة: الرئيس أوباما يدلي بتصريح بعد لقاء مع مجلس الامن القومي في وزارة الخارجية في واشنطن 25/2/2016.

 

في ظل الضغوط للرد على استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية، توصّل ترامب إلى قواعد اللعبة ذاتها التي قاومها سلفه أوباما

 

لقد كان مبدأ الرئيس أوباما في السياسة الخارجية، كغيره من مبادئ السياسة الخارجية المتعددة، متناقضاً في بعض الأوقات، ومفتقراً إلى التناسق في أخرى. وقد قاوم أوباما بنفسه رغبة الآخرين في وضع مختلف آرائه في السياسة الخارجية والأمن القومي في مذهب شامل يمتد على نطاق العالم. إلا أن أوباما يمتلك عدداً من الميول السياسية المتطورة وقد أظهر مع مرور الوقت وتحت الضغوط إخلاصاً غير عادي لبعض هذه الآراء.

وتذهب بعض هذه الآراء إلى القول  بأن الولايات المتحدة قد أولت الكثير من الاهتمام إلى منطقة الشرق الأوسط، وأنه حتى الاهتمام الأمريكي المركز، على كل حال، قد لا يجعل من المنطقة مكاناً أفضل، بل إنه قد يزيد الوضع فيها سوءاً. ومن بين وجهات النظر السياسية الأخرى البارزة والخاصة بأوباما، تلك التي تشير إلى أن الولايات المتحدة، في منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص، كانت سريعة للغاية في السعي إلى إيجاد حلول عسكرية لمشكلات لا تمثل مصالح الأمن القومي الأمريكي الأساسية من جهة، ولم يكن هناك احتمال في أن تتحسن عن طريق الضربات الصاروخية من جهة أخرى.

 

وقد ساهم هذان الرأيان، أكثر من غيرهما من الآراء الأخرى، بصناعة قرار أوباما عام 2013، الذي يقضي بالتراجع عن وعده في معاقبة نظام الرئيس السوري بشار الأسد لاستخدامه الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين.

ففي بداية الحرب الأهلية في سوريا، رسم أوباما علناً خطاً أحمر فيما يخص سلوك الأسد، إلا أنه قرر لاحقاً التخلي عن الضربات العسكرية، حتى بعد تقديم أدلة قاطعة على تجاوز الأسد الخط المذكور بطريقة غير طبيعية. وقد تعرّض أوباما للانتقاد إلى حدّ كبير في الداخل وفي الخارج، لا سيما من قبل قادة العديد من الدول الحليفة، نتيجة تفسير تصرفه على أنه ضعيف وواهن. لكن الرئيس أخبرني في وقت لاحق في إحدى المقابلات التي أجريتها معه لمقال عام 2016 يتحدث عن رؤيته للعالم، أخبرني أنه كان "فخوراً للغاية بهذه اللحظة".

 

وأوضح أوباما: "أخبرني حدسي أن مصداقيتي كانت على المحك، وأن مصداقية أمريكا كانت عرضة للخطر. وبالنسبة لي، كنت أعرف أن الضغط على زر التوقف المؤقت في تلك اللحظة سيكلفني الكثير سياسياً. وحقيقة أني كنت قادراً على الانسحاب من الضغوط المباشرة والتفكير بمصلحة أمريكا، ليس فيما يتعلق بسوريا وحسب، وإنما فيما يخص ديمقراطيتنا كان قراراً صعباً اتخذته، وأعتقد في نهاية المطاف أنه كان القرار الصائب".

 

وبيّن أوباما أنه من خلال مناقضته للحكمة التقليدية، كان يكسر القبضة المحكمة على صناع السياسة الأمريكيين لما أسماه ب"قواعد اللعبة في واشنطن"، الذي وصفه بهذه الطريقة: "إنه كتاب قواعد صادر عن مؤسسة السياسة الخارجية. ويصف هذا الكتاب ردود فعل على حوادث مختلفة، وتميل هذه الردود لأن تكون عسكرية. وعند تعرض أمريكا لتهديد مباشر، تعمل هذه القواعد، إلا أنها بحد ذاتها قد تكون فخاً يؤدي إلى اتخاذ قرارات سيئة. وفي خضمّ تحد دولي مثل سوريا، يُحكَم عليك بقسوة إن لم تتبع قواعد الكتاب، حتى وإن كانت هناك أسباب وجيهة تبرر عدم تطبيقك لها".

 

وفي الحديث عن تلاشي الخط الأحمر، ادّعى أوباما النصر المطلق في أجزاء كبيرة؛ ذلك أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عرض عليه مخرجاً مقابل التراجع عن توجيه ضربات لأهداف تابعة لنظام الأسد، فالروس سيعملون على إقناع السوريين بالتخلي عن مخزوناتهم من الأسلحة الكيماوية. وسيتم بعد ذلك شحن مخزونات ضخمة من المواد الكيماوية خارج سوريا ليتم تدميرها.  كما شرح أوباما الحكمة من نهجه بالإشارة إلى أن الرئيس جورج بوش خاض حرباً في العراق لإبطال مفعول أسلحة الدمار الشامل التي لم تكن موجودة أثناء غزو العراق عام 2003؛ أما أوباما من الجهة الأخرى، تجنّب حرباً في سوريا واستطاع بطريقة ما أن يُبطل مفعول المخزونات الكيماوية.

 

وقد أثبتت أحداث الأسبوع الماضي، والتي بلغت ذروتها في قرار خَلَف الرئيس أوباما بشن ضربة عقابية على قاعدة جوية سورية كرد على استخدام الأسد المتواصل للأسلحة الكيماوية ضد المدنيين، أثبت عدداً من النقاط؛ بعضها يعكس وجهة نظر أوباما، والبعض الآخر لا. وأول تلك النقاط هي أن الصفقة التي أُبرمت بين أوباما وبوتين لنزع الأسلحة الكيماوية من الأسد صفقة فاشلة، إلا أنها لم تكن فاشلةً كلياً؛ ذلك أنه تمت إزالة المخزونات الكيماوية بالفعل لكن الأسد احتفظ بما يكفي من تلك الأسلحة ما يسمح له بالاستمرار في قتل المدنيين بغاز السارين. والنظرية القائلة بأن أوباما قد أنجز عملية نزع أسلحة دمار شامل دون الخوض في حرب، لم تعد فاعلة كما يقولون في واشنطن.

 

الرئيس أوباما أخفق في إقناع واشنطن بالتخلي عن قواعد اللعبة بصورة دائمة.

وقد أثبتت أحداث الأسبوع الماضي أيضاً أن أحد مبادئ مذهب أوباما الأساسية قد انتهى. وفي طبيعة الحال، ليس من السهولة تمييز مبدأ الرئيس ترامب في السياسة الخارجية؛ فتصريحاته الأخيرة حول سوريا، المتعددة والمتنوعة، بالإضافة إلى قراره بالترتيب للهجوم، قد أقنعني نوعاً ما بأن مبدأه فريد من نوعه في تاريخ الرئاسة؛ وهو مبدأ تدخلي انعزالي.

لكن الأمر الذي لا يعد جديداً كلياً بالنسبة لترامب هو أنه، إلى جانب كبار مستشاريه، مع تعرضهم للضغوط من أجل الرد على استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية، قد اضطروا إلى اتباع كتاب القواعد ذاته الذي قاوم أوباما فتحه. وهذا القرار يعيد الولايات المتحدة إلى قاعدة تاريخية، وبعبارة أخرى، لقد أخفق الرئيس أوباما في إقناع واشنطن بالتخلي بصورة دائمة عن كتاب قواعد اللعبة ذاك.

 

لكن الآن، ومع عودة ذلك الكتاب للاستخدام، يجدر بنا النظر هنا إلى السبب في تردد أوباما في مواجهة سوريا، ورعاتها في موسكو وطهران، عسكرياً. فقد كان أوباما يخشى عام 2013، ولم يكن ذلك اعتباطياً، من عواقب متتابعة لأية ضربة أمريكية صاروخية ضد النظام. وحتى قبل أن يصبح رئيساً، كان أوباما قلقاً كثيراً من المنحدرات الزلقة في الشرق الأوسط. أما في سوريا، فكان يدرك أن الأسد سينجو على الأرجح من ضربة صاروخية أمريكية على قواعده الجوية؛ ذلك أن الأسد، كما اعتقد أوباما، سيظهر من مخبأه بعد يوم من توقف الضربة ويعلن نصره بأن أعظم قوة في العالم حاولت تدميره، لكنها فشلت.  كما كان أوباما على دراية تامة بأن ضربة لمرة واحدة، أي ضربة نظرية وصفها وزير خارجيته جون كيري على أنها "صغيرة على نحو لا يصدق" ، قد تحدث أثراً، إلا أنه كان مدركاً كذلك أن ضربة محدودة كهذه قد تكون غير فعالة كلياً، بل وقد تؤدي إلى نتائج عكسية. لكن الأسد وحلفاءه، بالنظر إلى معرفتهم بأن رغبة الأمريكيين كشعب في حرب أخرى في الشرق الأوسط محدودة، كان من الممكن أن يحاولوا استفزاز أوباما باتجاه التصعيد. وإن حرباً شاملة ضد النظام السوري، كانت لتكون، من عدة نواح، عراقاً لأوباما، لكن أوباما لم يكن مهتماً بأن يكون لديه عراق جديد.

 

والغريب في الأمر هو أن دونالد ترامب ليس مهتماً أيضاً بأنه يكون له عراقاً، لكن ها هو ذا! فقد كان أوباما معروفاً بالتزام عقلي مفرط بفكرة الصبر الاستراتيجي، لكن يبدو أن ترامب أكثر التزاماً بسياسة عدم صبر فطرية غير استراتيجية. فقد كان محتملاً أن يصاب أوباما بشلل نتيجة رد فعل إرهابي على الخطر الذي يشكله المنحدر الزلق، بينما يجد دونالد ترامب نفسه اليوم يرقص على حافة المنحدر الزلق الذي تجنبه من سبقه بكل جدية.

 

--------------------

الكاتب:

جيفري غولدبرغ (Jeffrey Goldberg) : رئيس تحرير ذي أتلانتك ومؤلف Prisoners: A Story of Friendship and" Terror".

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2546670

مقالات المترجم