عدد القراءات: 6687

طموح الشباب السوري الواحد وإخراج الفكر السياسي الجديد

بعيداً عما لحق بالثورة السورية من أذى من خلال عسكرتها و فرض الحروب الطائفية عليها وإقحامها بتصفية حسابات دولية و الحرب على الارهاب، فهي كانت و مازالت ثورة الشعب السوري من أجل الكرامة و الحرية.
و بعيداً عن الصور النمطية التي توحي بالتشتت و الانقسام، فإن من يمعن النظر بمساحة المبررات الفكرية للثورة السورية يجدها تتسع على مستوى الانسان السوري لتطال مختلف الايديولوجيات الفكرية، و بشكل يتداخل بين عدة أجيال ويمتد لعدة عقود.

إن من أهم العوامل الحاضنة للثورة السورية هو التماهي بين الشريحة الوسطى التي تشكل غالبية الشعب السوري، و الشريحة الأكثر فقراً نتيجة الشعور بالمصير الاجتماعي و الاقتصادي الواحد المتردي الذي لوّح للجميع على يد النظام.
ليس ضرباً من المبالغة أو الخيال أن نبني على فكرة "شباب سوري واحد" فمن يعرف الشريحة الواسعة من الشباب السوري يدرك جيداً مدى تجانسهم الفكري المتجسد بالتفافهم حول مبدأ العدالة الاجتماعية و المساواة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية يلمس تماماً مدى طموحاتهم من خلال سعيهم الحثيث لتأسيس مشاريعهم و تنميتها كسمة عامة تتشارك فيها أطيافهم المختلفة.
فلا تجد عند الكثيرين منهم سقفاً لتطلعاتهم أسوة بغيرهم من الشباب في العالم ممن استطاعوا الوصول الى مستوى العولمة بانجازاتهم (كالشباب المؤسس لشركتي غوغل و فيسبوك العالميتين) . فقد جاء هذا النضج لدى الشريحة الواسعة من الشباب السوري في العقدين الأخيرين، ضمن إطار تأقلمه و تجاوبه مع ايجابيات عصر الاتصالات و المعلوماتية الذي تعامل معه بحرفية و استقبله بكل رحابة صدر. مدركاً تماماً حجم التحديات و الصعوبات التي أمامه لمواجهة السلبيات التي تطرحها نماذج الانفتاح و العولمة. بالإضافة الى عمق تجاربه بعد الثورة في شق سبل الحياة  في دول وقارات العالم مما أضاف على وعيه و انفتاحه وتنوع أفكاره و خبراته في المحصلة.


- فهل ستتجاوب التيارات السياسية التي تتبلور اليوم في ظل ثورة الحرية مع متطلبات الشباب وتطلعاتهم؟

- و هل ستعمل على جذب طاقاتهم ولمّ شملهم والاستفادة من كفاءاتهم العالية، وإعطائهم الفرصة الحقيقة في مرحلة البناء القادمة لا محال؟.
- أم سيسمح بتكرار التجارب المريرة التي أثبتت فشلها في سوريا كما في العالم و التي لم ننتهي بعد من مآسيها؟
لا شك أن الانغام التي عزفها البعث لعقود على أوتار الكادحين ضد الاقطاعية و البرجوازية أصبحت مطوية ضمن اسطوانة قديمة كان لها زمانها و أزلامها و ثار الشعب اليوم على نشازها و فشلها و ظلمها و لكن رغم ذلك هنالك من يعمل متعمدا او مازال متأثرا على إعادة توزيع ألحانها و فرض إيقاعها على الساحة السورية.
فنظرا لاتساع شريحة من نالهم ظلما مضاعفا في ظل النظام متغولا " باسم الكادحين" على مصالحهم، و بالإضافة لأهمية استقطاب الجيلين؛ (القديم والحديث) من رؤوس الأموال المهاجرة، وتسخيرها في مرحلة البناء المقبلة، و في جميع الأحوال لا ينبغي تناول الأيديولوجيا الاقتصادية للثورة السورية على أساس التمايز و الصراع الطبقي فهذا يلصق بالثورة مصطلحا إضافيا بعيدا عنها و هى بغنى عنه.


- فهل سيقبل الشباب السوري اليوم بتيارات تعرض عليه شراء معاناته و و تبيعه أوهام؟!
- أم سيحمل بنفسه مسؤولية تحرير الاقتصاد و المجتمع متجها بفكره نحو كيفية التأقلم ضمن "القرية الكونية" التي مازالت معالمها في طور التبلور والبناء في ظل النظام العالمي الجديد الذي يفرض نفسه بقوة على مجريات السياسة الدولية؟
علما بان جميع التغيرات في ظل ما يدعى "بالفوضى الخلاقة" تعكس مدى الصراع حول الثروات المادية بالإضافة لعمق "الصراع الخفي" حول رأس المال البشري الذي يتم تكريسه من خلال هجرة الأدمغة و الكفاءات الشابة التي تتنافس عليها قوى جديدة تتمثل في بعض الدول والشركات متعددة الجنسيات، والحركات الأيديولوجيّة، ومجموعات الجريمة والإرهاب العالمي تمهيدا للوصول "لنظام عالمي منتظر" لم تتضح معالمه و لم يتبلور بشكل كامل ليومنا هذا.

لا يكفي اليوم الاعتراف بأن الشريحة الشابة طموحة و لطموحها مبرراته الطبيعية بل ما يجب العمل عليه هو كسب و تمكين الشباب. فالمرحلة القادمة لا تراهن على إزالة الفساد و احلال العدالة الاجتماعية و المساواة فحسب وإنما يقع على عاتقها تبني طموح الجيل الجديد و إلغاء مصادرة الأفكار و الأدوار على مستوى الأجيال.
و كما لا يمكن تجاهل النضج الإيديولوجي لدى الشباب فلا يمكن أيضا كبته أو الاحتيال عليه، فهو حصيلة تفاعل جيل كامل مع معطيات معقدة حملته لرؤيا واضحة و وضعته وجها لوجه أمام تحدياته متسلحا بأدوات العصر فأصبح لديه بامتياز ما لا يمتلكه الجيل القديم باستثناء الخبرة الضرورية طبعا.
لذلك فإن التفاعل بين الأجيال هو شرط أساسي لأي كيان سياسي يريد أن يخرج للنور برؤيا مناسبة.

على أرض الواقع نجد أن طاقات الشباب السوري الهائلة في الداخل والخارج بالإضافة الى تجاربهم القاسية عبر سنوات الثورة الماراتونية كانت قد جذبت أنظار العالم، فمن الحكمة التطلع لتلك الطاقات كوقود أساسي قادر أن يحمل الجميع الى بر السلام والأمان، بدلا من حرقها لتغذية الحروب و الصراعات و الارهاب.
ومن العقلانية  تسخير تلك الطاقات في تشخيص الواقع بدقة وابتكار الآليات المناسبة و الانفتاح على التجارب الغنية لشعوب العالم بعيدا عن استيراد الإيديولوجيات المعلبة حتى يتمكن الشباب السوري ) و شباب الربيع العربي عامة (من أن يأخذ دوره الطبيعي والحتمي و المبدع في إخراج السياسات الأنسب لمستقبله

علِّق

المنشورات: 1
القراءات: 6687

مقالات الكاتب