No votes yet
عدد القراءات: 10607

صيدنايا: أسوأ السجون السورية، والذي تملؤه رائحة حرق الجثث

الكاتب الأصلي: 
Josie Ensor - Luna Safwan
تاريخ النشر: 
5 حزيران (يونيو), 2017
اللغة الأصلية: 

الصورة: عمر الشغري: إلى اليسار بعد خروجه من السجن، وإلى اليمين بعد هروبه إلى السويد.

 

إن الشيء الذي ما يزال عالقاً في ذهن "عمر الشغري" في الأعوام التي تلت إطلاق سراحه من أكثر السجون السورية شهرة، كان رائحة اللحم المحترق.

ويسترجع الشاب البالغ من العمر (21عاماً) إحدى أمسيات أواخر شهر ديسمبر/ كانون الأول من عام 2014، لكنه ليس متأكداً من التوقيت بالضبطـ، ذلك أنه كان يجد صعوبة في تحديد الوقت في زنزانته البغيضة والمظلمة.

وقال الشغري: "كان هناك حريق كبير ذلك اليوم، إلا أن رائحته لم تكن كرائحة حريق عادي. أخبرنا السجّانون أنه عطل كهربائي، لكن لم يكن هناك كهرباء في معظم أجزاء السجن ما دفعنا للشك في ذلك".

وقد أخبر صحيفة "التلغراف" من السويد، حيث يطلب اللجوء، أن الرائحة كانت نفّاذة كاحتراق لحم وشعر بشري.

 

وأضاف: "كانت هناك الكثير من الجثث كل أسبوع، أكثر من أن يتمكّنوا من التخلص منها بصورة عادية؛ لذا اعتقَد أنهم كانوا يرسلون تلك الجثث إلى المحرقة".

لكن الشغري احتفظ بشكوكه طوال تلك الأعوام ويبدو أنه لم يتأكد منها حتى الشهر الماضي.

 

The US state department released satellite images it said backed up reports of mass killings at a crematorium  

صور من الأقمار الصناعية أصدرتها الخارجية الأمريكية تؤكّد وجود عمليات قتل جماعي.

 

وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن النظام السوري يحرق جثث آلاف القتلى من السجناء في سجن صيدنايا، وهو منشأة تقع خارج دمشق، في محاولة منه لتغطية حجم عمليات القتل التي ينفّذّها والتخلّص من الأدلة التي يمكن استخدامها لمقاضاة مرتكبي جرائم الحرب.

وقد شبّه بعض المسؤولين ذلك بمحرقة اليهود في ألمانيا النازية.

كما قالت "نيكي هالي"، السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة: "إن محاولة تغطية عمليات القتل الجماعي في محرقة "بشار" الأسد تذكّرنا بأسوأ الجرائم التي ارتُكِبَت ضد البشرية في القرن العشرين".

وتعتقد الخارجية الأمريكية أن المحرقة بُنيَت داخل مُجمّع السجن مطلع العام 2013.

كما نشرت الخارجية صوراً للأقمار الصناعية أظهرت أبنية تغطيها الثلوج باستثناء واحد منها، ما يشير إلى وجود مصدر حراري داخلي كبير. وقال "ستورات جونز"، مساعد وزير الخارجية الأمريكي: "قد يتوافق ذلك مع وجود محرقة".

وأضاف مسؤولون أن وجود مدخنة، والتي تبدو مثل جدار حراري، ومدخل الهواء؛ كل ذلك يشير إلى مكان تُحرَق فيه الجثث.

 

بيد أن الحكومة السورية قد دحضت تلك المزاعم، موضّحة أن التخلّص من الجثث بتلك الطريقة سيكون تصرّفاً "غير إسلامي".

إذ يُعَدّ الحرق "حراماً" وهو محظور في الإسلام؛ فالتعاليم الإسلامية فيما يخص الميّت تتطلّب أن يتم غسل الجثة وتكفينها والصلاة عليها ومن ثم دفنها تحت التراب ويستطيع بعدها أقاربها زيارتها. كما تُعَدُّ أي معاملة أخرى، بما فيها الحرق، خطيئة تنمُّ على عدم الاحترام.

 

أقوال بعض قادة العالم عن نظام الأسد في سوريا

تيريزا ماي: "إن نظام الأسد هو من يرتكب الأعمال الوحشية التي ظهرت ضد المدنيين في سوريا، ولا ينبغي لأحد أن ينسى هذا".

باراك أوباما: "عندما يقوم دكتاتور بقتل عشرات الآلاف من شعبه، فإن ذلك ليس مجرد قضية شؤون داخلية لدولة ما".

دونالد ترامب: "الأسد سيء، وربما تكون المعارضة أسوأ".

فلاديمير بوتين: "إنه لخطأ فادح أن نرفض التعاون مع الحكومة السورية وقوّاتها المسلحة التي تحارب الإرهاب بشراسة".

فرانسوا أولاند: "لا يمكن لك أن تجمع الضحايا مع الذين يقتلونهم. إن الأسد هو أساس المشكلة، ولا يمكن له أن يكون جزءاً من الحل".

 

وقد سُمّي سجن صيدنايا بـ "المسلخ البشري"، الذي يكون فيه التعذيب والحرمان والازدحام على أشده إلى درجة دفعت بالأمم المتحدة إلى القول بأنه يصل إلى مستوى "الإبادة".

ومنذ اندلاع الثورة السورية ضد بشار الأسد عام 2011، اختفى الآلاف داخل جدران هذا السجن.

ووفقاً لمنظمة العفو الدولية، توفّي أكثر من 17 ألف شخص في المعتقل في جميع أنحاء البلاد بين مارس/ آذار عام 2011 وديسمبر/ كانون الأول 2015، إلا أن العدد الكبير من المفقودين ومجهولي المصير يدلّ على أن الأرقام الحقيقية أعلى على الأرجح.

كان عمر الشغري يبلغ من العمر (17عاماً) عندما تم اعتقاله من منزله في مدينة طرطوس السورية الساحلية في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2012. وكان السبب مشاركته بمظاهرات ضد الحكومة السورية، لكنه يظن بأن الأجهزة الأمنية انتقته نظراً لاسمه السني المسلم.

أمضى بعدها الأعوام الثلاثة في 10 سجون مختلفة، كما أمضى 10 أشهر منها في صيدنايا في زنزانة بطول 7 أقدام وعرض 7 أقدام، مع ما يصل إلى 11 شخصاً آخر.

لم يكن الشغري ليتمكن سوى من رؤية بعض ما يحيط به، ذلك أنه لم تكن هناك نوافذ، وإنما بعض الشموع التي تضيء الممر.

علاوةً على ذلك، لم يكن يُسمَح لهم بمخاطبة السجّانين مباشرة ولا حتى النظر في أعينهم.

 

تعرّض الشغري للضرب مرات لا تُحصى، إلا أنه رأى آخرين يُعذّبون أسوأ منه بكثير. وقال إنه في بعض الأحيان كان الحرّاس يأمرون السجناء بقتل بعضهم البعض، وإن رفضوا كانوا يهدّدونهم بقتل أفراد أسرتهم المحتجزين في السجن بدلاً  ذلك.

وفي إحدى المرات أمضى محدثّنا 10 أيام دون طعام أو ماء، وقال بأن آخرين بلغوا حدّاً من اليأس جعلهم يشربون بولهم.

وبحلول الوقت الذي أُطلِق فيه سراحه في شهر يونيو/ حزيران من عام 2015، كان يبلغ من الوزن بضعة كيلو غرامات فقط بالإضافة إلى أنه فقد شعره.

Omar al-Shogre, aged around 19 years old, after his released from Saydnaya, weighing just 5.5 stone

وذكر الشغري، وعدد من السجناء السابقين غيره ممن تحدثت إليهم صحيفة التلغراف، ذكروا رؤية عشرات الجثث أثناء مدة اعتقالهم، وكان بعض أولئك قد قضى من الجوع أو التعذيب الشديد أو المرض.

وقال أحدهم، والذي استخدم اسم "أبو خالد" ليخفي هويته، قال إنه يتذكّر ربيع عام 2013 عندما طُلِب منه التخلّص من 15 جثة.

ويتابع أبو خالد البالغ من العمر (43عاماً) من مدينة حماة والذي اعتُقِل عام 2012: "قبل أن يأخذوني والمعتقلين الآخرين إلى صيدنايا، طلب منا أحد عناصر الشرطة المساعدة في وضع الجثث في أكياس بلاستيكية".

وأضاف: "وصلنا تشرين – مستشفى عسكري بالقرب من دمشق- وبلغ مجموعنا 17 شخصاً طلباً للعلاج في ذلك اليوم، لكن لم ينجُ منّا سوى 2. كنا  قد أُصبنا جميعاً بهذه العدوى في المعدة، غير أن معظم الآخرين لم يتمكّنوا من النجاة بسبب الجروح الناجمة عن التعذيب الذي تعرّضوا له". ويعتقد أبو خالد أن الجثث أُخِذَت فيما بعد إلى المحرقة.

كما قال إنّ عدد الوفيات داخل السجون السورية بدأ بالارتفاع في عام 2013، عندما بدأ النظام بشن حملات اعتقال واسعة النطاق ضد نشطاء المعارضة وكل شخص يرى أنه متعاطف مع الثورة.

 

Omar several months after his release

 

ونقل تقرير صادر عن لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة العام الماضي عن أحد المنشقّين عن وكالة المخابرات قوله بأن الضباط أمروا باعتقال المتظاهرين من الذكور بين ال 16 وال 40 من العمر.

كما قال الكثير من المعتقلين السابقين أنه لم يخرج من سجن صيدنايا أحد حيّ ليدلي بشهادته منذ عام 2013 سوى عدد قليل.

أما "أحمد الأحمد، وهو طيار سابق في القوات الجويّة السورية من حلب انشقّ عن النظام وأمضى 13 عاماً في السجن قبل أن يُطلَق سراحه عام 2011، فقال: "يمكن لك أن تعدّ الأشخاص الذين خرجوا أحياء منذ ذلك الوقت على أصابع يدك الواحدة".

ويضيف: "بالنسبة لأولئك الذين اشتُّموا رائحة المحرقة أو شهدوا أي شيء على علاقة بها، فإن معظمهم على الأرجح ما يزالون في الحبس الإنفرادي ينتظرون إعدامهم. بل من المحتمل أنهم قد ماتوا منذ وقت طويل، وماتت الحقيقة معهم".

 

وربما يكون جبل الوثائق المتراكمة على جرائم نظام الأسد خلال الحرب المستمرة منذ 6 أعوام أكبر من أي مثيل له في أي صراع سبقه.

ومع ذلك ما يزال الجناة طلقاء وما من طريقة واضحة لتقديم الأدلة أمام المحكمة.

ويسعى السيد أحمد إلى تشكيل اتحاد لسجناء صيدنايا السابقين ليتمكّنوا من خلاله من تبادل أية معلومة يمتلكونها حول الجرائم المحتملة ضد الإنسانية مما شهدوه.

وقال في ذلك: "آمل أن يفضي هذا إلى شكل من أشكال العقوبة"، إلا أنه ليس متفائلاً.

 

----------------------

الكتّاب:

- جوسي إنسور(Josie Ensor): مراسلة التلغراف في سان فرانسيسكو.

- لونا صفوان (Luna Safwan): مساعدة أخبار تغطي أخبار سوريا.

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2547818

مقالات المترجم