عدد القراءات: 4574

شبابنا بين بركة الشام وبركة أوروبا

 

لم يعد اليوم مصير شبابنا السوريين ملكاً لهم ولا خاضعاً لاختيارهم؛ فمن غادر البلد غادرها مكرهاً، ومن بقي فيها بقي مكرهاً، وبدلاً من أن يتم التعامل مع حالة الإكراه هذه بواقعية وموضوعية بهدف الحد من أثرها على نفسية الشباب، ودفعهم للعمل الإيجابي قدر الإمكان، نجد أن أصوات قطاع واسع من النخبة لدينا تصرخ ضمن واحد من الاتجاهين التاليين:

الفريق الأول: يدعو الشباب – الذين لم يغادروا - إلى عدم الاكتراث بكل مظاهر الفوضى والفساد والقمع، وأن يتمسك بالعيش على أرضه المباركة المقدسة!!!.

الفريق الثاني: يعرض - بإسراف - صور الاحترام والإنسانية لدى الغرب - والتي لا تخطر ببالنا ولا حتى في الخيال – الأمر الذي يحرّض لدى الشباب دافع الهجرة بأي طريقة كانت.

 

تضيف هذه الأجواء المتصارعة جرعة إضافية للمعاناة التي يعيشها شبابنا العربي – أينما حلّ - فتعيقه عن التقدم؛ فمن يعيش في الدول العربية يعاني واقعاً حياتياً يومياً مرّاً يجعله  – بصورة طبيعية -  يتشوّف إلى حياة كريمة تشبه ما يراه وما يسمع به؛ أما من ساقته الظروف وانتقل للعيش في بلاد الغرب فمن المؤكد أنه سمع أصواتاً تلومه على الهجرة وربما تتهمه بالتخلي عن مجتمعه وقضيته، بالإضافة إلى ذلك فهو قلق من الاندماج في مجتمع ربما يسلخه ويسلخ أولاده من بعده عن تراثه وثقافته، لذا فهو يحاول إثبات وجوده في المجتمع الغربي الجديد كضرورة لاستمراره فيه أو انتقاماً من مجتمعه القديم في بعض الحالات.

مئات الوقائع والأحداث تشرح بوضوح ما ذكرناه آنفاً من صراعات وأحاديث نفسية، فعلى سبيل المثال: صديق عزيز أعرفه منذ أكثر من 14 عاماً متمسك بأخلاقه ودينه، اضطره ما يجري في سوريا للخروج  إلى إحدى الدول العربية التي أمضى فيها قرابة العام أشبه ما يكون بالمشرّد.

خلال ذلك العام تولد لدى صديقي شعور بالنقمة على كل شيء، كل شيء بلا استثناء، وكلما كانت تصلني منه رسالة كنت أدعو له بالهداية، إذ بدا واضحاً من  كلامه أن إيمانه في تدهور وقناعته بثوابته ومبادئه بدأت تهتز.

بذل كل جهده ليتخلص من مستنقع تلك الدولة العربية وأخيراً وصل إلى ألمانيا، التي هيأت له: بيتاً ومقعداً دراسيأ وتأميناً صحياً وراتباً شهرياً.

 

بعد أقل من ثلاثة أشهر على إقامته في ذلك البلد الغربي عاد صديقي إلى رشده، بل وازداد تمسكه بدينه ومراقبته لسلوكه دون أن يؤثر ذلك على اندماجه بالمجتمع الجديد إطلاقاً حتى صرت عندما أقرأ أخباره أدعو لنفسي وأقول: اللهم ارزقني إيماناً مثل إيمانه!.

بل وأكثر من ذلك فإن صديقي هذا وخلال إقامته في الدولة العربية لم يتمكن من تقديم أي شيء لبلده (سوريا) إذ كان كل أقصى همّه أن يجد عملاً أو مأوى، بينما في ألمانيا استطاع المشاركة في إيصال مساعدات إنسانية للمناطق المحاصرة كما بدأ يطرق أبواب الإعلام الغربي للتعريف بالقضية السورية.

 

الغرب طبعاً ليس جزيرة الأحلام التي لا شقاء فيها ولا عناء، والشرق ليس بؤرة التعاسة والضنك التي لا يسمو فيها شيء، فكم من أشخاص عاشوا سنوات في أوروبا إلا أنهم لم يتأقلموا فيها ثم عادوا واستقروا في بلادهم أو في بلاد عربية أخرى، من أمثلة ذلك طبيب سوري مسيحي درس في فرنسا ومكث فيها سنوات، وعندما كبر أولاده أتى بهم ليعيشوا في دولة عربية منغلقة جداً، ولما سألته عن سبب عودته قال لي: (الغرب عالم جميل وحضاري، ولكنه متطرف في الحرية الشخصية، ولاسيما الحرية الجنسية، وأنا لا أرضى لأولادي أن ينشؤوا على ذلك !!!)، تناول الطبيب جواله وأخذ يقلب صور قريته الرائعة في سوريا وهو يقول لي: (بالله عليك، أليست أجمل من مدينة نيس الفرنسية ؟!). نظر إليّ بعين ملؤها الشوق والحنين وقال: (أنا متمسك ببلدي، وأريد أن أعود إليها، ولا شيء يستطيع أن ينتزع محبة وطني مني!).

 

ما ذكرته من أمثلة واقعية يحمل دلالات كثيرة ربما لو وقفنا عند كل واحدة منها سيطول بناء المقال وستتشعب الأفكار وتبتعد عن الفكرة التي أود مناقشتها وهي أن البعض ينظر للغرب وكأنه نادٍ ليلي كبير، وينظر للشرق وكأنه دار عبادة كبير، وبناء على ذلك يرى بأن الابتعاد عن دار العبادة هذه والإقامة في النادي الليلي حتماً ستؤثر في الطباع والأخلاق بشكل سلبي.

لا أقصد من هذا الكلام أن أشجع الناس على ترك بلادهم أبداً، لأن ذلك إفرغٌ لمجتمعنا من كفائاته وطاقاته، وإذا كان تهريب الأموال خارج أي بلد – ولاسيما أيام الأزمات - يعتبر جريمة يحاسب عليها القانون أشد محاسبة، فكيف يكون حالنا تجاه إخراج الكفاءات والتي هي أغلى ما نملك؟.

الذي أقصده هو أن نقرأ واقعنا وواقع غيرنا بشكل موضوعي فهذا أجدى في تقديم الحلول، فاليوم  نحن نعيش فرصة ذهبية، وعلينا أن نستغلها أحسن استغلال، وذلك من خلال بناء جسور بين كل شباب أمتنا المتحمسين لأجل قضاياها؛ من هم داخل الوطن يعملون رغم كل العقبات، ومن هم خارجه يعملون رغم كل الصعاب.

إن العرب والمسلمين يملكون المواد الأساسية لبناء الحضارة ولكنهم أضاعوا الأدوات والمعدات اللازمة لذلك، إلا أن موجة الهجرة هذه نحو الغرب يمكنها أن تفتح لنا أبواباً واسعة لينقل لنا شبابنا – من خلالها - ما لدى ذلك العالم المتفوق من أدوات تحول ما لدينا من قيم ومبادئ وأخلاق – تشترك فيها الإنسانية جمعاء – إلى بناء حضاري مميز.

 

أملنا أن تنتشر المنصات والمؤتمرات والمحاضرات – خاصة مع وجود وسائل الاتصال الحديثة - التي يتقاسم فيها الأدوار شبابنا في الداخل وشبابنا في الخارج، وربما أفضل دور يمكن أن يقدمه من هم في الداخل هو توصيف الحالة وعرض المشكلة، بينما يبدو أفضل دور يقدمه من هم في الخارج هو اقتراح الحلول وتقديم وصفات الشفاء.

المهم إذاً ليس أين تعيش، وماهو نوع البركات الذي تحظى به، المهم أن نتواصل، وأن نحافظ على التواصل فيما بيننا ونستفيد منه. قال الله تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) ( سورة الملك : 15).

 

علِّق