No votes yet
عدد القراءات: 10978

سوريا لم لم تكن يوما لأمريكا لتخسرها

الكاتب الأصلي: 
Christopher Phillips
تاريخ النشر: 
8 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

بالنظر إلى مسألة قتل أكثر من 500000 شخص، ونزوح أكثر من نصف السكان قبل الحرب، والبلد في حالة خراب، قد يبدو الحديث عن فائزين وخاسرين على الصعيد الجيوسياسي في الحرب الأهلية السورية فاقداً لأدنى إحساس. ومع ذلك، في حين تتحضر الولايات المتحدة لإدارة جديدة، فقد بدأ المعلقون في واشنطن في الكلام عن ذلك.

 

يتم تصوير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على نحو متزايد كمنتصر بعد إرسال قوته الجوية لدعم بشار الأسد في أيلول/ سبتمبر عام 2015، تلك القوة التي مكنته من إعادة انتزاع حلب الشرقية من قبضة الثوار في الشهر الماضي. في المقابل، قد خسر الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته باراك أوباما على ما يبدو بعد بذل جهود غير كافية لمساعدة الثوار المناهضين للأسد. وقد تم تفسير اتفاق وقف إطلاق النار الأخير الذي تجاهل البيت الأبيض بوساطة روسيا وتركيا- ظاهرياً حليف الولايات المتحدة ولكنها أقرب إلى موسكو- كعلامة للتهميش الإقليمي للولايات المتحدة.

 

المبالغة في قيمة سوريا

في كل الأحوال، هناك مبالغة في مدى نجاح روسيا وهزيمة الولايات المتحدة في هذه الرواية إلى حد ما. أولاً، هناك مبالغة في القيمة الاستراتيجية لسوريا بالنسبة لواشنطن. قبل ثورة 2011، لم يكن لدى الولايات المتحدة مصلحة طويلة الأجل في دمشق.

كعضو في "محور المقاومة"، كانت سوريا المفسد لخطط جورج دبليو بوش لإعادة ترتيب الشرق الأوسط، عبر تسهيل دخول المقاتلين إلى العراق الذي كانت تحتله الولايات المتحدة وعبر رعاية حزب الله وحماس، ولكن كان هذا مصدراً للإزعاج أكثر منه تهديداً كبيراً.

ولم يكن لدى الولايات المتحدة أي سفير في دمشق بين عامي 2005-2011، ويقال تم إيفاد موظف واحد فقط لمكتب وزارة الخارجية في سوريا قبل الربيع العربي.

كانت سوريا عميل الاتحاد السوفييتي وليس الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، وكانت موسكو هي من لها علاقات عسكرية واقتصادية وسياسية لفترة طويلة مع سوريا، بينما ركزت واشنطن على حلفائها الإقليميين الرئيسيين: مصر وإسرائيل والمملكة العربية السعودية وتركيا.

ولذلك يمثل بقاء الأسد اختلافًا في الوضع الراهن ما قبل عام 2011؛ باعتبار سوريا المنبوذة وغير الودية المتحالفة مع روسيا، وليس إعادة ترتيب إقليمي على حساب واشنطن.

 

التزام فاتر بالإطاحة بالأسد

ثانياً، تبالغ الرواية بالتزام أوباما بإسقاط الأسد.

لو كان أوباما عازماً على الإطاحة بالديكتاتور السوري، لزجّ موارد عسكرية كبيرة ضده، عندها ربما من شأن بقاء الأسد في السلطة أن يمثل هزيمة له، ولكن لم يحدث هذا أبداً، حيث دعا أوباما الأسد إلى التنحي في أغسطس 2011 في المقام الأول؛ لأنه ظن ومستشاروه أن سقوط الرئيس السوري حتمي، ولكي يظهر على "الجانب الصحيح من التاريخ"، بدلاً من أن يكون ذلك كخطوة أولى في حملة متفق عليها لمحاربة الأسد.

وكان الدعم للثوار فاتراً في أحسن الأحوال، حيث منع البيت الأبيض مراراً خططاً لتسليح الثوار؛ لعدم قناعته أنهم معتدلون بما فيه الكفاية، ونهى الحلفاء الإقليميين عن توريد الأسلحة الثقيلة للثوار. في نهاية المطاف، تم إرسال الأسلحة عبر برامج وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع، ولكنها كانت دائماً محدودة وأقل بكثير من التي قُدمت للأسد عبر حليفيه الرئيسيين: إيران وروسيا.

وبالمثل، كان أوباما متردداً في نشر قوات أمريكية ضد الأسد، على ما يبدو تنازل عن فرض خطه الأحمر عسكرياً فيما يخص الأسلحة الكيميائية في عام 2013، ورحب باتفاق توسطت فيه روسيا لنزع ترسانة الأسد بدلاً عن ذلك. وفي المقابل، بعد عام واحد، شن أوباما ضربات جوية ضد الدولة الإسلامية (داعش) في شرق سوريا، مظهراً أبعاد استعداده في العمل عندما يتعهد.

 

لا يعد انتصاراً روسياً بعد

وأخيراً، "انتصار" روسيا ليس مضموناً على الإطلاق، فلا تزال الحرب جارية، وكما رأينا من هشاشة وقف إطلاق النار المعلن مؤخراً، قد يجد بوتين ختام الحرب لصالحه صعب التطبيق على أرض الواقع. وحتى لو عثر الأسد بصورة غير محتملة على طريقة- بمساعدة روسية وإيرانية- لإعادة السيطرة على كل سوريا، قد لا تكون موسكو في وضع أقوى مما كانت عليه قبل عام 2011.

فقد سمح الصراع لروسيا بتوسيع وجودها العسكري خارج الاتحاد السوفييتي السابق لأول مرة منذ الحرب الباردة، ولكن فقط عبر حليف موجود من قبل. وهذا الحليف الآن قذيفة دمرتها الحرب، وربما سيكون عبئاً على الاقتصاد الروسي الضعيف أصلاً: حيث يتطلب ذلك الحليف استثماراً عسكرياً ومالياً كبيراً لعدة عقود.

روسيا أبعد ما يكون عن الحاكم الأكبر في سوريا، كونها تتنافس ليس فقط مع نظام الأسد الذي لا يمكن التنبؤ به والمتهور، ولكن أيضاً مع إيران، التي لديها أجندتها المستقلة الخاصة بها، والتي يمكنها أن تحبط مخططات موسكو.

وعلاوة على ذلك، يمكن أن يكون التأثير طويل الأجل لسياسة بوتين في سوريا ضاراً، مثل زيادة تعرض روسيا لهجمات مسلحة- حيث تم اغتيال سفيرها لدى تركيا انتقاماً "لحلب" في كانون الأول/ ديسمبر.

 

اتجاهات موروثة

خرج الوضع الإقليمي في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة عن هيمنة الولايات المتحدة، وساهم الصراع السوري في هذا. ومع ذلك، فقد ورثت الكثير من هذه الاتجاهات، وليس بسبب باراك أوباما.

على سبيل المثال، ساعد غزو عام 2003 واحتلال العراق على معارضة الرأي العام الأمريكي نشر "قوات برية"، مما يحد من مجال التدخل الأمريكي على نطاق واسع على المدى الطويل. وبالمثل، زادت عواقب تلك الحرب من النشاط الإقليمي لإيران وتركيا والمملكة العربية السعودية وروسيا. حيث لعب العديد من هذه القوى في الصراع السوري، عبر تعزيز التحول إلى شرق أوسط متعدد الأقطاب بشكل أوسع.

من الممكن قلب هذا الاتجاه من خلال تسليم موارد كبيرة إلى الثوار في سوريا، ولكن لا يزال ذلك موضوع نقاش مكثف بين المعلقين، ومن الواضح أن أوباما لم يكن راغباً في فعل ذلك.

يغادر البيت الأبيض حيث لا تزال الولايات المتحدة إلى حد بعيد الفاعل الخارجي الأكثر نفوذاً في الشرق الأوسط، مع وجود الولايات المتحدة في الكويت، والبحرين، والعراق، وقطر، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة، والأردن، والمملكة العربية السعودية ومصر، بالمقارنة مع وجود قاعدتين لروسيا في سوريا.

 

ومع ذلك، هناك شعور متزايد بأن قوة الولايات المتحدة لم تعد بلا منازع، ويجب أن تتنافس على النفوذ مع اللاعبين الإقليميين والدوليين الآخرين.

في الواقع، حتى لو كانت "خسارة" الولايات المتحدة في سوريا مبالغًا فيها، ونجاح روسيا المفترض أقل إثارة للإعجاب مما يتخيل البعض، فإن الأضرار من تصور الولايات المتحدة كقوة إقليمية حقيقية جداً.

وأخيراً، لا يزال لغزاً: كيف سيتناول دونالد ترامب- بمزيج غريب من الانعزاليين والمحافظين الجدد في فريق سياسته الخارجية- الوضع بعد استلامه الرئاسة في 20 كانون الثاني/ يناير.

 

علِّق