عدد القراءات: 14803

سوريا الأسد... فنتازيا أمريكية

 

"من داخل سوريا الأسد"؛  يا له من عنوان ملفت، ليس لأن السوريين لا يعرفون تلك التسمية التي تغنى بها حسن نصر الله، عندما رأى أن سوريا ملكا شخصيا لبشار الأسد، ورثها عن والده ويستعد لتوريثها، فكل من عليها وكل ما عليها مجرد أرقام وأدوات، المدهش في العنوان هو أنه صدر في محطة أميركية حيث الحرية، والديموقراطية التي تقتضي المساءلة تحت حماية القانون، حتى على الألفاظ التي تنتهك حق الغير وإن كان بتوصيف.

 

في فيلم "من داخل سوريا الأسد" للصحفي الأميركي Martin Smith، والذي عرضته قناة PBS  الأمريكية وترجه للعربي موقع السوري الجديد، نرى سوريا الأسد تلك التي ثار السوريون لأنها سوريتهم وبيوتهم وأحلامهم على هذه الأرض لا سوريا الأسد، تمر لدينا في هذا الفيلم متلازمة الأسد، من الضيوف المفترضين إلى الصور المنتشرة في خلفية المشاهد، صور القائد،من المكاتب إلى الشارع في زي عسكري تارة وزي رئيس جنتل تارة أخرى، وهنا بيت القصيد، الذي يدفعنا أيضا للبحث عن كاتب سيناريو الفيلم ومخرجه الآخر الذي لم يظهر في الكادر ولا في قوائم الأسماء، كما الصحافي سميث، لكنه ظهر كبطل شعبي بطريق الصدفة، في بلد لا يستطيع الطير أن يعبر فوقه بالصدفة، لكن تلك الصدفة لم تسعف ذلك المعد الخفي في الدقيقة الثالثة والعشرين من الفيلم حين قال لضيفه الأميركي نحن دعيناك إلى هنا، إنه مخرج الرئاسة الأول، نجدت أنزور بشركته التسويقية.

قبل الخوض في تلك التفاصيل لابد من التعريج على رسالة الفيلم الأهم والتي اعتقد أنه دفع لها المال كي تصل بطريقة بسيطة ومخادعة عن شفاه طالب مراهق سوري حين قال بالدقيقة الواحدة والثلاثين "لا مكان آمن هنا، لأن الحكومة الأمريكية تعطي صواريخ بعيدة المدى للثوار".

هكذا تصبح الديموقراطية الأميركية ضاغطة على سياسييها أن اتركوا أولئك المراهقين يعيشون بسلام، وأولئك الأطفال والأسر الجنتل يستمتعون في منتجع قُدر له أن يفتح للناس مع زيارة سميث على أنقاض مدينة حمص المجروحة، ليستقبله محافظ قدم من الخليج العربي بصفته رجل أعمال هو الآخر من طبقة الجنتل، ليستلم إدارة محافظة منكوبة لتكتمل الصدفة في السيناريو بزيارة وزير السياحة الناعم والحضاري جداً، وكأنه قادم من منتجعات فلوريدا، لكن اكتمال دراما الفنتازيا التي يتقنها الأنزور والمنفصلة عن الواقع كفنِّه وأبطاله، يجب أن يمرّ على الرمال الدافئة بساحل سوريا، فاتنات البحر، وبينهن بعض أقرباء الأسد كما أخبر أحدهم سميث، حيث يصعب الحجز الفندقي "برغم السيارات المفخخة" مشاهد مستوحاة من شواطئ الغرب بما فيها تلك المايوهات والاستلقاء تحت أشعة الشمس، هنا تحبك الرسالة الأهم في فيلم سميث، ويخذله بالوقت ذاته سيناريسته السوري، ليكشف حبكته، علويون يدافعون عن بيوتهم، متحضرون، يؤون نازحين صممت اللقطات لتبدو النساء السنيات بتلك الصورة التي يريدها سوداء مغايرة لفاتنات البحر بمايوهاتهن.

 

هذا السرد هنا والذي يعبر عما ورد في منتصف الفيلم، حيث الحبكة في أوجها تجعلنا نتحزر النهايات ونتشوقها، لا تغفلنا عن سر السينما الدعائية التي يمكن مزجها بالأكشن حين تشترط عنصر المفاجأة في الدقائق الأولى لأي فيلم، يعرف هذا السيناريست والمخرج السوري الخفي ويعرفه أيضا الصحافي سميث صاحب الفيلم المفترض، وهنا سنعود لبداية فيلمنا "بسوريا الأسد" حيث ذلك الصحافي الذي يغامر ليعطي الحقيقة وهو "ثائر العجلاني" بهدوء صوته وابتسامته، ونشاطه، ووعوده أن يساعد سميث بالوصول إلى الحقيقة، وهو المصاب سابقاً بشظايا، ولكونه صحافي وسيجلب التعاطف الديموقراطي الغربي، كان عليه أن يدفع الثمن بحياته، هنا دراما الأنزور التي يعرفها السوريون جيداً، ضحت سوريا الأسد بصحافي، على قربان تسويقها، فجاء الهاتف إلى الفندق ليبلغ سميث بالفاجعة، ثم يتم إعداد جنازة تشبه بمعناها الدرامي جنازات دراما باب الحارة العاطفية، مع شيء من بهارات فنتازيا الأنزور، هكذا دفع العجلاني ثمن بطولته للفيلم، على أعتاب سوريا الأسد، عل الغرب يتعاطف مع صاحب سوريا حسب الفيلم أي بشار الأسد، مهدت للأمر بضع قذائف هاون أطلقها متطرفو سوريا على مقربة من نوافذ الفندق الذي أقام فيه سميث، لتأتي العقدة الثانية في الدراما الأمريكية السورية المشتركة، عقدة الطرد من سوريا بعد رحيل العجلاني، فما العمل، سيتساءل الصحافي سميث، لكن الكاتب لم يغفل تعريفه بندوة الإعلام على بطله الخفي نجدت أنزور في صالة ضمت أصحاب الإعلام النزيه إيران وحزب الله يتوسطهم وليد المعلم.

 

هكذا بمقتل بالعجلاني يتم ترهيب الصحافي سميث نفسياً، وبالوقت ذاته يجعله تحت حاجة إدارة حركته والحماية العسكرية، وسائقي أفرع الأمن، والضامن لكل ذلك كي لا يطرد خارج البلاد هو مخرج درامي لا يثير أية تحفظات إعلامية فكان الأنزور، صاحب "طاقية الإخفى"، ومستشار التسويق الإعلاني لأسد علماني مغلوب على أمره كان يحيط به بعض الفساد من موظفين حكوميين، وكانت بعض مطالب الناس محقة ببعض الفساد.

ولأن لإسرائيل ذراع في الإعلام الأميركي، وهي جارة الأسد، كان لا بد للمعد البريء المغلوب على أمره، من كتابة نقلة نوعية في الحبكة الدرامية، فاختيرت القنيطرة، لتكمل حكاية الصحافي المغدور قربانا للفيلم، ثائر العجلاني بحديثه عن المنشقين أو المتطرفين الذين يسلمون أنفسهم فتسوى أمورهم بولائم دسمة لا كما يشاع بولائم تصفية، فبالقنيطرة يكمن الأسد القادر على استيعاب الأمور وتصمم كتيبة من الخارجين على القانون، ليعاد الصفح عنها وضمها إلى ضامن حدود إسرائيل الحقيقي، النظام العلماني وجيشه.

 

هكذا يسير فيلم "من داخل سوريا الأسد" متسلحا بكاميرة دقيقة ومصور يدرك زاوية التأثير وحجم اللقطة بلحظة الحدث الأهم، يرسم تفاصيلها على الورق إخراج له خبرته في أثر حجم اللقطة وردة الفعل، ودور المؤثرات الجانبية، بداية من عد المال على الحدود وإظهار تلك الكمية من النقود السورية التي تعلوها صورة الأسد الأب المؤسس لسوريا الأسد على ورقة الألف، مروراً برسائل سياسية من خلال دعاية لفيلم الأنزور عن آل سعود وتأسيس السعودية الوهابية مصدر الإرهاب العالمي، فلا ينسى الصحافي سميث عندما يعرض له الأنزور مشهدا من فيلمه عن قطع يد السارق أن يعيد اللقطة له عن بعد ليحرك هو يده متأثراً بالحدث بطريقة تلقائية وبحالة درامية تفيد نقلة الفيلم نحو إرهابيي سوريا الذين يقاتلهم الأسد.

 

يمر الفيلم بسلاسة، ويحاول أن يوازن بين جغرافيتين تصنعان سوريا، جغرافيا ذارفي الدموع المغلوبين على أمرهم والخائفين على مستقبلهم، والمستعدين للتضحية بأولادهم فداء لها كي تبقى أسدية تطعمهم وتلبسهم وتفتح لهم النوادي الليلية، وبين جغرافيا تصدر لهم الموت والإرهاب فتضطر قوات أسدهم للدفاع عنهم ولو بالبراميل البدائية، فهم حاضنة الإرهاب، ومولديه، لتمر صور ضحايا القصف المستعارة من أرشيف ما، كأنها تلوين تشكيلي لا قيمة له من خلال دراسة النقلات الدرامية، في فيلم لا ينسى أن يرسل رسالة ومنذ لحظته الأولى، بأن سوريا تعيش على أنغام الغناء والموسيقى الأمريكية الشعبية، البوب الذي فاجأه من إذاعة ناطقة بالإنكليزية، لينتقل إلى البارات حيث الشرب والرقص، على أنغام غربية، كانت كلها في سوريا الأسد، بحياة طبيعية مألوفة قبل إرهاب التطرف الذي جاء ليهدم سوريا الأسد التي جاء إلى داخلها السيد سميث، ليصنع فيلما، يمكن تسميته دراما مشتركة "سورية أمريكية" عبر شركة خاصة صرح عنها الأنزور في الثلث الأول من الفيلم، وليكون الأمر ذا مصداقية سياسية من باب إنساني، كان لا بد من تطعيمه برجل سوداني يدير برنامج الأمم المتحدة يقول إن أميركا من توصف الأسد بتلك الأوصاف، ليعيد للأذهان الدابي كمبعوث عربي سوداني في بداية الثورة ويحرف مسار التعريفات، ويصبح القول هنا إن سوريا كانت تسير في التطوير الاقتصادي وغيره لولا هذه الحرب التي ألّبت السوريين على بعضهم، وليست ثورة لأجل الحرية.

 

ليس مفاجئا للسوريين هذا النوع من التسويق الإعلامي لنظام الأسد، فكل من عمل بالإعلام ومنذ عقود، يعرف كيف تستثمر ماكينة الأسد في الإعلام العالمي، وكيف تستضيف بعض الصحافيين بين الحين والآخر وتغدقعليهم كرمها وإحاطتها، لينقلوا مادتها البصرية، ولكن بعد وراثة بشار الأسد للحكم، كان هذا الاستثمار أكثر وضوحا، إذ افتتح مكتب إعلامي بلندن، ليدير الحملة إعلاميا بأن سوريا يحكمها رئيس شاب منفتح وعصري، ولا يشبه نماذج رؤساء الشرق الأوسط، بل إن زوجته تتحرك بين في الوسط الاجتماعي على طريقة الليدي، التي تعرفها أوربا، وهي راعية الإبداع والشباب والأسرة، والطفولة، ومهتمة أيضا بتفاصيل الموضة الغربية.

ماكينة إعلامية لا تهدأ استفاد منها الأسد مع بداية الثورة وحاول من خلالها شيطنة الثورة بالإرهاب، وتحميل الإسلام السني ذنوب التاريخ كلها، وتنظيم صورة حضارية عن رئيس يقدم النصائح للعالم في الغرب والشرق عن طرق مكافحة تلك الآفة المقلقة، ولم ينسَ الأسد دور الدراما بالموضوع، فضاعف أجور العاملين فيها منذ انطلاقة الثورة، ودعم كل الإنتاج الدرامي كي لا يقع بضائقة أو كسر مادي، لينتج سنويا عشرات المسلسلات بأن سوريا بخير، وهو يدرك أثر الفن على الشعوب، ومن هنا دخل فيلم السيد سميث سوريا على وقع الفن والموسيقى الأمريكية، وغادرها على وقع سمفونية في مسرح الأوبرا الأسدي، بسوريا الجريحة.

 

هكذا لم يكلف نفسه سميث الذي دخل سوريا من لبنان، بزيارة مخيم صغير، يعطي من خلاله انعكاس حرب الأسد المدمرة على الإنسان السوري، بما أنه لا يستطيع العبور إلى مناطق القتال حيث الآخر البعيد عن رمال البحر ولون البيرة المتلألئة، جاء صانع الفيلم لينتج مادة دعائية يختلط فيها الدم بمياه البحر، وأشلاء الضحايا الأبرياء برقصات المجن، تماما كما تختلط السياسة بالإعلام، عبر استعارة الدراما لسوق الحدث نحو غرائزية المتلقي، وكأنه يمر على جمر الحقيقة المخفية خلف رجفة صوت من تكلم من أبطال الفيلم الذين اختارهم المعد السوري، من مؤيدي الأسد، بأن الأسد نفسه أصبح وهما، وكأنهم يبحثون عن منجاة ولو بصورة سراب، يقنعون أنفسهم بها أنهم سينتصرون على الإرهاب، ولو على طريقة البلاي ستيشن من خلف شاشة.

 

فيلم Inside Assad's Syria ، "من داخل سورية الاسد "- الترجمة الكاملة

علِّق