No votes yet
عدد القراءات: 9450
كلمات مفتاحية: 

سوريا، قصة فرنسية قديمة جداً

الكاتب الأصلي: 
Christophe Ayad
تاريخ النشر: 
29 آذار (مارس), 2017
اللغة الأصلية: 

الصورة: « مرآة دمشق، سوريا وتاريخنا » لـ  Jean-Pierre Filiu من موقع La Découverte، 288 صفحة، 14 يورو

 

إصداران: أحدهما للكاتب والبروفسور Jean-Pierre Filiu الذي ترجمت أعماله لاثنتي عشرة لغة. والآخر للكاتب اللبناني عبدالله نعمان. عملان يعودان إلى التاريخ الذي ربط فرنسا بسوريا في مرحلة بعيدة من الزمن.

قد تبدل حال المسيحية في سوريا مروراً بملةٍ صغيرة يهودية ومن ثم إلى دين ذي مشروعٍ كوني، المسيحية في سوريا، بعد ذلك، قد توغلت الانقسامات المفرطة إلى داخل العديد من كنائسها من كثرة الشجار والنزاعات العقائدية. سوريا والتي دائماً ما يكون فيها الإسلام هو الدين الفاتح والمهيمن لقائد أعرابي من شبه جزيرة العرب، مستحوذاً في تلك الحالة على الدولة الأموية. وفي سوريا كذلك قد حيكت المؤامرة التي كانت على وشك أن تفضي إلى التقسيم ما بين السنة والشيعة. و في سوريا أيضاً قد بَشَّرَ ودُفِن ابن تيمية (1263-1328)، وهو داعية للجهاد والتكفير (« إقصاء الكنيسة ») حيث أنه قد كان المصدر الأصلي لمذهب الجهادية السلفية. أخيراً، في سوريا كذلك التي توالى فيها أعظم العقول العربية من ابن بطوطة (1304-1368) إلى ابن خلدون (1332-1406). جان بيير فيليو الباحث والمؤرخ المعروف الذي يمتلك مدونة ثابتة في Lemonde.fr، لفت انتباهنا في عمله الأخير إلى ما أسماه بـ «مرآة دمشق». وهو في ذات الوقت عمل تثقيفي وتربوي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. وبحسب قول الكاتب تعد سوريا مسرحاً لأسوأ نزاع للجيل الشاب في القرن الواحد والعشرين، وبالنسبة إليه الفكرة من هذا العمل لم يأتِ صداها من بلد بعيدة فقط، وإنما الفكرة جاءت هنا للتنديد بالرعب الحاصل في سوريا والذي يدفع اللاجئين للهرب من سوريا متحديين أمواج المتوسط وفاتحين المجال لحلول المجموعات الجهادية محلهم من أجل أن يأتوا بعدها لتنفيذ هجماتهم في قلب أوروبا.

وكما نوه جان بيير فيليو إلى أن «مدن سوريا ووديانها وقلاعها وكافة أماكنها مشبعة بتاريخ معقد». تاريخ يستمر صداه في التردد إلى الوقت الحاضر. ولهذا كانت سوريا ولوقت طويل مسرحاً للمواجهة بين السنة والشيعة. وذلك لم يكن مجرد صدفة أن تتخذ المجموعات المسلحة المتمردة على نظام بشار الأسد أسماء خلفاء وأبطال السنة كعمر بن الخطاب (584-644) وخالد بن الوليد (592-642) ونور الدين الزنكي (1118-1174)، إلخ أسماء لها... ليس فقط لارتباطه بالشيعة بسبب انتمائه إلى الطائفة العلوية ولكن أيضاً بسبب دعم جمهورية إيران الإسلامية المطلق له.
 

 

فقداننا للذاكرة

وأما فيما يتعلق بحافظ الأسد، مؤسس الحكم السلالي الوراثي للسلطة في سوريا، والذي كان تصرفه مشابهاً لتصرف معاوية؛ وهو أول خليفة للدولة الأموية، في تعيينه لابنه – باسل ومن ثم ابنه بشار بعد وفاة الأول – كخليف له من قبل وفاته حتى. هذه الفجوة المفتوحة على الدوام ، في أكثر الأحيان لا تتم دراستها إلا من قبل مؤرخ يعمل بكفاءة تامة. وفي مرات أخرى، نرى المقارنة المعوجة بين تيمورلنك وبشار الأسد – والتي كانت بالاعوجاج ذاته الذي نجده مع ملك المغول – على أقل تقدير.

لقد كانت سوريا أرض اللجوء للأرمن الذين شهدوا مسرحية الإبادة لهذه الطائفة من قبل السلطنة العثمانية عام 1915. إنه لشيء مذهل أن نلحظ هذا التكرار، ليس فقط لنفس المجازر وإنما أيضاً لذات الأساليب التي أصبحت ممارسة من الآن وصاعداً من قبل السلطة السورية: كاتّباع سياسة التجويع المفتعلة قصداً واستخدامها كسلاح حرب. إن العلة الوحيدة في هذا العمل تكمن في تجاوزه من عدم معرفتنا عن هذه القصة العالمية الغنية إلى التأكيد على فقداننا للذاكرة الخاصة بنا. فرنسا – التي كانت مجسدة بالفرنجة حينذاك – قامت بأول غزوة لها في تاريخ سوريا في أيام الحروب الصليبية. لاحقاً، وتحديداً في المنتصف من القرن التاسع عشر، قامت باريس بدعم الوصاية المصرية على سوريا التي كان قد نفي إليها خصمها في الجزائر الأمير عبد القادر، حيث غدا رجلاً مؤمناً في دمشق. وقد قام بإنقاذ عدة آلاف من المسيحيين الدمشقيين، أثناء أعمال الفتن التي أثيرت سنة 1860 ضد المسيحية. وبشكل فعلي فإن مسألة حماية مسيحيي المشرق والدفاع عنهم هي مسألة مطروحة في باريس مسبقاً. وقد تم دفن هذا الرجل الحكيم إلى جوار أستاذه في التفكر ابن عربي، شاعر و لاهوتي ورجل قانون وميتافيزيقي (باحث في الغيبيات) القرن الثاني عشر.
 

القضايا الراهنة

اليوم في فرنسا، هل يا ترى نحن على دراية ومعرفة بهذا الذي يعرفه كل شاب سوري: والذي مفاده أن الانتداب الفرنسي هو من أنشأ أول ولاية للعلويين مستقلة ذاتياً، مطبقين للتقنية الاستعمارية القديمة التي تنطوي على استراتيجية تقسيم الحكم بناء على مبدأ فرق تسد؟
حول هذه الطائفة الغامضة وغير الواضحة، نشر عبد الله نعمان عملاً طويلاً يساعدنا على فهم القضايا الراهنة بشكل أفضل. التهديد من قبل قوات الأسد والرغبة في أخذ الثأر من الطائفة السنية، علويو سورية يعرفون أن مستقبلهم فيها ضعيف. السعي للانفصال ليس حلاً. ولا يزيد استمرارهم إلا من الأخطار التي سيلحق بها احتمالية سقوط النظام. المخرج الوحيد من هذه المشكلة يتلخص في «احتواء» الغالبية السنية. الكاتب يتطلع إلى الدعوة إلى دولة سورية ديمقراطية علمانية وقوية... إذ أن ذلك لم يكن مطروحاً في جدولها حتى الآن للأسف الشديد. عودةً إلى فرنسا، من لايزال يعلم أن أول قصف بالطيران وبالمدفعية الثقيلة في قلب دمشق كان قد شنه الجنرال موريس ساراي سنة 1925؟ حيث تم عرض العديد من جثث الثوار الدروز داخل المدينة، معلَّقين على حبل المشنقة. الغوطة، والتي تعد اليوم مهداً للعصيان والتمرد ضد الأسد، كانت كذلك من قبل أيضاً بالنسبة للمتمردين ضد الفرنسيين. وبعد مضي 90 عاماً، نظام الأسد هو من يقود الحملة الاستعمارية في بلاده.


«  العلوية - تاريخ مليء بالأحداث لطائفة غامضة « ، عبدالله نعمان، 360 صفحة، 20 يورو، Erick Bonnier éd.

 

نهايةً، من الذي يعلم بالشبه، الحرب «الخفية» التي واجهت في السابق سوريا الأسد في فرنسا في مرحلة حكم فرانسوا ميتران بين عامي 1981 و 1984؟ اغتيال السفير الفرنسي لويس دولامار في لبنان سنة 1981، وأيضاً الهجوم على شارع روزييه سنة 1982، تعد كافة هذه الأحداث جزءاً لا يتجزأ من هذا النزاع «الخفي»، وكذلك التفجير الذي استهدف الجنود الفرنسيين في بيروت في قاعدة دراكار سنة 1983. والمواجهة التي حصلت بين جاك شيراك وبشار الأسد حول جثمان رئيس الوزراء اللبناني، رفيق الحريري المغتال سنة 2005، وهي أقرب حادثة وأكثرها شهرة. وكما كتب جان بيير فيليو "تورط سوريا وشعبها في هذا الجحيم ليس قضية عرب".
 

 

 

------------------

الكاتب: 

Christophe Ayad: صحفي فرنسي ولد في ستراسبورغ سنة 1968، أمضى سنوات من طفولته في السودان، ودرس في باريس في معهد الدراسات السياسية وتدرب في مركز تدريب الصحفيين في باريس (CFJ).
يعمل كرئيس تحرير لقسم الشؤون الدولية في صحيفة Le Monde. إضافةً إلى عمله في صحيفة Libération. نال جائزة Albert-Londres سنة 2004 مكافأةً له على الجهود التي بذلها في بحوثه ودراساته الاستقصائية حول العراق ورواندا.

علِّق

المنشورات: 28
القراءات: 259056

مقالات المترجم