No votes yet
عدد القراءات: 1653

"سنموت بكل الأحوال"، خيارات مؤلمة للسوريين في حلب

الكاتب الأصلي: 
ANNE BARNARD and HWAIDA SAAD
تاريخ النشر: 
14 كانون اﻷول (ديسمبر), 2016
اللغة الأصلية: 

 

لطالما كان "ياسر حميش" واحداً من بين السكان المناهضين للنظام، ومن بين الأكثر تفاؤلاً في القسم المحاصر والخاضع لسيطرة الثوار من حلب، وكان ذلك في محاولة منه لرفع الروح المعنوية لدى الآخرين حتى في الوقت الذي اقتربت فيه القوات الموالية للنظام.

لكن مع سيطرة جيش الأسد والميلشيات الحليفة على المزيد من الأراضي فيما يبدو هجوماً حاسماً خلال هذا الأسبوع، أصبح ياسر، الذي يعمل محاسباً للمجلس الطبي المحلي، بائساً.

فقد استولى الجنود على حيّه يوم الأربعاء أثناء عمله في مجموعة عيادات بعيدة عن الحي. وكان قد أُحضِر العديد من جيران السيد حميش مصابين بجروح إلى مكان عمله، إلا أنهم قد لاقوا حتفهم قبل أن يتمكن من الاستفسار عن عائلته.

وقال السيد حميش في رسالة صوتية، في واحدة من عشرات المراسلات التي قمنا بها مع السكان داخل حلب الشرقية بعد توقف الهجوم: "لا أعلم أي شيء عن عائلتي، لا أعلم شيئاً عنهم. نحن على وشك الموت أو الاعتقال".

وبعد أعوام من القصف وأشهر من الحصار، خسر الثوار أكثر من ثلاثة أرباع أراضيهم في شرقي حلب بحلول نهاية الأسبوع، ما دفع بآلاف المدنيين والمقاتلين للوقوع في حالة من الفوضى.

كنا قد تابعنا الأحداث في وقتها الحقيقي من بيروت، وقمنا برصد مواقع التواصل الاجتماعي وتحدثنا عبر برامج واتس أب وسكايب  إلى أطباء ومقاتلين وربات بيوت وأعضاء من المجالس المحلية، بالإضافة إلى نشطاء معارضين وعمال إغاثة وغيرهم، بما فيهم أشخاص من الجانب الحكومي. كانوا أناساً عرفناهم على مدى سنين من تغطيتنا للحرب الأهلية الدامية في سوريا.

 

حدثونا عن معضلتهم إما في الهرب إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة أو البقاء حتى النهاية، وهو خيار شتّت العديد من العائلات. كما وصفوا لنا القصف المتزايد والهجمات التي قتلت النساء والأطفال الذين كانوا يحاولون الوصول إلى الأراضي الآمنة. وكشفوا لنا عن عمق الخلافات بين صفوف الثوار، وبين المقاتلين والمدنيين حول الاستسلام وكيفيته.

وقد أخبرنا البعض عن اعتقال بعض الرجال لدى وصولهم إلى الأراضي الحكومية -في بلد يعد التعذيب فيها أمراً شائعاً- أو إرسالهم للقتال في الجيش الحكومي. وقال آخرون أن مقاتلي المعارضة كانوا يمنعون الناس من المغادرة، بينما قال آخرون أن الثوار كانوا يساعدون الناس لعبور الخطوط الأمامية. علاوة على ذلك، اكتفى بعضهم بالتوسل إلينا للحصول على المساعدة.

 

"هذا آخر نداء استغاثة"، هذا ما قاله "محمد الأحمد" الذي يعمل ممرض أشعة في مستشفى استولت عليها القوات الحكومية. أرسل لنا محمد رسالة نصية من عيادة مؤقتة في الطابق السفلي والتي قال أن الإسعافات الاولية هي الوحيدة المتاحة فيها، أما الإصابات الخطيرة فتعني الموت المحتم.

وقال أيضاً: "رأيت أطباء يبكون عاجزين أمام الضحايا".

ومع اقتراب نقطة التحول في الحرب، تراجعت بعض الدول مثل الولايات المتحدة، التي لطالما طالبت بتنحي بشار الأسد، تراجعت في موقفها ليصبح مجرد خلافات مع روسيا، الداعم الرئيس للأسد، حول كيفية حماية المدنيين المحاصرين -الذين لا يستطيع أحد أن يجزم بعددهم- أو إخلائهم.

وقد أخفقت اتفاقيات الإخلاء المقترحة خلال الشهر الماضي، كما بدأت القوات الحكومية بهجوم شامل جوي وأرضي. بالإضافة إلى هرب ما لا يقل عن 40 ألف شخص لمناطق النظام أثناء الهجوم، إلا أن البعض لم يتمكن من ذلك. وفي الوقت ذاته، لجأ آخرون إلى مناطق المعارضة خشية التعرض للاعتقال على الجانب الآخر. والآن، أعلنت روسيا أن أي شخص لن يغادر المنطقة يُعَد إرهابياً "يقضى عليه".

وتختبر المرحلة النهائية على نحو صارخ، الروايات المتضاربة في قلب الصراع في حلب. إذ يقول العديد من السكان في الجانب الشرقي الذي يسيطر عليه الثوار أنهم صمدوا هناك لوقت طويل بسبب رفضهم للنظام الحاكم والخوف منه، وأضافوا أن الهجمات العشوائية كانت عقوبة للمعارضة. أما المسؤولون الحكوميون وأنصار الدولة يقولون أن الهجوم كان لتحرير السكان المحتجزين كرهائن لدى الثوار الذي يقصفون أحياء النظام عشوائياً.

وقد صمد العديد من الناس -والذين تتراوح أعدادهم ما بين تقديرات روسيا بعشرات الآلاف وتقديرات الأمم المتحدة ب250 ألف- لأعوام عدة في الوقت الذي تمكنوا فيه من المغادرة. قاموا خلالها ببناء مدارس ومشافي وملاهي تحت الأرض بالإضافة إلى توزيع المواد الغذائية وتنظيم مجلس محلي للثوار والمدنيين.

 

ولكن مع تقدم الحكومة الأسبوع الماضي، تلاشت جميع مظاهر النظام في المنطقة. وقد هرب نتيجة لذلك حتى بعض أنصار المعارضة المتشددين، ومن بينهم مئات المقاتلين. كما عبر 3 من أعضاء المجلس المحلي إلى مناطق النظام واستنكر زملاؤهم فعلتهم تلك ووصفوهم بالخونة، ليتم اعتقالهم بعدها وإعلان بعض المواقع الالكترونية الموالية للنظام إلقاء القبض على أعضاء "المجلس الإرهابي".

وقالت إحدى السيدات أنها قد غادرت إلى جانب 30 شخصاً من أقاربها منازلهم في حي القاطرجي، إلا أن أحد أبنائها، وهو مقاتل، لم يلحق بهم. وتحدثت السيدة شريطة تعريفها بلقب "أم فيصل" حفاظاً على سلامتها.

وأفادت أم فيصل، عبر الهاتف، أن الثوار المحليين قاموا بإرشاد المجموعة لتجنب رصاص القناصة، ليندلع القصف، على الخطوط الأمامية.

واستذكرت بقولها: "بدأنا بالركض. وترك الناس أمتعتهم على الأرض وأمسكوا بأيدي الأطفال وهربوا. قُتِل البعض وجرِح آخرون".

قاموا بالتواصل مع جنود النظام، الذين اقتادوا المئات سيراً على الأقدام عبر الفتحات في الجدران وفوق الرمال والبراميل والركام.

كما أضافت أم فيصل، أنها رأت في الطريق جنوداً يحمّلون شاحنات بأغراض منهوبة من المنازل، ابتسموا للمسافرين وحيّوهم بالقول: "حمداً لله على سلامتكم".

 

وفي مركز الاستقبال في منطقة جبرين، تلقت أم فيصل وأفراد عائلتها البطانيات والخبز والدواء بينما قامت السلطات بالتعرف عليهم. كما قام الرجال -مجبرين أو صادقين-  بالهتاف للأسد والجيش. إلا أنها قالت أنه برغم ذلك تم اعتقال العديد منهم، كما نُقِل 6 أفراد من أقاربها، وكانوا رجالاً في العشرين والثلاثين والأربعين من العمر،  للانضمام إلى الجيش.

وقالت أم فيصل في وقت لاحق أن زوجها واثنين من أبنائها استقلوا سيارة أجرة واتجهوا إلى بلدة ماريا الخاضعة لسيطرة الثوار بالقرب من الحدود التركية، وقاموا برشوة الحراس في نقطة التفتيش على الطريق الملتف واتخذوا طريقاً لتفادي الاعتقال من الميليشيات الكردية.

وقد رفضت أم فيصل، قبل مغادرتها مركز اللاجئين، الظهور على شاشة التلفاز الحكومي، وقالت: "لا أستطيع أن أكذب على الشاشة".

 

وعلى الرغم من ذلك، تم تصوير آخرين يشكرون الرئيس الأسد ويتلقون حقائب المساعدات التي تحمل علامة "مساعدات من روسيا" ويقولون أن الثوار منعوهم في وقت سابق من المغادرة.

وقالت إحدى عاملات الإغاثة، التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها، أنه لم يكن من الواضح كيف تمكن المدنيون من التحدث بحرية في مناطق النظام. لكنها قالت ايضاً أن رجلاً أخبرها بتفاصيل دامغة على أن الثوار لم يسمحوا له بالخروج لمعالجة ابنته الشابة التي أصيبت بالنحول نتيجة مرض في المعدة.

 

وعلى نحو منفصل، أخبرتنا إحدى الممرضات في شرقي حلب، التي تحدثت بشرط عدم الكشف عن هويتها، أن الثوار منعوا والديها وآخرين غيرهم من مغادرة حي بستان القصر. إذ حذر الثوار المجموعة في البداية من أن القوات الحكومية ستطلق عليهم النار، ومن ثم هددوا المسافرين واستفسروا منهم عن الأسباب التي دفعتهم إلى "الذهاب إلى أولئك الذين يقصفونهم".

وقالت الممرضة أن أحد المدنيين أجابهم: "سنموت على الحالتين".

ويقول عمال الإغاثة أن المناطق التي تمت استعادتها في شرقي حلب مدمرة وفارغة إلى حد كبير: إذ بقي عدد قليل جداً من الناس مع تقدم القوات.

 

وكان الجيش قد أعاد عدة مئات من السكان إلى منطقة هنانو، وطلب منهم الانتقال إلى شقق مهجورة. لكن نظراً لعدم وجود الكهرباء والتدفئة والمياه وسرقة الكثير من المنازل، طالب بعضهم بالعودة إلى الملاجئ على الرغم من الظروف الباردة وغير المريحة فيها إذ تتسابق الوكالات الإغاثية للحاق بهم.

أما البقية، الذين قرروا البقاء داخل حلب الشرقية، فإنهم يواجهون الغارات الجوية المتواصلة والقصف  في الوقت الذي يتجمع فيه السكان في مناطق ضيقة دون وجود عناية طبية.

وقال كثيرون من أصدقاء الممرض "مضر شيخو" أنه هرب مع عائلته من منزلهم تحت القصف. وقد قتلت إحدى القذائف  شقيقه في الوقت كانوا يبحثون فيه عن ملجأ. وأضاف أصدقاؤه، أنه بينما هم يبحثون عن مكان لدفنه، أودى تفجير آخر بحياة والده، الذي كان معلماً ساعد في إعداد الطلاب لتقديم الامتحانات الحكومية على الرغم من الحصار المفروض على المدينة.

وحسب أصدقاء السيد شيخو، كانت تلك المرة الثانية التي يفقد فيها اثنين من أفراد عائلته في يوم واحد. فقد توفي شقيقه وشقيقته، الطبيب والممرضة، في تفجير المستشفى عام 2013.

وعلى ضوء تلك المعاناة تختلف فصائل الثوار. إذ تريد الأقلية المتشددة، ومن بينهم جبهة فتح الشام التابعة لتنظيم القاعدة، الاستمرار بالقتال، أما البقية، ومن بينهم المجموعات التي تتلقى الدعم من الولايات المتحدة، يريدون عقد اتفاق لإخراج المدنيين. كما يقول البعض أنهم قد انتظروا وقتاً طويلاً للقيام بذلك.

وقال "زهير الشمالي"، الناشط منذ وقت طويل، أنه قد فشل هو والآخرين ممن قادوا المظاهرات في الشوارع ودعموا الثوار في وقت لاحق، فشلوا في تحقيق غايتهم.

وكتب الشمالي في رسالة نصية: "بدأ الناس يكرهون حياتهم بسببنا. كل ما قمنا به كان من أجل لا شيء، لقد خسرنا كل شيء".

وقال أنه في الوقت الذي كان يشير فيه بعض الثوار "بالصبر"، كان مستعداً لعقد أي اتفاق، إما يقتضي خروج الثوار مقابل إنهاء القصف أو إخلاء المدنيين.

وعلق على ذلك: "إن الناس لديهم الحق في أخذ أبنائهم أينما يشاؤون، لا نستطيع أن نحتجزهم كرهائن. لن نتمكن من الوفاء بالوعود التي قطعناها لهم".

 

كما سارع الاقتتال الداخلي وانعدام الثقة في صفوف الثوار إلى انهيارهم. فقد هاجم مقاتلون على صلة بالقاعدة، خلال الأسبوع، مجموعات تدعمها الولايات المتحدة واستولوا على إمداداتهم.

وقامت الطبيبة فريدة، التي تحدثت أيضاً شريطة عدم الكشف عن هويتها، بفحص الأشخاص المحيطين بها ممن خططوا للمغادرة.

وكتبت في رسالة نصية: "جارتي الوحيدة، عمتي وعمي، أمينة سري، خادمتي، وحتى يدي اليمنى في العمل، جميعهم ذاهبون إلى مناطق النظام. إنهم محايدون يريدون أن يحيوا بسلام ويأكلوا ويشربوا، لا يهتمون بالثورة أو الدين".

وكتبت أيضاً: "أشعر وكأنني فقدت قطعة مني. لا أستطيع التوقف عن البكاء".

 

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2541224

مقالات المترجم