No votes yet
عدد القراءات: 12924

سرعان ما أصبحت حرب ترامب ضد الإرهاب همجية ووحشية كما توعّد

الكاتب الأصلي: 
Glenn Greenwald
تاريخ النشر: 
2 نيسان (أبريل), 2017
اللغة الأصلية: 

 

منذ بداية رئاسته، استلزمت حرب دونالد ترامب ضد الإرهاب على ما يبدو القتل العشوائي بحق الأبرياء باسم محاربة الإرهابيين. وبمعنى آخر، صعّد ترامب من الفرضية الأساسية، الممتدة منذ 16 عاماً، للسياسة الخارجية الأمريكية "في أنها تمتلك الحق في قصف أي بلد تعثر فيه على  أشخاص تعدهم إرهابيين". وبقيامه بذلك، يكون قد نفّذ وعوده التي أعرب عنها مراراً وتكراراً أثناء حملته.

 

وقد كان آخر الأعمال الوحشية إزهاق أرواح ما يصل إلى 200 مدني عراقي جرّاء الغارات الجوية الأمريكية هذا الأسبوع في مدينة الموصل. وقد سبق ذلك ببضعة أيام مقتل عشرات المدنيين السوريين في محافظة الرقة، عندما استهدفت القوات الأمريكية مدرسة استخدمها الناس كملجأ، وهذه الحادثة أيضاً سُبقت بأخرى خلال الأسبوع الماضي؛ إذ دمرت الولايات المتحدة مسجداً بالقرب من حلب، ما أسفر عن مقتل العشرات أيضاً. وقد كانت أولى إجراءات ترامب العسكرية هي ما لا يمكن وصفه إلا بالمجزرة التي نفذتها قوات البحرية متسببة بمقتل 30 يمنياً؛ وقد كان من بين الأطفال فتاة أمريكية تبلغ من العمر (8 أعوام)، كان قد قُتل أخوها البالغ من العمر (16 عاماً) في غارة بطائرة دون طيار في عهد أوباما.

 

خلاصة القول: على الرغم من صعوبة الحصول على الأرقام بدقة، يبدو أن هناك شكوكاً قليلة في أن عدد المدنيين الذين قضوا على يد الولايات المتحدة في سوريا والعراق – والذي كان مرتفعاً للغاية في الأصل في عهد أوباما – قد ازداد على نحو سريع في أول شهرين من وصول إدارة ترامب إلى السلطة. وتخبرنا البيانات التي جمعتها منظمة إيروورز الحكاية: لقد بدأ عدد المدنيين الذين لقوا حتفهم في سوريا والعراق بالازدياد في شهر أكتوبر/ تشرين الأول في ظل إدارة أوباما، إلا أنه الآن ارتفع أكثر في مارس/ آذار في عهد ترامب.

 

C:\Users\Bayan\Desktop\123.jpg

 

ومن الجدير بالذكر هنا بصورة خاصة هو أن عدد الضربات الجوية قد تناقص بالفعل في شهر مارس/ آذار، مع بقاء أسبوع واحد، على الرغم من ارتفاع عدد الضحايا من المدنيين. وهذا يشير وبشدة إلى أن الجيش الأمريكي قد بات أكثر تهوراً حيال قتل المدنيين في ظل إدارة ترامب، أكثر مما كان عليه في ظل إدارة أوباما.

 

C:\Users\Bayan\Desktop\Untitled-1.jpg

 

ولم يتلقَّ هذا التصعيد في عمليات القصف وقتل المدنيين، مقترناً بإرسال ترامب 500 جندي إلى الأراضي السورية زيادة على القوات التي كان أوباما قد نشرها في الأصل، لم يتلقَّ كل ذلك سوى القليل من اهتمام وسائل الإعلام بصورة ملحوظة. ويعود ذلك في جزء منه إلى اللامبالاة القياسية في خطاب الولايات المتحدة تجاه تسببها في مقتل المدنيين مقارنة باللغة المستخدمة عندما يُقدِم أعداؤها على قتل الناس، (فلتقارن النبرة الصامتة واللطيفة المستخدَمة في نقل أخبار تصعيد ترامب في العراق وسوريا بالاحتجاج المتكرر على الإبادة الجماعية وجرائم الحرب لإدانة قتل الروس للمدنيين في سوريا). كما يرجع جزء من قلة اهتمام وسائل الإعلام إلى مطاردة الديمقراطيين المتواصلة للتدخل الروسي في واشنطن، الذي يترك القليل من المجال أمام قضايا أخرى.

 

لكن ما يتضّح لنا هو أن ترامب يحاول تحرير الجيش الأمريكي من الحد الأدنى من القيود كي يتفادى وقوع خسائر بشرية كبيرة. ولا ينبغي لهذا أن يفاجئ أحداً: فقد تعّهد ترامب بكل صراحة مراراً وتكراراً أن ينفّذ هذا بالضبط أثناء حملته.

 

لطالما وجّه ترامب الانتقاد لأوباما، الذي قصف 7 دول ذات أغلبية مسلمة، "لضعفه" في محاربة تنظيم الدولة وتنظيم القاعدة، كما تفاخر ترامب بانتظام بأنه سيحرر الجيش الأمريكي من قواعد الارتباط التي يراها غير ضرورية. وكان قد تعهّد بأن يعيد التعذيب بل وقتل أفراد عائلات المشتبه فيه بأنهم إرهابيون، معززاً بذلك إصرار المعلقين الوطنيين بكل سذاجة على أن الجيش الأمريكي سيرفض اتباع  أوامره. وقد بلغت موجة حرب ترامب ذروتها الخطابية من الاضطراب في ديسمبر/ كانون الأول 2015، عندما أعلن في مسيرة حاشدة قوله "سنقضي على تنظيم الدولة اللعين" ومن ثم سنجعل شركة إكسون تسيطر على حقول النفط التابعة له، وتجدر الإشارة هنا إلى أن المدير التنفيذي لهذه الشركة يشغل الآن منصب وزير الخارجية في إدارة ترامب.

 

الفيديو:

إن تنظيم الدولة الإسلامية يجني مبالغ طائلة من الأموال لأنه يمتلك حقول نفط معينة، فقد سيطر على مناطق تحتوي على النفط؛ بعضها في سوريا وبعضها في العراق.  سأقضي على هؤلاء الحثالة.  سأقضي على هؤلاء الحمقى.

أجل، سأفجر الأنابيب. سأفجر كل شبر هناك. لن أبقي على أي شيء.

وتعلمون ماذا أيضاً؟  سترون إكسون هناك في غضون شهرين. هل رأيتم مدى براعة أولئك الرجال في هذه الشركة؟

 

من الممكن أن ننتقد ترامب في العديد من الأشياء، لكن عدم الوضوح الذي يكتنف نهجه في حربه المقصودة ضد الإرهاب ليس أحد تلك الأمور؛ إذ لطالما كان "الحل" لدى ترامب واضحاً وبسيطاً؛ كما وصفته في سبتمبر/ أيلول 2016:

يتمثل برنامج ترامب في القضاء على الإرهاب بكل وضوح في: 1- المزيد من القصف 2- تنميط السياسة على غرار إسرائيل 3- التلفظ بقول "إسلام راديكالي" " https://t.co/NyivdkUanp

-غلين غرين والد (@ggreenwald) 19 سبتمبر 2016.

 

و في كثير من الأحيان ، كان النقاد المعادون لترامب يقومون بالتشويش على وضوح نوايا الأخير فيما يخص الحرب على الإرهاب، نتيجة لمزيج من الارتباك والتخبط حول تشوهات مذهب السياسة الخارجية. وقد أعرب ترامب صراحة أنه  شخص"غير تدخلي"، مندداً على سبيل المثال بحروب تغيير النظام التي شنتها الولايات المتحدة في العراق وليبيا وسوريا، على الرغم من أنه في بعض الأحيان أعرب عن تأييده لتلك الحروب في العراق وليبيا. وقد خلط الكثير من المعلقين بين "غير التدخلي" و"المسالم"، ما دفع عدد كبير منهم، حتى يومنا هذا، إلى الادعاء جهلاً أن عمليات القصف في حرب ترامب المتصاعدة ضد الإرهاب تتعارض مع دفاعه عن سياسة عدم التدخل، لكن الأمر ليس كذلك.

 

ومهما تأثر ترامب بأي نوع من الأطر الأيديولوجية المتجانسة، إلا أنه منغمس في تقاليد كل من "تشارلز لندبيرغ"، الذي أخذ عنه شعاره "أمريكا أولاً"، و"بات بوكانان"، القومي والمعادي للهجرة. وقد كان لندبيرغ وبوكانان من غير المتدخلين: إذ كان لندبيرغ واحداً من بين أبرز وأقدم المعارضين لمشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، بينما كان بوكانان ناقداً لاذعاً طوال العام 2002 لخطة المحافظين الجدد في غزو العراق.

 

وعلى الرغم من أنهما كانا من متبعي سياسة عدم التدخل بشدة، إلا أن لندبيرغ وبوكانان لم يكونا دعاة سلام. بل العكس من ذلك؛ إذ اعتقد كلاهما أنه عندما يتهدد الولايات المتحدة هجوم، أو لدى تعرضها لهجوم ما فعلاً، فينبغي لها أن تستخدم كامل قوتها لمواجهة أعدائها. إلا أن ما اعترضا عليه لم يكن القوة العسكرية بالمجمل، وإنما التدخلات الموجَّهة نحو هدفٍ آخر غير الدفاع عن النفس؛ من قبيل تغيير حكومات دول أخرى أو حماية الأجانب من طاغية ما أو من ظاهرة عنف، أو حتى الحروب "الإنسانية".

 

وما تعترض عليه سياسة لندبيرغ وبوكانان غير التدخلية لم يكن الحرب بحد ذاتها، وإنما نوع محدد من الحروب؛ أي الحروب التي تقوم لأسباب بعيدة عن الدفاع عن النفس أو المصالح الأمريكية المباشرة (كما هو الحال بالنسبة لجهود تغيير النظام في العراق وليبيا وسوريا). لقد عارض لندبيرغ مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية على أساس أنها معَدَّة لمساعدة البريطانيين واليهود فحسب، أما بوكانان في عشية غزو العراق، هاجم المحافظين الجدد الذين "سعوا إلى توريط بلادنا في سلسة من الحروب التي ليست في صالح أمريكا" والذين "تسببوا في نفور أصدقائنا وحلفائنا في جميع أنحاء العالم الإسلامي والغربي بسبب "غطرستهم وعجرفتهم وعدائيتهم".

كما لا تعارض تقاليد معاداة السامية والقومية البيضاء الخاصة بلندبيرغ، السلف العقائدي لبوكانان ومن بعده ترامب، لا تعارض قيام الحرب. بل إنها تعارض التدخلات العسكرية في شؤون الدول الأخرى لأسباب غير الدفاع عن النفس؛ أي تعريض أرواح الأمريكيين ومواردهم للخطر لصالح "آخرين".

 

وفي كل مرة يلقي فيها ترامب قنبلة أخرى، يفترض نقاد مختلفون وغيرهم من معارضي ترامب على نحو غريب أنه بذلك إنما يتناقض مع وصفه بغير التدخلي. إن هذا جهل تام بما تعنيه هذه المصطلحات، فمن خلال تصعيد العنف ضد المدنيين، إنما ينفّذ ترامب في واقع الأمر ما تعهّد القيام به، وذلك بالضبط ما توقع أولئك الذين وصفوا سياسته الخارجية بغير التدخلية أن يقوم به؛ أي إطلاق العنان للجيش الأمريكي دون حدود عندما تكون الأهداف المزعومة هي القضاء على "الإرهابيين"، وفي المقابل رفض استخدام الجيش لتحقيق أية أهداف أخرى كتغيير النظام أو أهداف إنسانية.

وفي حال حاول أحد ما تقليص هذه العقلية إلى شعار، قد يصبح كالآتي: خوض حروب أقل لأسباب أقل، لكن أن تكون أكثر وحشية وإجراماً في ملاحقة الأعداء.

 

وتُوضِّح وعود ترامب فيما يخص سوريا أثناء حملته، والإجراءات التي يتخذها حالياً فيها، توضح هذه النقطة بصورة جلية؛ إذ لم يؤيد ترامب البتة تراجع القوات العسكرية في سوريا، وكما يوضح مقطع الفيديو أعلاه، فهو يؤيد عكس ذلك: تصعيد القوة العسكرية في سوريا والعراق باسم محاربة تنظيمي الدولة والقاعدة. وفي الواقع، تستند رغبة ترامب في التعاون مع روسيا في سوريا إلى رغبته في تحقيق أكبر قدر ممكن من عمليات القصف هناك (كما كانت الحال بالضبط في محاولة أوباما إقامة شراكة في عمليات القصف مع بوتين في سوريا).

وفي الحقيقة، كان ترامب معارضاً لسياسة وكالة الاستخبارات المركزية منذ أعوام طوال في إنفاق مليارات الدولارات لتسليح الثوار المناهضين للأسد (وهي سياسة أرادت هيلاري كلنتون ومستشاروها تصعيدها)، مرتكزاً في ذلك على أنه لا مصلحة للولايات المتحدة في إسقاط الأسد. وهذا هو الفرق الجوهري بين عدم التدخل والسلم الذي لا يدركه العديد من النقاد أو إنهم يخلطون بينهما عمداً بغية إثبات تبرئتهم لسياسة ترامب الخارجية. ولم يكن أي من أفعال دونالد ترامب حتى الآن متناقضاً مع سياسة عدم التدخل التي اعتنقها خلال حملته، ما لم يخلط المرء بين "عدم التدخل" و"معارضة استخدام القوة العسكرية".

 

علاوة على ذلك، إن قتل ترامب العشوائي للمدنيين في العراق وسوريا واليمن يعبّر عن أكثر من أمر: الهمجية وانعدام الأخلاق والإجرام. ومن المثير للسخرية أيضاً أنه من المحتمل أن يعزز دعم المجموعات التي يدّعي أنه يريد القضاء عليها؛ كتنظيم داعش وتنظيم القاعدة، نظراً لأنه ما من شيء يقدم الدعم لتلكم الجماعات مثل قتل الولايات المتحدة للمدنيين (وربما يكون المنافس الوحيد في مساعدة هذه المجموعات هو اختصاص آخر لترامب: إحداث الفرقة بين المسلمين والغرب).

 

وعليه، فإن تصرفات ترامب لا تشكّل خروجاً عما قال إنه ينوي فعله، كما أنها ليست مخالفة لتوقعات من وصفوا سياسته الخارجية بغير التدخلية. على النقيض من ذلك، فإن الوحشية المظلمة التي توجّه السلوك العسكري الأمريكي هي بالضبط ما تعهّد به ترامب لأنصاره صراحة.

 

-------------------

الكاتب:

غلين غرينوالد (Glenn Greenwald): أحد مؤسسي إنترسبت،. صحفي ومحام دستوري، ومؤلف 4 من أكثر الكتب مبيعاً في السياسة والقانون لنيويورك تايمز. 

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2511809

مقالات المترجم