عدد القراءات: 11748

سجن تدمر؛ تاريخ مخضب بدم أصحاب الرأي، ونهاية بسقوط أصحاب السلطة

- المعتقل السياسي  محمد برو :  كانت "حفلات التعذيب" تصور بالفيديو وترسل إلى القصر الجمهوري حتى يتلذذ حافظ الأسد بمشاهدة التنكيل بمن عارضوه

يوم 19/12/1980 سيقت مئة وعشرون امرأة من الرهائن من أخوات وأمهات الملاحقين إلى خندق جرى حفره بالبلدزورات، وتم اطلاق النار عليهن على حافة الخندق ثم تم ردمهن.

 

تقرير: أحمد حسن-  السوري الجديد

 

يقع سجن تدمر في بلدة تدمر الصحراوية في محافظة حمص على بعد 250 كيلومترا شمال شرق دمشق، بنته سلطة الانتداب الفرنسيفي الثلث الأول من القرن العشرين واستخدمته ثكنة عسكرية، لكنه صار فيما بعد سجناً للمجندين والعسكريين المتهمين بارتكاب مخالفات أثناء خدمتهم أو ممن ارتكبوا جرائم جنائية عادية.

قصة السجن مع العذاب الآدمي بدأت ما بعد الاستقلال، و من أوائل من تحدثوا عن هذا السجن وأهواله كان المحامي الشيوعي المعروف دانيال نعمة والذي كتب الكثير عن سجن تدمر الذي عرفه نزيلاً سياسيا في العام 1953، وقد ضم السجن تاريخياً الكثير من معتقلي الرأي والسياسة مثل إبراهيم بكري ونور الدين الأتاسي، وعطا الله قوبا وعلاء الرفاعي وبشار الموصلي ونزيه الجمالي وتوفيق الأتاسي وتوفيق أستور، الا أنه لم يكن يعرف الاعدامات والقتل الممنهج كما عرفها فيما بعد .

 

سجن الموت.. برعاية نظام الأسد

منذ مطلع السبعينيات بدأ حافظ الأسد باستخدام سجن تدمر لاحتجاز المعتقلين السياسيين بعيدا عن المدن، وفي العام 1979 بدأت السلطات بإرسال أعداد كبيرة من السجناء السياسيين إليه، حيث يتم فصلهم عن العسكريين المحتجزين.

55.jpg

كان السجن يخضع لإدارة الشرطة العسكرية، لكن مسؤولية السجناء السياسيين من اختصاص المخابرات العسكرية، وتقوم قوة من الوحدات الخاصة بحراسة السجن.

وباعتباره سجناً عسكرياً فإنه لم يكن يخضع لإشراف وزارة العدل التي تجري عمليات تفتيش للسجون المدنية في فترات متباينة، للذلك تحدثت عنه (منظمة العفو الدولية) مرارا تحت عنوان بائس: سورية تعذيب ويأس وتجريد من الإنسانية في سجن تدمر العسكري.

ووضعه موقع “كريمينال جاستيس ديغري هاب”، ضمن قائمة أسوأ سجون العالم برفقة “المعسكر 22″ في كوريا الشمالية، وسجن كارانديرو في البرازيل، وسجن “رايكرز آيلند” في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، وهي السجون الأبشع في التاريخ الحديث.

وصف سجين سابق نقلت عنه منظمة العفو الدولية، الحياة في سجن تدمر بأنها “أشبه بالسير في حقل ألغام، فقد يفاجؤك الموت في أية لحظة، إما بسبب التعذيب أو وحشية السجَّانين أو المرض أو الإعدام”.

منذ أواخر السبعينات حضر سجن تدمر في الكثير من جلسات حقوق الانسان ومناهضة التعذيب بسبب كثرة المجازر التي شهدها السجن خلال اكثر من أربعة عقود .

وثقت منظمات حقوقية سبع مجازر جماعية في سجن تدمر وقعت خلال الأعوام 1980 و1981 و1982 راح ضحيتها آلاف السوريين، ونقلت المنظمات عن سجين سياسي سوري سابق لم تسمه، تأكيده أن عمليات إعدام جماعية أخرى وقعت بين عامي 1981 و1983، موضحا أن عمليات الإعدام كانت تتم مرتين في الأسبوع وتطيح بالعشرات في كل مرة. كما ذكرت اللجنة السورية لحقوق الانسان في واحدة من تقاريرها التوثيقية.

 

في شهادته حول أهوال التعذيب في سجن تدمر، قال محمد برّو المعتقل السابق في هذا السجن ومدير مركز صدى للأبحاث في إسطنبول، إنه دخل السجن بتهمة الانتماء إلى مجموعة الطليعة المقاتلة عام 1980، وأمضى 13 عاما هناك، حيث خلد في ذاكرته أن الموت كان منتهى أماني المعتقلين، وأن يوما في السجن يوازي الموت عشرات المرات.

وأضاف لحلقة السبت (23/5/2015) من برنامج "الواقع العربي أنهم  "كنا نغبط من ينفّذ به حكم الإعدام، نسبة للشقاء المستمرالمعروف للأحياء في السجن"، وأضاف إن التعذيب كان عشوائيا و ليس له قواعد، وأنه يبدأ مع وجبة الإفطار صباحا ويستمر حتى وجبة الغداء، ثم يرتاح الجلادون ساعتين ويعودون لمواصلة التعذيب.

وبحسب برو، فإن المعتقلين كانوا يخضعون لمحاكم صورية تساوي بين المذنب والبريء، وأن المحكمة التي كانت تستمر ساعة ونصف الساعة ويشرف عليها ضباط عسكريون تحاكم 180 معتقلا بلا نقاش ولا دفاع ولا تهم، وتأتي الأحكامجاهزة وموقّعا عليها، أما  "حفلات التعذيب" فكانت تصور بالفيديو وترسل إلى القصر الجمهوري حتى يتلذذ حافظ الأسد بمشاهدة التنكيل بمن عارضوه.

ولتحويل السجانين الجدد إلى وحوش بشرية، تحدث برو عن ممارسة هؤلاء لما عرف بطقوس التعذيب، وهي عملية تعذيب يقومون بها لأحد المعتقلين تستمر ست أو سبع ساعات تنتهي بمقتل المعتقل تحت وطأة التعذيب.

وأشار إلى أن وجوده في المهجع رقم 31 أتاح له مشاهدة عمليات الإعدام عبر ثقوب الباب، وأن العمليات كانت تتم في الساعة السادسة صباحا يومي الاثنين والأربعاء، وأن حصيلة الإعدامات الأسبوعية كانت حوالي 250 شخصا، وكانت جميع أوامر الإعدام ممهورة بتوقيع وزير الدفاع الأسبق مصطفى طلاس.

 

مجزرة تدمر الكبرى

تعتبر مجزرة تدمر  1980 من أفظع المجازر التي ارتكبت في سورية بحق السجناء العزل،. ورغم محاولات النظام السوري التكتم عليها، فلقد تسربت على ألسنة جهات أمنية ورسمية، إما تباهياً بها وإما استياء منها، كما نقلت مصادر دبلوماسية أجنبية في دمشق ما سمعته عن الحادثة، ثم جاء الكشف الكامل لأحداث المجزرة على لسان بعض منفذيها، الذين اعتقلوا في الأردن إثر محاولتهم الفاشلة لاغتيال رئيس وزراء الأردن السابق مضر بدران بعد شهور على المجزرة.

sadsadsad003.jpg

وقعت المجزرة في صباح السابع والعشرين من شهر حزيران/يونيو عام 1980، وصورتها بعض الدراسات الغربية رداً انتقامياً من النظام على محاولة فاشلة لجماعة الإخوان المسلمين في اغتيال الرئيس حافظ الأسد في 26/6/1980 م، وألقى رفعت الأسد اللوم على جماعة الإخوان المسلمين، وقرر الانتقام في سجن تدمر الذي وصفه صهره معين ناصيف وقائد اللواء 40 من سرايا الدفاع في ذلك الوقت بأنه " أكبر وكر للإخوان المسلمين" وحسب رواية بعض منفذي المجزرة الذين وقعوا في قبضة الحكومة الأردنية بعد محاولة اغتيال فاشلة لرئيس وزراء الأردن عام 1981 فإنه طُلب من جنود سرايا الدفاع في حدود الساعة الثالثة فجرا الاجتماع بلباس الميدان الكامل في سينما اللواء 40 حيث كان الرائد معين ناصيف بانتظارهم، وألقى فيهم خطبة قال فيها: " هدول الإخوان المسلمين ما عم يفرقوا بين مسلم علوي ومسلم سني ومسيحي وعم بقتلوا في الشعب وامبارح حاولوا اغتيال الرئيس. لذلك اليوم راح تقوموا بهجوم على أكبر وكر لهم وهو سجن تدمر. قال: مين ما بدو يقاتل؟ ما حدا رفع إيده، الأمر العسكري"

( من شهادة عيسى إبراهيم فياض أحد المشتركين في مجزرة سجن تدمر) .

بعد ذلك توجهت اثنتا عشرة طائرة مروحية من مطار المزة، قرب دمشق إلى سجن تدمر تقل كل واحدة منها ثلاثين عنصرا من سرايا الدفاع وطوقت السجن وأخرجت الحرس منه، ثم فتحت النار على المعتقلين دون أدنى كلام، أو إنذار مسبق. واستخدم جنود سرايا الدفاع القنابل اليدوية في الإجهاز على المعتقلين. وقد تمكن أحد المعتقلين من الاختباء في دورة المياه القريبة من باب أحد المهاجع، وتمكن من انتزاع البندقية من أحد القتلة، وأجهز عليه، ويدعى الرقيب إسكندر أحمد، وجرح شخصين آخرين، لكن أحد الجنود أطلق عليه النار وقتله. ثم أخذ الجنود بتقليب الجثث وتفقد من لم يمت بعد، والقضاء على من وجدوا فيه بقية رمق

(حمامات الدم في سجن تدمر)

بعد الانتهاء من المذبحة عاد منفذوها إلى مطار المزة بتمام الساعة الثانية والنصف، وانصرفت كل مجموعة إلى لوائها. وكان الرائد معين ناصيف بانتظار المجموعة التي خرجت من اللواء 40 ليشكرهم على جهودهم وقال لهم: ( أنتم قمتم بعمل بطولة بعمل رجولة). ثم أمرهم بكتمان العملية، وقال لهم أنه لا ينبغي أن تخرج عن دائرتهم، بل تبقى سرية ومكتومة. وفي اليوم التالي كوفئ جميع العناصر الذين اشتركوا في المجزرة بمائتي ليرة سورية….!!(: حمامات الدم في سجن تدمر).

هذه التفاصيل جاءت ضمن اعترافات الرقيب المجرم عيسى إبراهيم فياض (يمكنك مراجعتها بالضغط هنا) 

والعريف المجرم أكرم علي جميل بيشاني (يمكنك مراجعتها بالضغط هنا)

وكلاهما من سرايا الدفاع، اشتركا في محاولة فاشلة لاغتيال رئيس الوزراء الأردني السابق مضر بدران، وأدليا باعترافاتهما كاملة على شاشة التلفزيون الأردني، ونشرت في كتاب الوثائق الأردنية الذي طبعته وزارة الإعلام بتاريخ 25/2/1981.

هذا وقد اطلعت لجنة حقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، التي انعقدت في جنيف في دورتها السابعة والثلاثين على وقائع مجزرة تدمر، خلال مناقشتها للبند 13 من جدول الأعمال الخاص بانتهاكات حقوق الإنسان في العالم، ووزعت على اللجنة الوثيقة رقم (E/CN/4/1469) تاريخ 4/3/1981، والتي تضمّنت إفادات المشاركين في المجزرة ، (عيسى إبراهيم الفياض وأكرم بيشاني). وناقشت اللجنة بجلستها رقم 1632 تاريخ 9/3/1981 مضمون المذكرة وشارك في النقاش مندوبو الأردن والعراق وسورية.

لم تكن هذه المجزرة الوحيدة فقد لحقها مجازر عديدة تحدث عنها معتقلون خرجوا من تدمر ومن هؤلاء أسامة الحلاق، أحد الذين سجنوا فيه،ر حيث ذكر في شهادته لموقع زمان الوصل قائلا : "حين تم نقلي إلى سجن تدمر بتاريخ 24/ 2 /1981 رأيت آثار الطلقات على سقف وجدران المهجع، وكان من جملة ما رأيته قطعة من فروة رأس أحد السجناء ملتصقة بسقف الغرفة".

وأضاف حلاق : "ما بين عام 1980 و1996 كان زبانية النظام يدفنون الجثث في منطقة قريبة من سجن تدمر العسكري وتدعى هذه المنطقة وادي عويضة" ( فيديو يحدد المكان اضغط هنا)  

يتابع حلّاق: "دفن هناك ما يزيد على 20 ألف سجين ممن قضوا تحت التعذيب، أو أعدموا في باحات السجن، ولقد شهدت شخصيا إعدام الكثير منهم حيث كنت في غرفة تطل على هذه الباحة، وأذكر أنني رأيت إعدام 200 شخص في يوم واحد، وبعد أن يتم الإعدام تأتي سيارة شاحنة كبيرة ويرمون الجثث بداخلها، حيث كان يقوم سفاحان من كلاب السلطة بالإمساك بالجثة، واحد من الكتفين والآخر من الرجلين ويلوحون بها ثم يرمونها في تلك الشاحنة، وكنا نحصي عدد الجثث من صوت الارتطام".

وقد أثير موضوع المذابح الجماعية في تدمر مجدداً عام 2001 بعدما أعلن نزار نيوف أنه قام بفتح بعض هذه المقابر قبيل اعتقاله في عام 1991 ، ووجد فيها كميات من العظام، تبدو عليها آثار الطلقات النارية وبقايا شظايا القنابل اليدوية التي ألقيت على المعتقلين. وقد ذكر نيوف أن الأجهزة الأمنية المعنية بهذه الجرائم أعطت أوامر حديثا بنقل هذه المقابر إلى منطقة أخرى بعد إثارتها إعلاميا (نزار نيوف في مؤتمر صحفي في باريس 2001).

كما ذكر المعتقل الذي اشتهر باسم (مانديلا سوريا ) خالد العقلة والذي بقي معتقلا 37 عاما قضى جزءا كبيرا منها في تدمر،أن "الدماء وصلت في ساحات السجن يوم المجزرة الى 20 سم مختلطة بالماء الذي استخدم لغسل الدماء وان المجزرة كانت بحضور الرائد فيصل غانم مدير السجن ونائبه مع عناصر سرايا رفعت الأسد" .

وذكر خالد العقلة أيضا في شهادته على الجزيرة (لمشاهدة المقابلة اضغط هنا) أنه أحصى وزملاءه خلال فترة سجنهم اعدام 31 الف سوري وان هذا السجن الكئيب كان يشهد شهريا قتل اكثر من خمسين تحت التعذيب واعدام العشرات شنقا كل عدة أيام ومثلهم قتلا بالرصاص في الساحة عند السادسة صباحا.

 

قوافل موت يومية ومجازر متكررة دون حساب:

منذ عام 1979 وحتى عام 2001 استمرت قوافل الضحايا مرة أو مرتين في الأسبوع، واستمر شلال الدماء يسيل غزيراً في تدمر، واستمر إزهاق الأرواح البريئة على أيدي جفاة، غلاظ، حاقدين.

كانت أصابع رفعت وراء كثير من الحقد والغل والبطش والموت. يتذكر محمد سليم حماد :

"ومما لا ينسى من أيام عام 1984 المريرة أننا شهدنا فيها إحدى أكبر عمليات الإعدام الجماعي إن لم تكن أكبرها على الإطلاق. فبعد انقطاع تنفيذ الأحكام عدة أشهر في تلك الفترة فوجئنا بالمشانق تنصب ذات يوم في الساحة السادسة بأعداد كبيرة، وراح الزبانية يخرجون من الأخوة المعتقلين فوجاً إثر فوج إلى حتفهم. يومها قدر الأخوة الذين تمكنوا من مشاهدة جانب مما يجري من خلال شق في الباب عدد الذين أعدموا بمائتين من غير مبالغة، كان من بينهم كما بلغنا الأخ يوسف عبيد من دمشق. ومع تسرب الأخبار فيما بعد قدرنا أن تلك الإعدامات ترافقت مع حالة النزاع التي حصلت بين رأسي النظام حافظ الأسد وأخيه رفعت، والتي شهدت حشوداً عسكرية حقيقية بينهما. وفسرنا ما حدث بأن رفعت كان يهيئ نفسه لاستلام الحكم بعد المرض الذي ألم بأخيه، وأراد أن يصفي أكبر قدر ممكن من السجناء وينهي كل خطر مستقبلي محتمل" (تدمر: شاهد ومشهود ص159 - 160 )

كما عرف السجن أيضا مجزرة فريدة ورهيبة في يوم 19/12/1980 حيث سيقت مئة وعشرون امرأة كنّ قد أودعن كرهائن من أمهات الملاحقين وأخواتهم في سجن تدمر الصحراوي، وكانت قبل ذلك قد حفرت لهن (البلدوزرات) أخدودًا كبيرًا، وما أن اقتربن من هذا الأخدود حتى أطلقت عليهم قوات الأسد النيران وهن على حافة الأخدود، فوقعن فيه مضرجات بدمائهن. ثم أهال جنود الأسد عليهن التراب. وبعضهن يعلو أنينهن. إذ لم يفارقن الحياة بعد.

كما وثقت منظمات حقوقية سبع مجازر جماعية في سجن تدمر وقعت خلال الأعوام 1980 و1981 و1982 وراح ضحيتها آلاف السوريين، فضلًا عن تنفيذ النظام لإعدامات جماعية لم تتوقف بحسب معتقلين سابقين إلا في العام 1994.

وبحسب منظمة "هيومن رايتس ووتش" فإن سجن تدمر حوى عدداً هائلاً من صغار السنّ والشباب منذ الثمانينات، وكانوا بمعظمهم مجرد أقارب لأناس متهمين بالانتماء لجماعة "الإخوان المسلمين". وفي شهادة أحد السجناء السابقين أن 2000 سجين من هؤلاء قد تمّ فصلهم في مساكن خاصة عن البالغين والسجناء الأكبر عمراً.

وتقول مصادر تابعة لجماعة "الإخوان المسلمين" في الأردن إنها وثقت أسماء 932 طالباً، تتراوح أعمارهم بين الـ 16 والـ 20 حين تم اعتقالهم في بداية الثمانينات، ويُعتقد أنهم بقوا أحياءً حتى عام 1995، أي بعد 15 عاماً من الاعتقال.

وعلِمت المنظمة لاحقًا أن بعض من هؤلاء الطلاب كانوا من مجموعة "السجناء السياسيين" المُفرج عنهم في مارس 1995، وقد طلبت المنظمة قائمة الأسماء المفرج عنها من السلطات السورية لكنها لم تتلق أي رد.

في ديسمبر 1995تم إطلاق سراح بعض السجناء السياسيين وفقا لعفو بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لحكم الرئيس حافظ الأسد، قُدّرت أعدادهم بـ1200 سجين مُفرج عنه، أتبع ذلك إصدار منظمة “هيومن رايتس ووتش” تقريرا مطوّلا يوّضح كون الحكومة السورية تحاول “اكتساب الثناء” من هذا الإجراء، ونبّهت المنظمة أعضاء المجتمع الدولي من النظر إلى الأمر كمؤشر لتحسين صورة حقوق الإنسان، وأنه لا يمكن لـ”حكومة حافظ الأسد” أن تفتح صفحة جديدة دون مساءلة عن جميع الضحايا المخفيّة سجلاتهم، علماً أن هذه الإفراجات نفسها زخرت بالانتهاكات، ومنها إجبارهم على توقيع “يمين الولاء” قبل الإفراج وترهيبهم من العودة لمزاولة أيّ من النشاطات السابقة، وهذا ما يُنهي حرية التعبير السلمي وتكوين الجمعيات بشكل مطلق حسب التقرير.

وبعد موت حافظ الأسد، وفي آب/أغسطس 2001 أعلن النظام عن إغلاق القسم السياسي في سجن تدمر ونقل حوالي ألف سجين، وهم من بقي على قيد الحياة بعد حمامات الإعدام والتصفيات الواسعة. وصرّحت الحكومة السورية رسميًا بإغلاق سجن تدمر في عام 2001 لكن العميد المنشق أحمد رحال، ينفي أن يكون النظام السوري قد أغلقه فعلًا في تلك الفترة، ويؤكدّ أن: “السجن كان مفتوحًا ويستقبل المعتقلين والسجناء بشكل دائم، وأن فيه نزلاء قضوا فيه نحو 35 عاما”.

أعيد افتتاح سجن تدمر في 15 يونيو 2011 بعد اندلاع الانتفاضة السورية، ليُزجّ فيه المعتقلون في انتفاضة “الربيع العربي” في سوريا ضد النظام الحاكم.

 

قتلة الابداع والفكر في تدمر :

عرف سجن تدمر الكثير من الشهداء النوابغ والمبدعين فمن أساتذة الجامعات الدكتور حسن محمد حسين من أصل فلسطيني، وهو المختص الوحيد بالفيزياء النووية في سورية .

ومن الأدباء المبدعين إبراهيم عاصي من مدينة جسر الشغور، صاحب خمس مجوعات قصصية متميزة، تحله موقع الصدارة من أدباء سورية المعدودين .

ومن حلب المدرسون: مصطفى ذاكري ومحمد أديب صالح (لغة عربية )، وعبد الرؤوف محمد ومحمد عثمان جمال (تربية إسلامية)، وثانيهما صدر له كتابان ( عبد الله بن المبارك – ثورة الزنج )، ومهتدي كسحة عضو إدارة محلية، والطبيب زاهد داخل  الذي كان أيام الدراسة الجامعية في حلب يحمي زميلة له من تحرشات زميل من (عصابة) النظام، فلما جاء المتحرش طبيباً لسجن تدمر انتقم من زاهد داخل بوضع عصا غليظة على رقبته، ودوس اثنين من الجلادين على طرفيها حتى الموت .

ومن المحافظات الأخرى المهندس رياض جعمور من حماة، والمفسر الداعية الدكتور عبد الودود يوسف من دمشق ( صاحب تفسير المؤمنين وعدد من الروايات وعضو اتحاد الأدباء )، والداعية المفسر محمود سويد من حمص، والطبيب إبراهيم عبادي من إدلب . والطبيب عادل عثماني من اللاذقية الذي تمت تصفيته علناً أمام سجناء تدمر بربط إحدى ساقيه إلى سيارة جيب والأخرى إلى سيارة جيب ثانية ثم سيرهما المتعاكس حتى فسخ جسمه شقين فسخ الدجاجة. كما ذكر الاديب محمد الحسناوي عضو رابطة ادباء الشام .

ألفت عن سجن تدمر عشرات الكتب. معظمها كتبها معتقلون سابقون قضوا سنيناً من حياتهم في السجن.

tttttttttttttt.jpg

أول كتاب ظهر عن سجن تدمر هو (تدمر شاهد ومشهود) الذي أصدره المعتقل الأردني سليم حماد في تسعينيات القرن العشرين، وكانت المخابرات السورية قد اعتقلته وهو يدرس في إحدى الجامعات السورية بتهمة الانتماء للأخوان المسلمين، وقضى (11) عاماً قبل أن يطلق سراحه.

كما أصدر اللبناني علي أبو دهن الذي قضى ( 13 ) عاماً في سجن تدمر، منذ اعتقاله في مدينة السويداء عام 1987، كتاباً عن تجربته كمعتقل في سجن الأسد الرهيب بعنوان: (عائد من جهنم) الذي صدر عام (2012) ومن أبزر ما يذكره فيه موت طبيب لبناني كان متطوعاً في الهلال الأحمر أمام عينيه.. وآثار رصاص وثقوب ودماء رآها على جدران المهجع الذي وضع فيه:

"عندما سألت عنها قالوا أنها آثار المجزرة التي ارتكبت بحق معتقلين أخوانيين أمر بقتلهم رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد عام 1980" ويضيف: "روى الذين سلموا من المجزرة من أعضاء حزب البعث العراقي فصول ما شاهدوا من شاحنات تنقل الجثث إلى مقابر جماعية سيكشف النقاب عنها في يوم من الأيام".

اما كتاب (من تدمر إلى هارفارد. رحلة سجين عديم الرأي) فيعتبر المؤلف الدكتور براء السرّاج  نفسه محظوظًا، فقد شاهد عشرات عمليات الإعدام في عدد من السجون السورية، وكان يتوقع مع كل دفعة تساق إلى الإعدام أن يحل دوره هو الآخر، ويصف السراج معاناته تحت التعذيب، في الغرف المظلمة والزنازين الرطبة الضيقة، والضرب اليومي والعقوبات المريرة، وقوافل الرجال الذين يقودونهم إلى ساحة الإعدام.

يقول في كتابه: “كنت أسمع أبوابًا تفتح بهدوء، وصوت حفيف أقدام السجناء، ثم صوت أحذية الجنود الثقيلة، كان هناك نحو 30 شرطيّاً، وبعد قليل ينزل الضباط لتنفيذ أحكام الإعدام يوضع السجناء في غرفة عند زاوية الباحة السادسة، ثم يسحبون كمجموعات إلى المشانق، ثم صوت جندي “الباحة جاهزة سيدي، يرفع السجين ويوضع الحبل حول عنقه ثم نسمع العبارات نفسها التي يرددها المحكومون بالإعدام -أخوكم في الله فلان الفلاني، الله أكبر ولله الحمد- ثم ينتهي كل شيء".

كما يقدم كتاب السوري ياسين حاج صالح (بالخلاص يا شباب) الذي صدر عام 2012 صورة أخرى عما يحلمه سجن تدمر من معاني القسوة والوحشية التي تختزل جوهر حكم الأسد الاستبدادي:

"واكتسبَ سجن تدمر مع الزمن سمعة رعب أسطورية، وكانت الأمور سيئة على الدوام إلى درجة نشأ على أثرِها فرع خاصّ من الأدب، متخصص بحالات فرديّة من الناجين من سجن تدمر والذين يقومون بكتابة ما حصل معهم في السجن، بشكل مشابه لكتب ألكسندر سولجينتسين عن معسكرات الاعتقال في الاتحاد السوفياتي"

ويُطلقُ الشاعر السوري “فرج بيرقدار” على سجن تدمر اسم “مملكة الموت والجنون“، وذلك بعد أن قضى 4 سنوات فيه، قامَ فيها بكتابة قِطع شعريّة باستخدام “شظايا الخشب” و”أوراق الشاي والبصل” أو حفظها في الذاكرة دون تدوين، والتي يقول أنها ساعدته على عدم الانهيار.

وعلى صعيد الأدب تعتبر (القوقعة) للروائي السوري مصطفى خليفة - وهو مسيحي اعتقلته مخابرات الأسد بتهمة الانتماء للإخوان المسلمين- أفضل عمل روائي عن عذابات هذا السجن، الذي استمر حضوره في الأدب الروائي السوري مع رواية فواز حداد الأخيرة (السوريون الأعداء) التي صدرت عام 2014،

 

ضمن فعاليات الدورة التاسعة والعشرين لمهرجان فرايبورغ الدولي في سويسرا (21مارس 2015)، أقامت إدارة المهرجان برنامجا خاصا بالعروض السينمائية السورية تحت عنوان “تحية إلى سوريا". عرض فيه الفيلم الوثائقي “رحلة في الذاكرة” (2006) للمخرجة السورية هالا محمد. وهو يقدم حكايات عن ثلاثة مناضلين سوريين هم ياسين الحاج صالح وغسان جباعي وفرج بيرقدار، وتجربتهم في واحد من أبشع السجون السياسية التي عرفتها المنطقة العربية وهو سجن “تدمر” الصحراوي.

 

داعش تكتب نهاية قصة سجن الدكتاتور :

في يوم 27 أيار أعلنت داعش سيطرتها على سجن تدمر وتدمر كاملة ورغم عشرات الاشاعات الكاذبة التي سبقت قدوم داعش حول مصير مساجين هذا السجن الخطير الذي ابتلع الكثير من اسرار الداء السورية، الا أن معظم هذه الاخبار تم تكذيبها وتبين ان النظام قام بإخراج أعداد كبيرة من السجناء قبل وصول داعش ولم تتأكد الجهة التي خرجوا اليها، فقد ذكرت تقارير توجههم الى البالوني في حمص وتقارير ذكرت نقلهم الى مطار أبو الضهور.

11.jpg

 

رقيب منشق كان معتقلا في سجن تدمر عند دخول داعش يدعى أبو أسامة في حواره مع راديو الكل ذكر ان "من بقي في السجن من المعتقلين كانوا 900 معتقل منهم 38 اردني و164 فلسطيني و23 سعودي وليس بينهم أي لبناني وان داعش خيرتهم بين مبايعة البغدادي او الذهاب الى أهلهم فاختار بعضهم المبايعة وبعضهم غادر الى أهله".

كما تحدث أبو أسامة عن قتل 500 من عناصر النظام بينهم 25 ضابط أربعة منهم برتبة لواء و280 من المخبرين الذين كان النظام قد دسهم بين المساجين سابقا فقام المساجين بتسليمهم لداعش وأسر 800 آخرين .

اعدمت داعش عددا منهم في المدرج الروماني بعد ان جمعت الناس لتطوى صفحة سجن تدمر بعد اكثر من نصف قرن من حكايا القتل والتعذيب الممنهج .

(رابط لجولة في سجن تدمر اضغط هنا) 

 

في النهاية يختلف السوريون على مآل هذا الصرح السوري الذي شغلهم خمسين عاما وارعبهم، فمنهم من لايزال يخشى ان يبقى عنبر موت وتعذيب تحت إمرة داعش ويستمر كما كان سابقا يرعب السوريين، ومنهم من يتمنى أن يتحول إلى يبقى شاهداً أبدياً على جرائم نظام القمع والاستبداد الأسدي ويصبح عبرة للطغاة الاخرين، ومنهم من يتمنى ان يهدم ويدمّر ولا يبقى له أثر يذكر حتى يرتاحوا من كابوس شغلهم عقودا طويلة وابتلع اجيالا .. ويبقى هذا السجن هو الاخر كما كل المناطق السورية مفتوحا على كل الاحتمالات ..

 

علِّق