عدد القراءات: 2883

سايكولوجيا العقلية الموالية

 

لقد حاولت وأنا أفكر بهذا المقال وأهمٌّ بكتابته أن يكون بمثابة دعوة ثنائية الجانب

-  فهو دعوة لكل من يؤمن بالثورة السورية أن نبدأ مرحلةً جديدة نركِّز فيها ليس فقط على التصدّي للنظام، بل وأيضاً لكل ما يمت له بصلة من منتجات ثقافية سامّة لا يمكن لثورتنا أن تنتصر بدون التخلص منها. فالنظام ينظر إلى مواليه فقط على أنهم الشعب ويعتبر الآخرين عملاء وخونة. أمَّا نحن فيجب ألا نكون مرآةً وصدى لهذه العقلية، وأن يكون عدونا واضحاً وهو النظام المجرم وكل شريك له في استباحة الدم السوري وليس كل إنسان يسمّي نفسه "موالياً للنظام" أو يدخل ضمن هذا التصنيف بحكم الواقع الحالي. خاصَّةً أنَّ موقفنا ضد النظام مبني على كوننا خير من يعلم درجة خبثه وسفالته وما مارسه على مدى عقودٍ طويلة من ابتلاع للمجتمع وتضليل للبشر وتسميم للعقول. وبالتالي فهي دعوة لدراسة موضوعية ومتأنية لطريقة تفكير الموالين للنظام على اعتبار أنهم إخوة وشركاء في الوطن علَّنا نتمكن من اتخاذ خطوات حقيقية لتحريرهم مما هم فيه كجزء لا يتجزَّأ من حريتنا التي ندعو إليها ونسعى لها.

- ومن جهة أخرى هو دعوة وتحدي للموالين للنظام لكي يقرؤوا للنهاية وأنا أجزم أن الكلام سيلامس عقولهم وكأنهم يقرؤون أنفسهم في المرآة وسوف يتسرّب الكثير منه إلى داخلهم حتى لو أنكروا ذلك اليوم. فما يهمني هو غداً..

والآن أدعوكم إلى مرافقتي في رحلة قصيرة لاستكشاف سايكيولوجيا العقلية الموالية

 

العقلية السلفية البعثية:

من طبيعة الدماغ البشري أنه منذ الطفولة المبكرة عندما يتلقى أية معلومات جديدة فإن عملية حفظ هذه المعلومات تكون عبر تصنيفها وترتيبها إما بجانب بعضها أو فوق بعضها بحسب تقديره لأهمية هذه المعلومات لينتهي الأمر إلى تشكيل "بناء معرفي" ضخم يتألف من طوابق تتدرج من القناعات الأكثر رسوخاً في الأسفل إلى القناعات الأقل رسوخاً التي يتم تركيبها فوقها. فمثلاً الإنسان المتديّن المؤمن بالله وعلى الدين الإسلامي المحمدي تكون الطبقة الأولى القاعدية من "بنائه المعرفي" هي أن الله هو خالق الوجود، ثم تكون الطبقة الثانية هي أنَّ النبي محمَّد هو رسول الله وأنَّ القُرآن الكريم هو كتاب الله، وهكذا يتم بناء طبقات هذا البناء المعرفي بشكل تسلسلي تصاعدي، تعترضها عمليات هدم واستبدال لبعض المعلومات بأخرى بشكل مرن في مرحلة مبكرة من العمر. ثم يصل الدماغ في مرحلة معينة من العمر تختلف من إنسان إلى آخر إلى حالة استقرار شديد في هذا البناء المعرفي، فيستقبل فقط المعلومات التي يمكن إضافتها إلى البناء دون المساس بالطوابق القديمة، ويلفظ لاشعورياً أية معلومات تتناقض مع ركائز بنائه المعرفي. فمثلاً بالنسبة لمثال الشخص المتديّن فإنه عندما يتلقى معلومة تُناقِض شيئاً مما يعرفه حول الدين فإنه قد يرفضها فوراً بعيداً عن أية آلية معالجة عقلية منطقيّة. وقد يكون هناك شخص متدين أيضاً لكنه أكثر مرونة من السابق فيستطيع أن يقبل معلومة جديدة حتى لو كانت تناقض ما يعرفه سابقاً لكن على شرط ألا تتناقض مع الطوابق السفلية التي تمثل القناعات شديدة الرسوخ، فقد تُناقِض هذه المعلومة معلومة سابقة عرفها وتلقاها على أنها من الدين عبر رواية معينة على ألَّا تتناقض هذه المعلومة الجديدة نص القُرآن نفسه مثلاً. فيمكن استبدالها على هذه الحالة. لكن من الصعوبة البالغة لدماغ الإنسان أن يستقبل معلومات تتناقض مع الطوابق السفلى التي تشكِّل حجرالأساس لبنائه المعرفي.

على نفس المبدأ تماماً فقد تمكَّن النظام الأسدي عبر سيطرته التامة على الدولة والمجتمع وعقول الناس عبر قطاعات التعليم والإعلام وغيرها من إنتاج عقيدة ترسَّخت في عقول الناس لا سيما الأجيال الأكبر التي عاصرت النظام والبعث لثلاثة أو أربعة عقود على أنها عقيدة وطنية تمثِّل الوطنية والشرف والإخلاص وحب الوطن، لكنها في الواقع عبارة عن عقيدة سياسية سلفيّة خشبيّة جداً، ومن أهم مرتكزات هذه العقيدة، أو لنقل أركان إيمانها: أن أمريكا هي الشر المطلق في العالم، وكل من يقف ضدها يمثل الخير المطلق بحسناته وسيئاته، وأن نظام الأسد هو نظام مقاوم وبطل يتحدى مؤامرة عالمية كبيرة جداً تحاصره على مر العقود كضريبة لوقوفه ضد إسرائيل والاستعمار والامبريالية، وأننا نعيش دائماً وأبداً معركة مصيرية ومعركة وجود ضد قوى الشر في العالم ولذلك يجب "الالتفاف حول القيادة" وكل ما عدا ذلك هو ضرب من الخيانة والتآمر... إلخ

أنا أعرف حقاً الكثير من الأشخاص الذين لا أشك في أخلاقيتهم وانسانيتهم، ويفاجئني برغم ذلك موقفهم المؤيد لنظام بربري مجرم، رغم أن ليس لهم أية مصلحة شخصية معه، بل وبعضهم من المتضررين منه! لكن في الواقع هذا الموقف لدى الكثيرين نابع بالفعل عما يؤمنون على أنه "عقيدة وطنية" و"موقف إلى جانب الوطن"!
والسبب أن البناء المعرفي لهؤلاء الأشخاص تكون الطوابق الأساسية فيه والتي تشكل مرتكزات البناء وأساساته هي هذه العقيدة البعثية السلفية، وبالتالي فإن منظارهم الذي ينظرون من خلاله للأحداث يكون ضيقاً جداً ومحصوراً بحدود القناعات السالف ذكرها، وكذلك تفكيرهم الذي يكون حبيساً للقوقعة الناتجة عن تلك القناعات.

وعندما تظهر أية معلومات أو معطيات تتناقض مع ما يؤمنون به، مثل أن النظام يرتكب مجازر بحق المدنيين، أو يطلق الرصاص الحي على المتظاهرين، فإن الدماغ لديهم يقوم ببساطة بالإعراض عنها، وينتهج آلية دفاعية صارمة ترتكز على الابتعاد عن مصادر تلك المعلومات وعن أية مقالات أو أخبار أو قنوات إعلامية أو جلسات أو لقاءات أو محادثات يمكن أن يتعرض من خلالها لهذه المعلومات، والهرب إلى المصادر التي تغذيه بما يطمئنه إلى صحة قناعاته الراسخة وأن كل ما يناقضها من معطيات هي أكاذيب وفبركات. وهنا تكون القنوات والمصادر التي تروج لدعاية النظام على هشاشة منطقها وضعف أدائها جاهزة للقيام بالمهمة بنجاح وعلى أكمل وجه. وفي حال لم يتمكن الدماغ من تجنب الصدام في بعض الحالات فإنه يكون مستعداً للالتفاف على نفسه وقولبة المعطيات الجديدة ضمن قالب قد يكون منافياً تماماً للواقع مثل الهروب إلى مبررات ساذجة وواهية قد تصل إلى إنكار الواقع تماماً. كل ذلك قد يكون أسهل على الدماغ المبني على تلك العقيدة السلفية من أن يعدِّل في قناعاته العميقة لما يتسبب فيه ذلك من دق لنواقيس الخطر بأن ينهار البناء المعرفي لديه بأكمله. علماً أن قلّة نادرة من البشر لديهم القدرة على القيام بإعادة فرمته تامة لنظامهم المعرفي بعد الوصول إلى مرحلة معينة من العمر لأن ذلك يعني إعادة التشكيك في كل ما آمنوا به وفي صحة الكثير من سلوكهم وممارساتهم طوال عمرهم وكأنها عملية انشقاق قاسية عن الذات.

 

الشعور بالانتماء القسري للمنظومة وصعوبة الانسلاخ عنها:

عندما أستعمل كلمة "النظام السوري" أو "النظام الأسدي" فإن التعريف الذي أجده الأقرب للواقع هو أن النظام عبارة عن شبكة سرطانية هجينة من (مافيا أمنية+مافيا الفساد الممنهج) أُضيفَت إليهما (مافيا رجال الأعمال: المافيا المخلوفية) في عهد الأسد الابن، وهذه الشبكة متغلغلة بشكل سرطاني في مؤسسات الدولة وأجهزتها وفي جميع مفاصل المجتمع عبر آلية غاية في الإتقان وغاية في التعقيد. وتقوم هذه الشبكة عبر زرع الخوف من أجهزة المخابرات من جهة أولى، وعبر إفساد المجتمع بأكمله وتوريطه في شبكة الفساد الممنهج من جهة ثانية، بالإضافة إلى ترسيخ العقيدة السلفية البعثية كما هو مذكور في الفقرة السابقة من جهة ثالثة، بإنتاج (شبكة ولاء هرمية) تجعل الغالبية العظمى من الشعب بما في ذلك أبسط الناس ينتمون بشكل قسري إلى تلك المنظومة الكبيرة، بما يصب في نهاية الأمر في خانة تمكين "السلطة الحاكمة" من الاستمرار في حكم الدولة والمجتمع واحتكارهما إلى أجل غير مسمى.
وبذلك فإنه في الكثير من الأوساط في سوريا، وخاصةً المرتبطة عبر أفراد فاعلين فيها مع المنظومة الأمنية المخابراتية أو منظومة الفساد الممنهج أو منظومة رجال الأعمال الكبار أصحاب المصالح مع النظام،  يكون اختيار الشخص لموقف معارض للنظام هو عبارة عن انسلاخ تام عن عائلته و أقربائه ومعارفه ومحيطه كاملاً. ومن تجليات هذه الحالة أنك عندما تعلن موقفاً علنياً من النظام قد تُفاجَأ بأقرب الناس إليك يهاجمونك علناً ويتسابقون في الإساءة إليك قبل الغريب، وقد لا تكون هذه رغبتهم الشخصية، لكنهم يفعلون ذلك بدافع الشعور الضمني أنهم أصبحوا في موقع المتهم وأنهم مطالبون بإظهار البراءة منك ومن موقفك.
كل هذه العوامل تجعل اتخاذ موقف معارض للنظام حتى بالنسبة للإنسان البسيط بمثابة "انشقاق كبير" في الكثير من الحالات ما يجعل الأمر ذو صعوبة بالغة ويتطلب جرأة استثنائية.

 

الشعور الزائف بـ ( أبويّة الدولة )

رغم ابتلاع النظام للدولة ومقدراتها، واستباحته للمال العام، والتصرُّف بخيرات البلد وكأنها ملكية شخصية، فإنَّ الشيء العجيب هو أن النظام تمكَّن من غسل عقول الكثير من الناس بحيث لا ينظرون إليه على أنه يسرقهم. بل على أنه بالفعل يمتلك الدولة ومقدراتها وخيراتها ومالها ويتكرَّم على الشعب في أي شيء يقدمه له، كالتعليم المجاني أو الطبابة المجانية مثلاً، أو ما يدعى بالمكرُمة الرئاسية، وأن الشعب يجب أن يشكر الحاكم على ذلك وكأنه يقدِّم شيئاً من جيبه الخاص!

هذا الشعور هو نتاج استراتيجية طويلة ابتدأها نظام الأسد الأب منذ مرحلة مبكرة، تقوم على تحويل جميع الناس إلى موظفين، والتحكم المتقن بأن تبقى غالبية الشعب فوق خط الفقر، لكن تحت خط الاكتفاء، بحيث لا يصل الشعب إلى مرحلة الفقر المدقع الذي قد يؤدي للانفجار، لكنه يبقى في الوقت ذاته منهمكاً في تحصيل أساسيات العيش وتنحصر همومه في هذا المجال دون الانتقال إلى التفكير بهموم أخرى كالحرية. إن هذه الاستراتيجية مع وجود حالة الخوف الدائم من الأجهزة الأمنية، ومع وجود احتمال كبير جداً في التورط في منظومة الفساد (الراشي والمرتشي) في خضم الكفاح للقمة العيش. كل ذلك يساهم معاً في خلق شعور مزيج من الشعور بالخوف والرهبة من جهة، ومن جهة أخرى الشعور بالحاجة والتعلُّق والاعتماد على (الدولة) والامتنان لها، بما يؤدي إلى حالة عجيبة وفريدة من اللهاث نحو كسب رضا (الدولة) ممثلةً بأجهزتها الأمنية وتقديم فروض الولاء والطاعة.

هناك كثيرون يقفون إلى النظام من باب (الوفاء)، وهذا يشمل شرائح مختلفة من أبسط البسطاء الذين يعتبرون بطيبة ممزوجة بالسذاجة أن النظام "مفضِّل عليهم"، وأن وفاءهم للوطن الذي أكلوا من خيراته وشربوا من ماءه يجب أن يعبروا عنه بوفائهم للسلطة الحاكمة، إلى بعض الأشخاص الذين شغلوا مناصب في الدولة ونالوا بعض الامتيازات أو بعض الفنانين الذين تلقوا دعماً ما في مرحلة من المراحل ويشعرون بامتنان أخلاقي للنظام. رغم أن الوفاء يجب أن يكون للشعب الذي هو وحده صاحب الفضل عليهم، وهم لم يحصلوا على شيء من جيب السلطة أو بمكرمة منها بل إما بجدارتهم الشخصية أو من خيرات البلد ومال الشعب، أو الاثنين معاً. وإن كانت السلطة مستحوذة على مقدرات الدولة والشعب بدون مساءلة فهذه نقطة لا تؤخذ لها بل تؤخذ عليها، وهي بحد ذاتها أكبر مصدر إدانة لطبيعة نظام الحكم في البلد.

 

تقييم الثورة على أساس الواقع الحالي:

وهي مغالطة كبيرة جداً مبنية على سلسلة من المغالطات. أولى هذه المغالطات هي حتمية اختيار الشعب لأحد خيارين جاهزين معلبين مفروضين عليه وصولاً إلى نظرية اختيار السيء على حساب الأسوء، رغم أنَّه عندما تكون الخيارات المتاحة كلها سيئة يكفي أن يكون الشعب بأغلبيته واعياً لذلك فيرفضها كلها لأن هذا الوعي بحد ذاته يشكِّل حوامل شعبية حقيقية قادرة على إنتاج حلول من خارج الصندوق وأن تصبح هذه الحلول جزءاً واسعاً من المشهد و"الواقعية السياسية" التي تحكمه.
أما المغالطة الثانية التالية لها والمبنية عليها، فهي اعتبار أن كل ما أفرزته السنوات التالية لبداية الثورة من 2011 وحتى اليوم من فوضى وعبثية وتدمير وقتل ومشاريع جهادية ومشاريع خارجية تدميرية هي (الثورة) أو (نتاج الثورة). فيقولون: نار النظام الاستبدادي كانت أفضل من حريتكم المزعومة. وهنا يعودون إلى نظرية السيء والأسوأ ويضعون واقع ما قبل 2011 مقابل واقع الدمار اليوم ويسمون الأول (نظام) والثاني (ثورة) وتكون النتيجة الطبيعية اختيار الأول.
رغم أنَّ ما نعيشه اليوم هو بالدرجة الأولى نتاج عقود حكم الأنظمة الديكتاتورية وما حصل خلالها من تصحُّر تام للحياة السياسية، وقيام هذه الأنظمة باغتيال أي مشروع توعوي تحرري حتى على الصعيد الفكري أو الاجتماعي. وهنا ننتقل للمغالطة الثالثة أنه يجب على الثورة لكي تكون ثورة حقيقية أن يكون لها مشروع واضح وتنظيم عالي وقيادات معروفة، إلَّا أنَّ الظروف المذكورة تجعل ذلك من سابع المستحيلات. وتجعل من الضرورة الحتمية أن أية ثورة قادمة بعد هذا التصحر السياسي والخنق الأمني ستمر بـ (مرحلة وجدانية) تتمثل بانفجار شعبي عنيف قبل أن تتطور إلى مرحلة (الفعل السياسي المنظم). ومن الطبيعي أيضاً أن تطول هذه المرحلة ويتم تجميد الثورة عند مرحلتها الوجدانية البدائية واستغلالها في اتجاه آخر عندما تُحاصَر من نظام مجرم لم يتردد في ممارسة أقصى درجات العنف من جهة، ومن قوى خارجية ودول إقليمية ذات مصالح تتناقض مع أهداف الثورة الحقيقية الممثلة لتطلعات الشعب المتعطش لحريته وكرامته.
رداً على هذه النقطة سوف يقول البعض: إذاً لم يكن يجب منذ البداية أن تقوم هذه الثورة. وهنا تظهر المغالطة الرابعة من خلال النظر إلى الثورة على أنها كانت قراراً اتخذه الشعب أ, خطط له، وليس على أنها حالة وحدث أفرزه سياق التاريخ بشكل مفاجئ بعد تضافر العوامل الذاتية والموضوعية من جهة والعامل الخارجي المتمثل بموجة الثورات العربية من جهة أخرى وصولاً إلى شرارة الانفجار (ولا فرق إطلاقاً في هذا السياق أن تكون هذه الثورات مؤامرة أو غير ذلك، فإن كان الأمر مؤامرة كان النظام إما رأس الحربة فيها أو الأرضية شديدة الخصوبة لها). وبالتالي يكون التفكير السليم أنه يجب علينا على أساس الواقع الجديد الذي أنتجه هذا الحدث المفصلي أن نرتِّب خياراتنا ونبحث عن مصلحتنا. وليس أن نطرح جدليات مثل: (أين كنا وأين أصبحنا) و(كنا عايشين) و(ما بدنا هيك حرية). لكن هل من السهل إقناع الإنسان البسيط بمضمون هذا الطرح...؟!

 

الخوف من المجهول:

حيث إنَّ الخائفين من التغيير يشكلون حاضنة واسعة جداً في أي مجتمع، ويصبح هذا الخوف مشروعاً أكثر عندما نكون أمام حالة مثل التي تعيشها بلادنا اليوم، فغالبية الشعب السوري لديها خوف حقيقي من الفوضى والانفلات الأمني وتقدُّم المشاريع الجهادية المتطرفة والأمر لا يقتصر هنا على (الأقليات الدينية)، ولن أُسهِبَ كثيراً هنا لأن معظم ما يمكن قوله في هذا السياق مشمول في الفقرة السابقة من حيث مغالطة ربط هذه المخاوف المشروعة بفكرة الثورة، وليس بفكرة الواقع الجديد الذي هو نتاج حقبة طويلة وأن العودة للواقع القديم هو أمر تجاوزه الزمن ولا يمكن أن يزيل تلك المخاوف أساساً.
كما أن هذا المحور يفرز ضرورة حاسمة لكل من يؤمن بالثورة اليوم أن يعمل على إزالة هذه المخاوف، وهو أمر يحتاج بحد ذاته لبحث مطول وخارطة طريق لخطوات واقعية وجادة.

 

متلازمة ستوكهولم:

وهي عبارة عن ظاهرة نفسية معروفة تصيب الإنسان بحيث يتعاطف مع عدوه أو جلاده عندما يقبع تحت رحمته وينتهي به المطاف إلى أن يتبنى أفكاره ومنطقه في رؤية الأمور. وإنَّ مكمن هذه الظاهرة هو في كونها استراتيجية دفاعية يمارسها العقل اللاواعي لتخفيف الشعور بالخطر عندما يتبنى الإنسان نفس اتجاه جلاده، ولكي يتغلب على شعوره بالعجز في مواجهة هذا الجلاد.

تخيلوا مثلاً حالة التناقض الداخلي التي يمكن أن يعيشها أب على درجة عالية من الأخلاق عمل طوال حياته على تلقين أولاده مبادئ العدل وإحقاق الحق وعدم السكوت عن الظلم، ثم يصطدم بواقع ظلم النظام وجرائمه ومجازره ويجد نفسه في موقع الخوف على نفسه وعلى عائلته وأولاده أنفسهم إن اعترض مجرد اعتراض بسيط على هذا الواقع ويجد نفسه بالتالي مضطراً للاستسلام لتلك المخاوف. من أجل حل هذا التناقض يتم في اللاوعي تفعيل تلك الاستراتيجية الدفاعية بحيث يقنع هذا الأب نفسه برواية مختلفة كلياً لما يحصل ويدخل في حالة عميقة من إنكار الواقع لكي لا يعترف أمام نفسه في المرآة قبل أن يعترف أمام أولاده أنه خائف وعاجز عن الدفاع عن كل ما تسلح به طوال عمره من مبادئ وعلمها لهم، بل يحتال على نفسه لتجميل الأمر وتصويره على أنه خيار أخلاقي.

 

وجب في الختام أن أشير إلى ملاحظة هامة، وهي أن المقال يتطرق إلى "العقلية الموالية" التي تحكم عقول الكثير من الناس الموالين للنظام وليس إلى "العقلية الأسدية" التي تتجلى في المجرمين والقتلة وسفكه الدماء. كما أن هذه المقاربة السيكولوجية لا تشمل أصحاب المصلحة المباشرة المنتفعين من النظام وسياساته الإجرامية فهؤلاء أسبابهم ودوافعهم معروفة ولا داعي للخوض في تحليلها.

 

علِّق