عدد القراءات: 5778

سؤال اللاعنف في العام الرابع من عمر الثورة السورية

في مطلع القرن الماضي كتب الفيلسوف المسلم المشهور محمد اقبال ديوانا شعريا وكان عنوانه:

والآن ماذا نصنع يا أمم الشرق؟

وأنا أيضا وإذ يحضرني العنوان، يحضرني سؤال أيضا، لكني لن أوجه هذا السؤال إلى أمم الشرق كما فعل محمد إقبال رحمة الله عليه، بل سأوجهه إلى دعاة اللاعنف والعمل السلمي كأسلوب في مواجهة الظلم والاستبداد في سوريا وفي العالم.

فأقول لهم والآن ماذا نصنع أيها اللاعنفيون في العالم عموما وفي سوريا بشكل خاص؟

ولنتفق على أن نسمي هذا السؤال: سؤال اللاعنف في الثورة السورية في عامها الرابع الذي يوشك على الانتهاء، أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال تقتضي الإجابة على الأسئلة التالية:

أولا: ماذا قدم اللاعنفيون للثورة السورية؟

ثورة شباب سوريا الروح والانطلاقة:

اندلعت الثورة في سوريا، وحمل عبئها الأكبر شباب بكر، لم ينخرطوا في الشأن العام من قبل أبدا، لكن مع تقدم الثورة وتعاظم جمهورها ودخولها حيز الاهتمام العالمي، ضاعف نظام الجريمة في دمشق من كميات العنف التي كانت غير ممكنة التصور منذ اللحظة الأولى للثورة، لقد جاوزت الفظاعات التي يرتكبها النظام كل معقول، فقد أسس سياسته القمعية في اقتراف الجريمة على اللامعقول والذي لا يمكن أن يصدق، لقد كان هذا رهانه في الدفاع عن جرائمه، لأنك عندما تتحدث مع انسان سوي عن مستوى وطبيعة الجرائم التي يرتكبها النظام والتي تكون في الغالب جرائم معاشة تحت سمعك وبصرك سيقابلك المستمع بقوله غير معقول ولا يصدق لا يوجد من يفعل ذلك! وإذا كان المستمع يكن لك بعض الاحترام والصدقية سيتقبل منك ذلك، ولكنه سيعتقد أنك تبالغ كثيرا أو قليلا، هذا هو خط الدفاع الأول والفعال عن نظام الجريمة في سوريا.

لكن هذا القمع الذي بلغ هذا الحد من الفظاعة والوحشية، لم يوقف الثوار ولم يفت في عضدهم، ولم يوقف تدفقهم للميادين، وكان يوم الجمعة بالنسبة لي هو مشعر اتجاهات الثورة واندفاعاتها، وهذ الدور لعبت فيها كمرات الثوار الشاب الخاصة غير الاحترافية، دورا كبيرا، فقد وقع على عبئها نقل وقائع الحراك الملتهب في الساحات، وأعمال القمع الوحشة التي تمارسها السلطة، والتي لم يكن في خياراتها ما هو أقل من الرصاص الحي، الذي كان يمارسه قناصون محترفون يستهدفون من خلاله النشطاء الذين يبدون قدرا من الفاعلية والتأثير على جماهير الشباب، إضافة إلى اعتقال النشطاء السلميين وأخذهم إلى مراكز الأمن حيث كانوا يلقنون دروسا في العنف الوحشية بهدف كسر إرادتهم وإعادتهم إلى الحظيرة، لكن يبدو أن وعي الشباب وعزيمتهم قد تخطت هذه الحدود، ولم يكن في واردهم التراجع ولم يخطر على بالهم التردد، لقد كانوا واثقين بقدرتهم على اسقاط الطاغية فقد فعلها شباب تونس من  قبل، وفعلها شباب مصر من قبل، ولن يكون شباب سوريا أقل قدرة أو عزما وتصميما، رن جرس الهاتف في منزلي ورفعت قبضة اللاسلكي لافاجأ أن المتكلم على الطرف الثاني هو صهيب أبني الأكبر الطالب في كلية اللغة الإنكليزية في السنة الأخيرة، وصوته يفيض عزما وبشرا وتحديا وتصميما وكان قد اعتقل في 11 4 2011 وفهمت من لحن القول وطريقة الحديث أنه قد أطلق سراحه، فقلت له الحمد لله على السلامة، فقال ما زلت في السجن أنا أتحدث من سجن (عذرا)، وهذا كان حال معظم الشباب، فقد أدخل إلى منفردتي في أحدا الأيام ثلاثة شباب أصغرهم في عامه السادس عشر، وهم غارقين في دمائهم وثيابهم ممزقة، قمت بمعاينتهم والاجابة على تساؤلاتهم والاستماع لشكاواهم، لم يتحدثوا كثيرا عن الألم والدماء وما ينتظرهم من دروس الوحشية، كانوا يتحدثون معي عن رؤيتي للحدث، وعن المبادرات السياسية، وتحدثوا بيقين مطلق عن قدرتهم على خلع الطاغية بأجسادهم وقبضاتهم الفارغة، أثناء فحص أصغرهم كان منظر جسمه يدمي قلب من لا قلب له، وهنا خطر لي أن تأثير هذه الوحشية على عزيمته، فقلت له ماذا ستفعل عندما تخرج، قال سأعود للساحة والتظاهر، هل يعتقدون أنهم بضربي بهذه الطريقة يمكن أن يهزموا إرادتي؟

هذه الروح التي تجاهلها العالم، وهذه العزيمة التي تواطأت عليها السياسيات العالمية والمصالح الدولية هي التي أطلقت شرارة الثورة السورية منذ سنوات أربع وما زالت تحمل روحها عبر هذه السنوات، رغم الممارسات الوحشية التي يصعب أن يتصورها عقل!

وهؤلاء هم الشباب الذين دشنوا الثورة السورية، وكسروا حاجز الخوف، وكفروا بعبودية الفرعون وصرخوا بصوت عال، الله سوريا حرية وبس، كما كانوا يفتتحون  مظاهراتهم ودعواتهم للتظاهر بحضور رجال الأمن المدججين بالسلاح المتحفزين للبطش والانتقام، بنداء (الله أكبر)، وهو نداء لم يكن له من المضامين الدينية أكثر مما كان له من المضامين الاجتماعية السياسية، فقد كان الطاغية الصغير متألها في سورية، وكان السوريون يؤلهونه وإن لم يعلنوا ذلك، فقد كان هذا الرجل لا يسأل عما يفعل، لا مبدل لأمره، ولا راد لحكمه، ولا معقب لكلمته، وهي صفات الله سبحانه وتعالى كما يذكرها القرآن الكريم.

كان اللاعنفيون السوريون رأس حربة متقدم في هذا الحراك، بل ربما كانوا  الجمر تحت الرماد الذي لم تخمد جذوته في المجتمع السوري طيلةسنوات الخوف التي عاشها السوريون، فاللاعنفيون وقد حلوا مشكلة العنف على الصعيد الروحي تمكنوا من كسر حاجز الخوف في وقت مبكر جدا بالنسبة للثورة السورية، ولذلك بدأ حراكهم قبل جميع السوريين بوقت طويل، بل يمكن أن نقول أن حركتهم لم تتوقف على الاطلاق في سنوات الخوف، وثمانينيات القرن المنصرم العجاف، فقد كانوا الصوت الأعلى عندما انقطعت جميع الأصوات، وكانوا المعارضة العلنية الوحيدة عندما غابت أو خبت جميع الأصوات المعارضة، بل وربما - وأنا أتحدث هنا عن جنوب سوريا – كانوا مصدر القلق الوحيد لنظام يشعر بالقوة والتحكم الفائق والسيطرة المطلقة، ليتفاجأ بنمط من السلوك غير المنضبط بالنمط الأمني الحاكم لسلوك السوريين، نمط من السلوك المتحرر من هاجس الخوف ورعب الأمن، يستطيع القول في عالم يحرم فيه القول، بل يقول في حضور القوة اللامتناهية لجهاز الأمن، أكثر مما يقوله عنه المخبرون والعيون، نمط من الناس لا يمكن إرغامه على الصمت في مملكة الصمت، لا يظهر عدوانية إزاء النظام ورموزه، ولا يتردد في الاشارة إلى الأخطاء والمخالفات، ومع ذلك فهو يطرح انتقاداته ويعبر عن مواقفه بطريقة لا يمكن إدانته من خلالها، ولا يمكن إيقافه كذلك، لكن هذا النمط من السلوك لم يكن له جمهور واسع، وربما كانت صعوبة عدوى الجمهور بهذا النمط من السلوك، إضافة إلى إحساس النظام بالتحكم الفائق والسيطرة المطلقة، كذلك بالإضافة إلى علمية وسلمية وإنسانية المنطلقات التي يطرحها، كل ذلك ملفوفا بغلاف من النزاهة والصراحة المذهلة وغير المعهودة، أقول ربما ساهم كل ذلك  في جعل النظام يتعامل مع هذا الاتجاه بنوع من الأريحية الغريبة وغير المتوقعة أو المعهودة من نظام القمع في سوريا.

كذلك كان درس الشيخ جودت سعيد الخارج عن القانون في جنوب غرب سوريا، والذي جعل الحضور الأمني والمضايقات رواده يقلون عن العشرين في أغلب الأحيان، مصدر عدم ارتياح مستمر، رغم أن ثلاث جهات أمنية في الغالب كانت تحضر الدرس، لكن تطرق الشيخ للشأن العام وحديثه المستمر عن مشكلة السلطة وتحدي الديمقراطية، وذكره المستمر لسجناء الرأي، كل ذلك جعل إيقاف الدرس تحديا كبيراً، أخذه الأمن العسكري على عاتقه، ولما كان معظم حضور الدرس من ريف درعا قرر الأمن العسكري منعهم من دخول مدينة بئر عجم حيث يقام الدرس، إلا بالحصول على تصريح منه حصرا، وحيث أن الهدف هو منع الدرس، فلم يحاول أحد فيما أعلم الحصول على التصريح المطلوب، وبعد أن أصبح الأمن يضع دوريات على مداخل البلدة لمنع وصولنا للدرس، قررنا نقل الدرس إلى ريف درعا الغربي، في منازل المهتمين، واستمر الأمر على هذه الحال، ولم يتوقف حتى قيام الثورة، وانتشار الجيش، وتقطع طرق الانتقال بين المدن والقرى في مدينة درعا وريفها، وبينها وبين المحافظات القريبة، كالقنيطرة والسويداء ودمشق.

ربما كان النشاط السلمي الأكثر بروزا والأكثر جماهيرية ما قام به نشطاء مدينة داريا، لكن جماهيرية الحراك، ونزوله للشارع، وقربه من المدينة، وخوف النظام من عدوى الحواضر الكبيرة في ريف دمشق، وكذلك عدم وضوح فكرة اللاعنف أو التباسها على الأقل في أذهان الأمن فيما يتعلق بسلوك الناشطين، كل ذلك لم يجعل الأمن يصبر عليهم كثيرا لينتهي الأمر باعتقالهم، وزجهم في السجون، بعد عرضهم أمام محكمة أمن الدولة سيئة الصيت والسمعة، بتهم مختلقة ملفقة وغير حقيقة في معظمها، وليقضوا فترات متفاوتة في السجن، أخرجتهم أكثر قوة وصلابة ونضجا، وكانوا هم رمز الحراك السلمي المنظم المميز في الثورة السورية.

كان اندلاع الثورة السورية السلمية دما جديدا دفق في عروق المجتمع السوري وملأ الجميع بالتفاؤل والأمل، وانخرط اللاعنفيون على اختلاف موقعهم في الحراك ........يتبع

 

هوامش

1-  التقيت في سجني الثاني في الشهر الخامس لعام الفين وإحدى عشر، مع أحد قدماء المعارضين الذين سجنوا لسنوات طويلة، كان محبطا يائسا، لا يصدق أن يتمكن السوريون من زلزلة نظام الطاغية، فقلت له إن الأمور تختلف هذه المرة، لقد وقفتم سابقا في وجه النظام وكان الأمريكان في ظهوركم، فألقوا بكم بين يدي النظام، لكننا الآن يقف خلفنا شعب سوريا! لم يصدق أن السورين قد استيقظوا! وكان في يقينه أن النظام صادق عندما كان يقول: (خلصت)! فتحديته على أخبار الجمعة التالية واتجاهات الحراك الثوري فيها، وفعلا جاءت الجمعة التالية لتثبت اتساع الحراك وامتداده وارتفاع حرارته، ورأيته من بعيد في صلاة الجمعة، فأشرت له فأشار رافعا إبهام يده اليمنى معلنا الموافقة والتأييد مع ابتسامة عريضة لم ارها على وجهه من قبل.

2- حصلت على مواقفة الأمن السياسي للخطابة في مسجد عمر بن الخطاب في بلدة نمر في أواخر الشهر الثامن من عام 1993 واستدعيت بعد عام في قصة طويلة ولقاء مثير إلى فرع الأمن العسكري في السويداء- وكانت المرة الأولى التي أذهب فيها للمدينة - عدا ذهابي في الرحلات المدرسية - لألتقي رئيس قسم المعلومات( في فرع الأمن العسكري الحاكم الفعلي لجنوب سوريا) في جلسة استمرت أكثر من ساعتين فاجأتني كثيرا، لكنها افادتني كثيرا أيضا، انتهت بودية واحترام بالغين، وبخبرة متميزة بالنسبة لي، فقد اكتشفت الانسان داخل رجل الأمن، واستطعت أن ألمس النفخة من روح الله الموجودة داخل قلب كل إنسان، والتي يقول عنها هابرماز : (إن كل إنسان حليف بالفطرة ضد الخيانة) لكن  رغم ذلك، فإن الضابط المسؤول عبر في نهاية الجلسة عن خوفه من نمو مثل هذا السلوك بين المواطنين وعبر عن ذلك بقوله: يا دكتور أنت ....... كلمات مديح... لكن وبصراحة أقول أنت خطير وبتخوف!  فتساءلت وقلت سيدي أنا لا أستطيع أن افهم ما تقول كيف يكون من تصفه بأنه ......... خطير ومخيف؟ فقال بالحرف: إذا أصبح الناس مثلك لا يخافون من المخابرات بتفلت البلد! قلت له هذا الكلام الذي تقوله حضرتك منطقي ومعقول لأول وهلة، لكنه على المدى البعيد خراب ودمار لمستقبل الوطن، قال كيف؟ قلت له إن كنت تراهن على مواطن جبان جاهل لا يعرف ما يفعل وكل الذي يعطيه لنا سهولة الانصياع، فأنت تراهن على دمار البلد وخرابه، ليكن رهاننا على المواطن الشجاع الذي يفهم الأمور - وإن كانت السيطرة عليه صعبة- لكننا على ثقة بأنه لن يدمر وطنه، نظر إلى طويلا ثم قال خير.

3- كانت العبارة الأخيرة في التقرير الذي حولت على أساسه إلى فرع السويداء في الشاهد الأول: يتكلم بمنتهى الصراحة والوضوح وكأنه لا يجلس في مركز أمني! وبعد الحديث قليلا في فرع السويداء مع المحقق فاجأته الصراحة وايقظت الإنسان في داخله، فقاطعني وقال أرجو المعذرة دكتور لسوء الفهم، فنحن لم نعتد على مواطن يتحدث معنا بالصدق والصراحة التي تفعل، نحن اعتدنا على من يكذبون علينا بطريقة مفضوحة تفقد الإنسان كل احترام، ولم يسألني بعدها عن شيء حتى جاء وقت مقابلة رئيس القسم.

علِّق