عدد القراءات: 765

زائد ثورة ناقص ثورة ...

تشبه العمليات الحسابيّة، فالمنطق وسيلتنا الاستدلالية لمعرفة الواقع بالقياس، والقياس فعل وجود، فنعرف الشيئ بمدى تأثيره على الواقع، لنعرف حقيقة وجوده، هل كثافته الملموسة تقابل كثافته المحسوسة، وما دليل الكلام من أصل الفعل، بهذا نتلمس ما إذا بقيت ثورة على الأرض التي انطلقت عليها، أم هي روايات عن ثورة مرّت من هنا !

يزعم الكثيرون أن الثورة قد انتهت، مشيرين الى أن ما يجري في سوريا الآن ليس هو الأمر الذي توقفت حياتنا من أجله، نقطة انطلاق الثورة، حيث كل شيء توقف حتى وإن كنا نواصل بشكل جزئي روتيناً يومياً، إلا أن فكرة اليوم والغد وما سيحصل، عطلت عملية التفكير الروتيني، الذي بدا سخيفاً أمام فكرة الطريق نحو الحريّة، على هذا كان تحولا كبيرا قد حدث ولو على المستوى الوجداني، وما تلاه من أحداث تسارعت، من تشكّل نواة مسلحة للدفاع عن النفس، حتى تَأصّل الصراع واختراق فكرة التسليح لكل الشقوق الصغيرة في جيوب الحياة اليوميّة، ما جعل نقطة التحوّل الأولى للثورة، تتحول تحت تأثير الصدمة من كل ما جرى خلال سنوات ست، ضاغطة الأحداث كلها بوهلة واحدة، لتعيد تشكيل ذاتها على هيئة لحظات ذهول ! ما الذي يجري وماذا حصل وأين راحت الثورة؟! يبدوا أنها انتهت ...!

 

سُحب تحجُب الرّؤية...

في الثامن من آب لعام 2014 ، ودون صيحة حرب أو إسم للمعركة (على غير عادة الولايات المتحدة)، أطلقت القوات الأمريكية أول غارة جوية استهدفت مستودعات أسحلة تابعة لتنظيم الدولة "داعش"، وكان ذلك في اليوم التالي لتصريح الرئيس السابق "باراك أوباما" أن الأوضاع السيئة في العراق، والاعتداءات على "الايزيديين"، ولوقف تمدد المسلحين الى قلب أربيل عاصمة كوردستان، قررت الإدارة الأمريكية التدخل المباشر واستخدام القوة. وفي أيلول من نفس العام، أعلن أوباما عن البدء بالعمليات العسكرية في سوريا، تلاه بأيّام أول تدخل فرنسي عسكري ولوجستي، حيث بدأت بتدريب القوات الكوردية في كوردستان، وهكذا بدأت الدّوَل تتهافت للانخراط في (الحرب على الإرهاب) بشكل مباشر، أيام قليلة مرت وبدأت الولايات المتحدة وبذيلها كل من البحرين والأردن وقطر والسعودية والإمارات، بتوجيه ضربات في سوريا وكلها ((ضد الإرهاب)) لم يحتاج الأمر لأكثر من أيام أخرى حتى وصل عدد الدول التي انخرطت في التحالف ضد الإرهاب عشرين دولة، ليس أيّ منها ينظر للأسد على أنه هدف عسكري أو جزء من الإرهاب في المنطقة، ولا الى الثورة على أنها جزء من الحل ..! ما جعل رؤية الحراك الثوري يحتاج لعدسات مكبّرة...!

قبل هذا كانت الأمور تسير على نحو متواتر، من تقدم للثوار أو (قوات المعارضة)، وتراجع نسبي لقوات الأسد، تتخلله كبوات للثوار، وتصاعد في عدد القتلى، ورغم كل هذا، كان مازال للثورة مكان، ولازال للحراك المدنيّ بقيّة بأشكالٍ مختلفة. حتى تختلط الأوراق من جديد، ويظهر لاعبون جدد، في كل مرة كان يظهر لاعبون جدد، وتتغير ملامح بعض اللاعبين الأساسيين، إما بعملية "تطوّر"، كتحول القسم الأعظم من الجيش الحر لفصائل إسلاميّة تقاتل تحت راياتٍ متعددة الأهداف حسب جنسيّة التمويل، أو بعملية "نكوص"، كعودة بعض المعارضين ((لحض الوطن)) أو تكشّف جديد للوجوه المتعددة الاستعمالات من قبل بعض الأطراف والمقاتلين والداعمين !

 

استجرار تنظيم القاعدة و"جبهة النصرة" بمراحل تكونها الثلاث :

التغلغل في الناس وبناء الجسور - العمل الجاد والغموض التام - كشف الوجه وحصد الثمار. حتى وصلنا لآخر تحديثٍ لهذا التنظيم بقالب "فتح الشام" الذي صار أصيلاً في المكان، وله ما لأهل البلد من نصيب !

فضلاً عن ولادة تشكيلات عديدة، أسماءٌ كثيرة ما الهدف سردها، لكن بقياس أثرها، وتمددها وبقائها، كفعل وجود، كان تنظيم الدولة "داعش" الذي أخذ بُنيّة التطوّر الدويلاتي، على المحملين الزماني والمكاني، شعاراً له كَلَبِنَة للبناء ومنهج للأتباع، فكان سلوغان "باقية وتتمدد" أسلوب حياة وليس هرجاً مبنيّ على النِكايَة، كما ظنّه الكثيرون.

كل هذا الى جانب الصراعات الداخلية في صف الثورة أثناء حربها مع النظام والإرهاب، والجيوش العرقيّة و المذهبيّة التي نشأت في ظلّ هذه الحرب، وكلها تدور في حلقة مفرغة من ضرورة القتال من أجل التفرّغ لقتال آخر، في ميدان تسعى جميع الأطراف الدولية لجعله يستمر كما هو في توازن نسبي للقوى، يتصاعد بشكل متوازي بين جميع الجيوش المقاتلة،(مع الحفاظ على الأفضلية للنظام وداعميه بالسلاحين الجوّي و الكيميائي) ما يرفع سقف المجازر، ويثَبّت عدد يوميّ للقتلى و الجوعى والمفقودين، بشكل متصاعد أيضاً، لتغدو الحرب عادة يوميّة تأسّس لاستئناف التفكير الروتيني بدون توقع أي لحظات توقفٍ لأيّ تحولاتٍ من أيّ نوع، فيبدوا هنا (انتهاء الثورة) أمر حسن، بانتظار انتهاء قائمة الأشياء التي تليها (معارك - قتلى - حصار) بعد اقناع الذهنية الشعبية أنها من نتاج الثورة !

 

ثورة بالأرقام...

للإجابة على أي سؤال يتعلق بوجود الثورة، نهايتها أو بقاياها، يأتي الحكم في هذه المرحلة بناءاً على منطق الأرقام بقياس ردّ الفعل الجمعي الحر، أو الموجّه أيديولوجياً وحزبياً. وبما أنه من الصعب تحقيق رصد دقيق للرأي العام حالياً، نذهب للقياس التاريخي لثورات العصر الحديث، بدءا من الثورة الفرنسية التي أعطت التعريف العلمي لكلمة "ثورة" بناءا على مفهومها الدارج (ثورة شعبيّة ضد نظام دكتاتوري من أجل التغيير السياسي)، مرورا بثورات الربيع العربي. فنسلّم منطقياً بأن الثورة السورية من حيث:

  • المدة الزمنية متقاطعة مع الإنجاز: شكلت تقدماً في عالم الثورات الشعبية، من حيث التفاعل السياسي، وعدد الأحزاب الحديثة، المناطق الخارجة عن الإرادة السياسية للنظام، وعدد مناطق الإدارات المحلية. بالنسبة لعمرها البالغ سبع سنوات.

  • التفاعل الجماهيري: بلغت نسبة المشاركة الشعبية في الثورة السورية أعلى من المعدّلات المعروفة للثورات والذي يقارب 2% من أصل عدد السكان، حيث وصلت الثورة في أشهرها الثمانِ الأولى لنسبة 10%، غير أن العدد الفعلي للمنخرطين فيها بناءاً على أعداد الملاحقين والمعتقلين والقتلا و المغيبين و المهجّرين من قبل النظام، محسوباً على آخر إحصاء للتعداد السكاني 23 مليون، نجد أن نسبة المشاركة المؤثّرة بلغت أكثر من 50%، مع عدم حُسبان الفئة الكبيرة التي مازالت تحت القبضة الأمنيّة المباشرة للنظام الغير قادرة على التعبير. وستبلغ النسبة رقماً أكبر لو طرحنا نسبة القوات السورية التابعة للنظام، ولن أتحدث عن استثناء أرقام أخرى بناءاً على الولاءات الطائفية و المذهبية.

نحاول هنا فيما يحاول آخرون تفنيد فكرة (انتهاء الثورة) بطريقة حسابيّة لعلّها تقنع من ترفّعوا عن الحس الجمعي القائل ببقاء الثورة، مرة بالأرقام، ومرة باستجرار ملامح الثورة الأصيلة، محاولين اسقاطها على الواقع الهزيل، لإسمانِه بنوعٍ من التكرار للمبدأ القائل:

 

الثورة في البدءِ كانت فكرة، والأفكار لا تموت...

 

علِّق

المنشورات: 4
القراءات: 3584

مقالات الكاتب

الزمن السوري
الزمن السوري
وجهات نظر