No votes yet
عدد القراءات: 4884

روسيا تختلق أخباراً كاذبة عن أسلحة تهدد الديمقراطية الأوروبية

الكاتب الأصلي: 
Julie Lenarz
تاريخ النشر: 
26 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

في الأيام الأولى من العام الجديد نشرت صحيفة مغمورة من جمهورية الدومنيكان أخباراً مفادها أن الولايات المتحدة تعتزم نشر 3600 دبابة في أوروبا الشرقية كجزء من عملية "إعادة حرب الناتو ضد روسيا"
يعتبر هذا الخبر مثالاً كلاسيكياً للأخبار الوهمية حيث تسحب ذرة حقيقية من سياقها وتنسج حولها القصص لتنتج جبلاً من المبالغات والهيستريا وكل ذلك في خدمة أغراض سياسية.
كانت الولايات المتحدة قد أعلنت سابقاً تعزيز وحداتها المدرعة في أوروبا، بما في ذلك 87 دبابة و 18 عربة دعم 419 همر و 144 عربة قتال برادلي. 688 عربة مدرعة من مختلف الأنواع أصبحت فجأة 40% من جميع الدبابات الأمريكية ويجري نشرها أيضاً في أوروبا الشرقية.
ولكن وبغض النظر عن الحقائق فقد انتشرت القصة كالنار في الهشيم في مواقع الإنترنت وفي غضون أيام أصبحت العنوان الأول بلا منازع في منافذ بيع الصحف في الولايات المتحدة وأوروبا وخصوصاً في الدول الناطقة بالروسية.
كان هذا مجرد مثال واحد من كثير من الأمثلة على الأخبار الملفقة التي قرأها خلال الأشهر الماضية ونشرها وأعجب بها عشرات الآلاف من الناس الذين يسيطر عليهم الخوف والغضب والاستياء.

من المهم أن نعرف السبب الحقيق لنشر هذه الأخبار الكاذبة وهو: تهديد الأمن القومي. الأخبار الزائفة ليست مجرد عناوين رنانة تصف الخلاف السياسي. إنها سلاح المعلومات بل هي إحدى وسائل الحرب النفسية التي تهدف إلى التأثير على الرأي العام وتحقيق مكاسب استراتيجية.
تلعب روسيا بذلك لعبة خطيرة محصلتها رابح واحد. يسعى الكرملين بقوة إلى تحقيق طموحاته الإقليمية والجيوسياسية على حساب دول غرب أوروبا، وأصبح نشر الأخبار الوهمية جزءاً لا يتجزأ ولا غنى عنه في هذه الاستراتيجية.
أتقنت روسيا فن الخداع منذ القديم وهي الآن تدمج هذا الفن مع التكنولوجيا الحديثة وتوجهها إلى السكان مستخدمة طرقاً تتجاوز بكثير قدراتنا على التفكير النقدي. بضخها لمئات الملايين في وسائل الإعلام المملوكة للدولة والشركات الخاصة، فإن موسكو أصبحت قادرةً على نشر الخرافات والأكاذيب بمهارة لا نظير لها واستطاعت بذلك التأثير وتشكيل المشهد السياسي في بلادنا.
ولقد شاهدنا جميعاً آلية الدعاية الروسية تعمل على قدم وساق خلال الانتخابات الأمريكية الأخيرة. من المرجح أن تنقل روسيا تركيزها إلى الدول الأوروبية حيث انتخابات مهمة تنتظر كلاً من ألمانيا وفرنسا وهولندا.
بنشر الأخبار الوهمية فإن الكرملين يتبع استراتيجية دنيئة لكنها فعالة. تبيع للناس الأخبار الكاذبة بشكل قابل للتصديق حيث تنسج في الأساس بناءً على نواة من الحقيقة. بذلك تزرع موسكو عدم الثقة بين المواطنين وحكوماتهم وتقوض العقد الاجتماعي الذي لطالما دعم المبادئ الأساسية للديمقراطية. هذا هو التهديد الخبيث المميت لشرعية النظام الحاكم في دول أوروبا الغربية.

من أجل مكافحة هذا التهديد الخبيث الماكر فإن علينا أن نعرِّف الأخبار الوهمية أولاً على أنها تهديد ونتعامل معها بما يتطلبه هذا التهديد. لفترة طويلة جداً تركت الحكومات الأوروبية مواطنيها يتعرضون لحملات الدعاية الروسية بينما الحكومات غارقة في غفلتها.
في أيلول من العام 2014 حذر الجنرال فيليب بريدلوف في قمة حلف شمال الأطلسي في ويلز من أن فلاديمير بوتين كان قد "شن أسرع وأقوى حرب خاطفة في التاريخ" يجب أن يكون هذا جرساً للاستيقاظ في أوروبا كلها بدلاً من ضغطهم على زر الغفوة لمتابعة النوم.
يبدو أن تدخل روسيا في انتخابات الرئاسة الأمريكية قد أيقظ أوروبا أخيراً من سباتها وراحت السلطات تحاول تدارك ذلك التضليل الإعلامي المنتشر.
ذكرت تقارير من مكتب الشؤون الخارجية الأوروبية أنه يعمل على إعادة تخصيص أموال لبرنامج إيست ستار كوم الذي أنشأه الاتحاد الأوروبي عام 2015 والذي يهدف إلى مواجهة الدعاية الروسية. ووفقاً للخبراء فإن المكتب قد جمع إلى الآن أكثر من 2500 نموذج عن "قصص منتشرة تناقض الحقائق على أرض الواقع" والتي نشرت بـ 18 لغة مختلفة على مدى 15 شهراً.

مع كل ذلك يجب أن يبقى دور الحكومات محدوداً. ففي البلاد الديمقراطية لا يمكن للحكومات أن تجعل من نفسها ملكة الحقيقة المطلقة. أما بالنسبة للمجتمعات فلكي تكون مجتمعات حرة ومنفتحة فإنها تحتاج حرية التعبير والانتقاد ومناقشة كل الأفكار والآراء المطروحة بالحرية الممكنة في ظل تدخل الحكومات بأقل قدر ممكن.
لأن الديمقراطية تلزم نفسها بمستويات أعلى من الحرية وتفرض قيوداً على دور وقوة سلطة الحكومة، فإنها بذلك تخوض حرب المعلومات هذه بيدين مقيدتين إلى الخلف.
ولكن في المقابل فإن ما يجعل الديمقراطية عرضةً للأخبار الملفقة الوهمية قد يكون نقطة دفاعها الأقوى. على الغرب أن يستفيد من المجتمعات المدنية القوية ويشجعها على المشاركة في الرد. فبالاستقرار الذي تقدمه الحكومات والمؤسسات القوية والجمعيات الخيرية ومؤسسات الفكر والرأي والمنظمات غير الحكومية والجماعات المحلية والأعمال التجارية والصحافة الحرة فإن المطلوب هو انتقادات صارمة وتمحيص للحقائق استناداً إلى مبادئ العقلانية والبحث العلمي لتفريغ ذلك الشحن السياسي والإعلامي الذي تحاول روسيا نسجه كحجاب على أعيننا.

--------------------------
لمحة عن الكاتب:
Julie Lenarz: مستشارة سياسية ومديرة تنفيذية في مركز الأمن الإنساني تركز على قضايا الشرق الأوسط وانعكاسات محاربة الإرهاب والحركات الإسلامية والتدخل العسكري.
 

علِّق

المنشورات: 56
القراءات: 574902

مقالات المترجم