No votes yet
عدد القراءات: 3307

روبرت فيسك في سجن المزّة العسكري في سورية يحاور الإرهابيين...!!- ترجمة السوري الجديد

الكاتب الأصلي: 
Robert Fisk
تاريخ النشر: 
20 تموز (يوليو), 2016
اللغة الأصلية: 

 

العنوان الأصلي:  المترجم السابق لتنظيم الدولة الذي تعلم لغة الكراهية

 

بصفته مترجماً لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، فقد كان "جان محمد يحيى" شاهد عيان عن قُرب على الرعب الممارس داخل دولة الخلافة. ويُحَدِثُ "يحيى" الذي يقبع الآن في سجن المزة السيئ السُمعة في دمشق، "روبرت فيسك" عن الجهاد وحماقة الحرب.

 

كان " جان محمد يحيى" مترجماً رسمياُ في صفوف تنظيم الدولة عندما اقتادَ الأخير سبعة  رجال مُدانين إلى ساحة "النعيم" المركزية في مدينة الرقة. وراحَ "يحيى" الذي حطَ رحالهُ في سوريا قادماُ من قيرغيزستان بعد عملية تجنيد إسلامية عالية الدقة والتدريب، يتكلم بهدوء شديد ويبتسم أحيناً فضلاً عن مُزاحه في سجن المزة العسكري والواقع على أطراف العاصمة دمشق. حيث كان لديه ما يكفي من الوقت لاستعادة ذكريات ما قد شهدهُ. كان كثير من الجهاديين شهود عيان على عمليات الإعدام تلك وفي أخد الأيام كنت بجانب الساحة عندما رأيت جَمعاً من الناس الذين سألت بعضهم " ماذا يجري؟!" وكان جوابهم أنه سيتم تنفيذ حكم بالإعدام. وكُنا قد طلبنا من مدير السجن السماح بإزالة قطعة القماش الغريبة التي كانت تحجب عينَي "يحيى" لدى اقتياده إلى داخل الغرفة.

راحت عينا "يحيى" ترمشان بسبب الضوء ثم رفع قدميه لِيُصارَ إلى تقييدهما. كانت لدى حراس السجن خشية كبرى من أن "يحيى" قد يحاول القفز من النافذة والهرب قبل أن يغادر مدير السجن ورجاله الغرفة نزولاً عند إصرارنا. أخبرنا "يحيى" بأنه ليس مُجبراً على الحديثِ معنا وأن بإمكانه احتساء القهوة أو الدردشة فحسب، لكنه أراد الحديث. يقول يحيى: أخبرني الناس بأنه سيتم إعدام أحد الرجال لارتكابه جرماً إذ اتُهِمَ بتفجير قنبلة في إحدى الساحات لكن الحادث لم يسفر عن ضحايا و كما قام التنظيم باقتياد ستة رجالٍ آخرين إلى الساحة أيضا. اعترف أولهم بتفجير القنبلة في الساحة بينما وقف خلفهم أحد المقاتلين المُقَنَعين يتلوا أحكم الإعدام ثم طلب منهم الجُثو. كان هناك رجل يقف خلف كل متهم، سبعة مقابل سبعة!. أطلق المقاتلين النار على رؤوس المتهمين من الخلف. تبادرَ إلى أذهاني أن ما قام  به هؤلاء العناصر كان عملاً صائباً وذلك لأن "المفتي" تلا أحكام الإعدام أيضاً، في نهاية المطاف كنتُ من بينهم.

في الوقت الذي يقول فيه "يحيى" أن يديه لم تتلطخ بالدماء أبدا، إلا أنه كان بالفعل من بين الذين نفذوا الإعدامات. ويصف "يحيى" ذو التسعة عشر ربيعاً و المُنحدر من مدينة " اوش" في وادي "فرجانة" في قيرغيزستان، كيف أنه أقسم على الولاء لتنظيم الدولة في عام 2013 حيث قال:"  لطالما كانت الأفكار الجهادية تغزو مُخيلتي على الدوام" وابتسم بطريقة إنكارٍ للذات. وتُمثِلُ كيفية شق هذه الأفكار طريقها إلى رأسه فضلاً عن إغواءه للسفر إلى سوريا، قصةً عالية التوجيه.

ويتابع "يحيى" : " قَصدتُ مصر من أجل دراسة "قانون الشريعة" في جامعة الأزهر وكان قد مضى على وصولي عام ونصف عندما أصدر الشيخ " محمد حسان" فتوى تحضُ على الجهاد في سوريا وكان بنظره أنه ينبغي على كل مسلم أن يجاهد في هذا البلد. كما قام الشيخ " حسان" بتوزيع أشرطة وتسجيلات لفيديوهات  تظهر أن الجيش السوري يقتل ويغتصب ويرتكب الأعمال الوحشية بحق الشعب. وقال "حسان" : " يتوجب عليكم السفر والجهاد في سورياوالشيء الذي أقنعني بذلك أنه أعطى كل واحد منا 100$ كهدية.

وأخبر أحد الطلاب "يحيى" بأن يتصل برجل يُدعى " ابو محمد تركيا". يقول "يحيى" بأنه اشترى  تذكرة لقاء 270$ بهدف السفر إلى مطار اتاتورك في اسطنبول حيث التقى بـ "أبو محمد" الذي كان مسئولا عن تسهيل دخول "الجهاديين" إلى سوريا. اشترى "ابو محمد" تذكرة سفر  برية "ليحيى"  الذي توجه إلى قرية "أطمة"  الواقعة على الجانب السوري من الحدود. استغرقت الرحلة 13 ساعة حيث أخبر "أبو محمد" "يحيى" أن الأخير لن يواجه أي مشاكل في تركيا وأنه هناك الكثير من الشباب من أمثاله.

 

 

يقول "يحيى" أنه أمضى ليلتين في أحد المنازل على الحدود ثم جَرى نقله إلى طريق عادة ما يستخدمها المهربين حيث رأى المئات من الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين الـ15 و الـ18 عاما  يساعدون الناس على عبور الحدود. كان عدد من الناس بملامح شرق أوسطية يعبرون أحد الطرقات بينما تم أخذ الأجانب من أمثال "يحيى" ذو "العينين المائلتين" ليسلكوا أحد طرقات المهربين وقال "يحيى" أن جندياً تركياً غضَ الطرفَ عنه بينما كان يجتاز الحدود. بعد ذلك جرى نقل "يحيى" إلى مضافة أخد الرجال ويدعى "سيف الله الشيشاني". وانتشرت في المنطقة مخيمات اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بينما كانت النسوة يرتدينَ الزي الإسلامي الكامل. "كان هناك الكثير من المنازل  لاستقبال ضيوف "داعش" و " جبهة النصرة" و"المهاجرين" وكان "يحيى" دائما ما يستخدم الاختصار العربي" داعش" في إشارة إلى تنظيم الدولة الإسلامية. يروي "يحيى": " في البيت الشيشاني قابلت رجلاً قيرغيزياً  يطلق على نفسه اسم " أبي حنيفة" . كان "ابو حنيفة" يدرس "الشريعة" في المملكة العربية السعودية وسألته عن أي فصيل يرغب بالانضمام إليه حيث أخبرني أن "داعش" كان أقواها وأنه ينوي الالتحاق بصفوفه. كان "ابو حنيفة" بمثابة "المفتي والمشرع" في البيت الشيشاني وأخبرني أني حرُ باختياري إلى أي الفصائل سوف اذهب. ويعمل  تحت أُمرة "الشيشاني " أكثر من مئتي رجل كانوا قد التقوا بمفتٍ يدعى "أبو اُويس المغربي"  ثم التحقوا بصفوف تنظيم الدولة الإسلامية "داعش". تقدمت بطلبٍ للانضمام إلى " داعش" حيث أبلَغَنا "ابو اُويس" مأمَننا ! وتوعد بتوسعنا إلى بقية البلدان لنشر الدين الإسلامي في أوروبا وروسيا.

 

انضم "يحيى" إلى مجموعة قوامها 30 رجلاً شيشانياً وقيرغيزياً ولاحظ وجود فئات منفصلة لمجموعات التجنيد المختلفة فمثلاً كان هناك الفئة الألمانية، البريطانية، البلجيكية، والفرنسية. اندلعَ قتال ضارٍ بين الجيش السوري الحر وتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا عام 2013. حاول تنظيم "داعش" الانسحاب من ريف حلب لكن قوات الجيش الحر حاصرت جميع مقرات التنظيم. وأوعز "ابو بكر البغدادي" زعيم تنظيم الدولة عبر الإنترنت بانسحاب جميع النساء والأطفال من عائلات مقاتلي التنظيم إلى مدينة الرقة باستثناء الشباب الذين حضهم على الصمود والقتال. وكوني مترجماً لدى التنظيم انتقلت مع العوائل ومكثت في فندق " أوديسا" في المدينة معقل تنظيم الدولة.  

أمضى "يحيى" عدة أيام في الرقة يترجم لصالح  مقاتلي تنظيم الدولة الذين كانوا يشهدون عمليات إعدام منتظمة في ساحة "النعيم" في المدينة. ولكن سرعان ما تحولت ملحمة "يحيى" الجهادية إلى " مهزلة" بعد شهورٍ قليلة.  تعطلت السيارة التي كان "يحيى" يقودها وعندما قَصَدَ إحدى ورشات التصليح التقى رجلاً سورياً سأله إن كان يرغب بالزواج. يقول يحيى: " لم أعرف من أين هذا الرجل لكنه أخبرني أن لديه قريبة باستطاعتي رؤيتها  ومقابلتها في السابعة من اليوم التالي، وعليه، فقد ذهبت بصحبة صديقين مسلحين أما أنا فكنت أعزلاً ولم أعرف الطريق الذي كان قرب مطار الطبقة العسكري في منطقة يسيطر عليها النظام السوري.

وكان هذا سبباً في سقوط "يحيى" الساذج والإيقاع به.  وصل إلى المنزل وقُدِم له الشاي الأخضر والعصير الذي يقول يحيى انه كان ممزوج بالمخدرات، ثم سرعان ما سقط نائماً. وعندما استيقظ بعد خمس ساعات، وجد نفسه ورفيقيه محاطين بخمس جنود سوريين. أخبَرنا الجنود بأننا محاصرين وقاموا بأخذنا إلى مطار الطبقة ومنه إلى السجن في دمشق. لقد اعترفنا بكل شيء لأننا كُنا قد أُلبِسنا  ملابس الجهاديين. اعتقدت بأنهم سوف يقتلونني أو يؤذونني لكنهم لم يفعلوا.

بعد أكثر من عامين في السجون السورية، يتحدث "يحيى" بلسان حال معظم  رفاقه السجناء تقريباً ، إذ أنه عندما دخل إلى سوريا جرى غَسلُ دماغه بالكذب عبر الإنترنت وتمت معاملته بشكل جيد بعد أسرِهِ من قبل النظام ولم يتعرض للتعذيب. يقول يحيى انه يأمل أن يُصدرَ الرئيس بشار الأسد عفوا عاما عن السجناء وأن يتمكن من العودة إلى عائلته، " ولكني الآن أصبحت إرهابياً في بلادي وأخشى على عائلتي من الشرطة" يقول "يحيى" . وأيُ نوعٍ من الاستقبال سيحظى به "يحيى" من جانب والده" دانييل" الذي يُدير متجراً للدراجات الهوائية في مدينة " أوش".

 

قبل مغادرتي قيرغيزستان، نصحني أحدُ أقربائي بأنه إن أردتُ أن أُصبح مدرساً إسلامياً  فينبغي علي أن أدرس في مصر. استشرت والدي الذي وافق على الفكرة وساعدني بالسفر. كنت قد طلبت منه ألا يغضب من توجهي إلى سوريا وذلك عندما اتصلت به هاتفياً لأول مرة حيث كان ذلك قبل 3 أشهر من وقوعي بالأسر ولكنه قال لي : " لقد كذبوا عليك يا بُني، ليس هناك جهاد في سوريا!"، و طلب مني العودة إلى بلادي وقال أنه يخشى أن تعتقله الشرطة.

وكان وادي "فرجانة" والذي يحتضن  مدينة " أوش" معقلاً وعلى مدار سنوات عديدة للمتطرفين الإسلاميين حتى في ظل حكم السوفييت حيث يُعتقدُ أن لتنظيم الدولة كوادر تنشطُ هناك أيضاً، و لا تبدو الحكومة القيرغيزية أنها تنوي المطالبة بإطلاق سراح "يحيى". بعد أن صافَحنا واستدار للانصراف وحتى قبل أن يصل سجانوه، وضع "يحيى" يديه خلف ظهره تلقائيا كما لو أنه على وشكل أن يُقيَد.

 

 

-------------------------

* في الصورة " المترجم السابق لتنظيم الدولة الإسلامية " جان محمد يحيى"  متحدثا من أحد السجون العسكرية التابعة للنظام السوري في دمشق". عدسة " نيلوفر بازيرا".

 

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 731446

مقالات المترجم