عدد القراءات: 4798

رسالة من داخل إدلب ... رفقاً بهم

مراد مراد- إدلب

يسود في أوساط المسيحيين -أو كما يسميهم البعض "النصارى"- اعتقاد شبه جازم أن رقابهم ستستقبل سكاكين البغدادي، أو أن رؤوسهم ستستقر فيها طلقات الجولاني، لا أحاول تحليل هذا الاعتقاد أو البحث عن أسبابه ومسبباته الكثيرة، لكنني أحب ان أسرد ما حصل عند عائلة مسيحية في ادلب في يوم تحررها من عصابات الأسد.

 تعيش في مدينة ادلب عائلة مسيحية مؤلفة من أخوة وأخوات، في بداية الثورة بقيت تلك العائلة (رغم سيطرة أهل البلد على مدينتهم حينها)  ضمن ما يسمى بالمربع"الأمني"، لم يتعرض لهم أحد، دارت الأيام -وهي دول- واقتحم جيش الأسد مدينة ادلب وبقيت تلك العائلة مقيمة في ادلب رغم الاحتلال.

لعدة أسباب، أعتقد أن أهمها ضيق ذات اليد، قامت فتاة من تلك العائلة وقد فاتها قطار الزواج، بإيواء عدة فتيات في منزلها مقابل ايجار معلوم. بحكم الأكثرية والأقلية في ادلب لم يأت إلى تلك الامرأة "العذراء" إلا أربع أو خمس فتيات مسلمات من ريف ادلب أردن أن يتممن تعليمهنّ الجامعي، و بشهادة إحدى الطالبات لم يحدث بينهن أية مشكلات تذكر بسبب اختلاف الدين، بل عشن حياة من المودة والمحبة بعيداً عن اختلاف آرائهن السياسية التي قلما كنّ يتكلّمن بها.
اليوم وفي سويعات تحرير ادلب كانت الفتيات يقرأن القرآن الكريم، وعدد من بنات العائلة المسيحية يتلين صلواتهن طلبا للفرج. حانت بعد ذلك لحظة الفراق بعد اقتراب أصوات الاشتباكات من منزلهم، ومع أصوات التكبيرات والرصاص اشتعل الخوف في قلوب المسيحيين خوفا على رقابهم ورؤوسهم، وقرروا الخروج إلى مكان آخر رغم عدم ثقتهم بوجود مكان آمن.
التمّت العائلة المسيحية باستثناء تلك الصبية العذراء صاحبة البيت، لأن اهلها وإخوتها وأخواتها طلبوا منها أن تبقى مع الفتيات المسلمات فهم لا يعلمون مصيرهم، ولعل بقاءها مع الفتيات المسلمات وشهادتهن المحبة بها قد يحميها، نظرت المرأة ذاهلة وقالت:"يعني خلص ما عاد شوفكن؟!!"، لحظات موجعة من الشجون والتنازع الانساني قبل أن يقرر الأب أن يأخذ ابنته معه ليلقوا مصيراً واحداً مهما كان، الفتيات المسلمات المقيمات في المنزل لم يتوقفن عن البكاء، مشاعر مختلطة شعرن بها، فلا هنّ قادرات على ضمان حماية العائلة إن بقيت، ولا واثقات أنهن سيتمكنون من الوصول إلى مكان آمن لو رحلوا فقد أصبحت الحرب في حارتهم......إلى هنا تنتهي القصة بغير نهاياتها المعتادة، ولا أحد يعلم ما حدث بعد ذلك .... و لا مصير العائلة التي خرجت.

اخوتي الذين دخلتم ادلب، أكتب لكم وأنا في داخل مدينة ادلب ولكنني أخشى الكشف على هويتي فمازال أفراد من عائلتي في مناطق تسيطر عليها داعش، هذه رسالة أوجهها لكم على أمل أنكم قد تصرفتم خيراً دونما نصيحتي، اذا وقعت تلك العائلة بين أيديكم فرفقاً بإخوة لنا إن لم يكن في الدين ففي الوطن وإن لم يكن في الوطن ففي المدينة وإن لم يكن في المدينة ففي الإنسانية التي تتسع الجميع.... ليس مهما أن خصمنا لاإنساني....المهم ألا نكون نحن كذلك.

علِّق

المنشورات: 1
القراءات: 4798

مقالات الكاتب