Your rating: لا يوجد (1 vote)
عدد القراءات: 2490

رسالة من ثوار إدلب لجبهة النصرة

الكاتب الأصلي: 
Ammar Shawki and Roy Gutman
تاريخ النشر: 
5 كانون اﻷول (ديسمبر), 2016
اللغة الأصلية: 

 

يقول عنصر في الشرطة الإسلامية: "فلتذهب النصرة إلى الجحيم"، يحتقرها الناس وعناصرها أيضاً.

 

ادلب- سورية

لا يمكنك أن تتخيل القبضة الأمنية التي تعيش تحتها هذه المدينة. تعيش إدلب- المحافظة الوحيدة في سوريا التي تسيطر عليها قوات الثوار حالياً- في خوف من تعرضها للقصفk ويجول في المدينة مسلحون ملثمون. ويتم حظر التجوال في جميع الشوارع لحماية قادة الميليشيات الإسلامية التي تحكم هنا.

وقد شل الخوف حركة الاقتصاد، لأن أحداً لن يبدأ بأعمال تجارية جديدة في مدينة تتعرض لغارة جوية كل يوم، وفي بعض الأيام تتعرض إلى 12 غارة جوية. ويتجه أي أولئك إلى أطراف المدينة/ "الضواحي"، بما في ذلك عائلتي، التي تعيش في قرية زراعية.

ربما القادم أسوأ من ذلك بكثير. فإذا سقطت حلب، يمكن أن تكون إدلب المدينة التالية تحت الحصار. وتحضيراً لذلك، يخزن السكان المواد الغذائية، وقد غادر البعض للحدود التركية.

يتوقع الناس انتقاماً كبيراً من النظام لأن الكثير من المقاتلين الثوار قد جاؤوا إلى هنا، بعد أن تم طردهم من الجبهات الأخرى، وخاصة من ضواحي دمشق الغربية. ولكنهم يغادرون أيضاً بأسرع ما يمكن.

ومع ذلك لا يعني التفجير شيئاً لأي شخص. تقول روسيا ونظام الأسد أنهم يهاجمون إرهابيي جبهة النصرة، التي غيرت اسمها إلى جبهة فتح الشام في تموز/ يوليو، عندما فكت علناً ارتباطها مع تنظيم القاعدة.

في الواقع، أهداف النظام هي الأسواق والمنازل والمصانع والمدارس والمكاتب والجامعات، وليست المواقع العسكرية ولا الإسلاميين الذين يديرون المدينة.

والآن ترسل الولايات المتحدة- التي تدعو الاسم الجديد للنصرة اسماً مضللاً، وما تزال  تعتبرها جماعة إرهابية- طائرات بدون طيار إلى المحافظة لقتل قادة النصرة.

 

ولكن في شوارع هذه المدينة، المعروفة باللوحة الفسيفسائية لتنوع الأديان ولتسامحها، تبدو مختلفة جداً عما يصورها كل من روسيا وأميركا. عندما أحكمت النصرة سيطرتها هنا في آذار/ مارس 2015، دخلت إدلب نفق الحرمان المظلم. حيث تدهور التعليم العام، وتم إغلاق الجامعة، وتم منع النقاش العام. ولكن منذ انشقاق النصرة عن القاعدة وتغيير اسمها، فقد أصبحت المدينة أكثر ملاءمةً للعيش.

لا يزال الناس هنا يسمونها النصرة، ويشعرون بالاختناق من أقنعتهم وبنادقهم وطريقتهم المتعجرفة. لكن تحسنت الحياة اليومية منذ تموز/ يوليو. وقد تم رفع معظم القيود المفروضة على اللباس. ولم تعد الحسبة -أو شرطة الآداب- تتواجد في الشوارع، ولم تعد الشرطة النسائية موجودة أيضاً. ويقول الجنود أن دوافعهم للقتال هي الأجر/ الراتب.

بعض الأمور طبيعية تقريباً، بالتأكيد مقارنةً مع الحياة في ظل تنظيم الدولة الإسلامية، الذي كان ذات يوم جزءاً من النصرة والآن هو منافسها. حيث يمكن لأي شخص فتح مقهى إنترنت، والتدخين مسموح على الرغم من الاستياء، لكن من المؤكد أن الموسيقى لا تزال ممنوعة؛ وتعتبرها السلطات كفراً. لذلك لا يذهب الناس إلى صالونات الاحتفالات الآن، حيث تُقَامُ حفلات الزفاف في المنزل.

وقد منع جيش الفتح- وهو مجموعة تضم الفصائل الثورية التي تسيطر عليها النصرة- الكتب المدرسية لنظام الأسد في التاريخ والدين واستبدلها بدورات مملة في التربية الإسلامية.

الحكومة المحلية هي واجهة للإسلاميين. هناك حاكم، رئيس بلدية وشورى أو مجلس بلدي، ولكن الهيئة العليا هي لجنة من جيش الفتح، وهي ليست على اتصال مع السكان. وتنفذ التخطيط العسكري وتزود الخطوط الأمامية وتنظم المقاتلين. وتوجه هيئة ما يسمى بـ "القوة التنفيذية"، التي تنفذ مداهمات وعمليات التفتيش عن خلايا نائمة لنظام الأسد أو تنظيم الدولة الإسلامية، وعموماً تُعتبر بمثابة وكالة استخبارات قوية، مثل تلك التي ألفناها عند نظام الأسد.

 

عندما جاءت النصرة لأول مرة إلى السلطة، كانت لها اليد العليا؛ لأنها كانت أكبر مجموعة في جيش الفتح. ولم يكن للناس أي خيار سوى قبول قوانينها. حيث رأوا أنها أقل خطورة من النظام وأنها أهون الشرين. ثم أنشأت النصرة جهازاً كاملاً لفرض الشريعة. ولا تزال المحاكم الشرعية الشكل الوحيد من أشكال العدالة، ولكن معظم قضاتها هم من المنشقين عن نظام الأسد أو محامون، وكثير منهم موظفون مدرَبون.

لكن الحكام تكيفوا. و ظنوا أنه يمكنهم الحكم بـ "الحديد والنار" كما في عصر النبي محمد. ولكن لا أحد يريد زي لباس النصرة، الذي يطلب من النساء ارتداء العباءات الطويلة والتخلي عن وضع المكياج. وأيضاً غادر المسيحيون المدينة. وخلال ستة أشهر، فر معظم المهنيين وذي الشهادات الجامعية إما إلى مناطق سيطرة النظام السوري أو إلى تركيا.

الآن خلصت السلطات أنها لا تستطيع قمع سكان المدينة كلها. لذلك تقود بتخفيف بعض القيود، وبدأت العملية عندما فكت النصرة ارتباطها بتنظيم القاعدة.

في بداية نوفمبر/ تشرين الثاني، اجتمعت قيادة جيش الفتح مع وجهاء المدينة. أراد المتشددون في النصرة إعادة الإجراءات الصارمة، ولكن وجهاء المدينة عارضوا ذلك وكسبوا. ومع ذلك، لم يصدر بيان علني.

يمتد تخفيف القيود إلى المدارس الابتدائية. ففي العام الماضي، تم إلزام التلميذات بلباس الزي الشرعي؛ ابتداءً من الصف الخامس، بنقاب أسود يغطي الوجه، وعباءة سوداء طويلة، وحجاب أو خمار. وفي الشهر الماضي زرت مدرسة محلية ورأيت فتيات يرتدين سترات قصيرة تصل إلى الركبتين ملونة وحجاب ملون ومطرز، وحتى إن بعضهن يضعن المكياج.

 

واعتادت الشرطة النسائية على إجراء دوريات في الشوارع، وهن يلبسن عباءات سوداء ونقاباً ويحملن بطاقة هوية على صدورهن وبندقية على ظهورهن. كانت تلك الشرطة النسائية تأخذ أسماء النساء اللاتي يرتدين الفساتين الملونة أو اللاتي يضعن مكياج؛ ثم تأمرهن بالذهاب لمبنى إدارة المدينة لحضور دورة في اللباس الشرعي. وتذهب الشرطة النسائية إلى منزل زوج المرأة ويحذرنه بعدم السماح لزوجته بالخروج من منزلها، وتهددنه ضمناً بالاعتقال إذا لم يستجب.

الآن الشرطة النسائية غير متواجدة في الشوارع. وأيضاً أرى نساء تقود السيارات، الأمر الذي كان مستحيلاً في أول الصيف، ولا يُلزم أصحاب المحال التجارية على إغلاق محلاتهم في وقت الصلاة، ولا يُلزمون بتوظيف نساء لبيع الملابس للزبائن من النساء.

ويمتد التخفيف حتى إلى قطاع الأمن. هناك عدد أقل من نقاط التفتيش وتفتيش أقل. وفي الوقت نفسه، تقلص احترام السلطات. يقيم عناصر الشرطة الإسلامية- بسراويلهم السوداء وقمصانهم البيضاء وشارات الشرطة- نقاط التفتيش في الطرق السريعة وداخل المدينة وفي الساحات العامة وفي المقرات الأمنية. وكانوا ذات مرة قوة أمنية مخيفة، ولكنهم الآن رجال ضعفاء وعاجزون وبسيطون، وانضم معظمهم للنصرة لكسب الراتب.

 

في الآونة الأخيرة، بينما كنت أقود سيارتي في إدلب، تعطلت في منتصف الطريق. حيث ساعدني شرطي بدفع سيارتي إلى جانب الشارع،وحاول إيقاف سائق دراجة ليدفع سيارتي. وقال "لن يساعدك سكان إدلب" . كان ينظر لي بابتسامته اللطيفة، على الرغم من أن لحيته طويلة وشعره كثيف. شكرته، وعدت إلى سيارتي، .

بدأنا الحديث. وقال أنه انشق عن شرطة الأسد وعليه كسب رزقه. "ماذا يمكنني أن أعمل؟ عمري 45 سنة. لا أستطيع أن أعمل عتالاً. وليس لدي رأسمال لأبدأ بعمل خاص بي. تقدمت بطلب للحصول على وظيفة مع النصرة، وقد عينوني في سلك الشرطة".

يتدرج راتبه من 20 إلى 100 دولاراً في الشهر. وقال لي أنه لا يأبه للأمن في إدلب؛ فالشيء الأكثر أهمية هو راتبه. لشيء واحد، لا يملك السلطة لفرض القوانين. وقال "إذا ركن سائق سيارته في منتصف الطريق،ويتظاهر بأنه لا يراني، فإذا سألته، قد يكون هذا الرجل عنصراً من عناصر جيش الفتح. فربما يصرخ في وجهي. وربما يهينني أو حتى يضربني. وإذا كان مقاتلاً، فقد يطلق علي النار. ولن يأتي أحد لمساعدتي".

وقال بأنه "رجل بسيط. في نهاية كل يوم أذهب للمنزل. وأحصل على راتبي في نهاية كل شهر. في هذه الأثناء، دعهم يفعلون ما يفعلونه. لست مسؤولاً عما يحدث".

 

لقد صُدِمت. وسألته: كيف يمكن لعنصر في النصرة أن يتحدث بهذه الطريقة. فأجاب: "أنا لست عنصراً في النصرة، أنا موظف. وأحصل فقط على راتبي من النصرة". وتابع قائلاً: اللعنة على قياديي النصرة الذين يتجولون في السيارات الكبيرة التي تستهلك 20 دولاراً من الوقود يومياً. قال: "هذا يساوي راتبي الشهري. فلتذهب النصرة إلى الجحيم".

في وقت لاحق التقيت بجندي في النصرة. كانت ابتسامة عبد القادر عريضة ومزاجه لطيفاً. سألته ما الذي يفعله للنصرة. فقال: "كل شيء". في يوم شرطي، وفي اليوم التالي كوماندوس انتحاري، ثم مقاتل عادي. يذهب إلى خطوط الجبهة الأمامية يومين في الأسبوع مع مقاتلين آخرين، ويمضي ما تبقى من الوقت في منزله. في الجبهة، يمضون وقتهم في شرب الشاي واستخدام وسائل الإعلام الاجتماعية عبر هواتفهم الذكية حتى ينتهي وقت خدمتهم.

وقال عبد القادر أنه لا يعنيه سواء تقدم النظام أو الثوار، طالما يحصل على راتبه كل شهر. وقال: "نحن لا نؤمن بالثورة، نحن نؤمن بالراتب!".

ما قاله خالٍ من كل معاني الجهاد. وأن دوافع أولئك المقاتلين في كسب العيش فقط يضعف جميع مبادئهم. هم يتعرضون للخطر بسبب القتال. حيث صرح عبد القادر: "قد يهاجمنا النظام، وبعد ذلك سنُقتَل. وإذا حدث ذلك، أسأل الله أن يرحمنا. وإذا لم يحدث شيء، يكون ذلك أفضل. الحمد لله. بالنسبة لي، إنها صورة مرعبة. تتحلل جبهة النصرة من الداخل. كل ما لديهم هو الدعاية الفارغة".

 
 
 

علِّق