عدد القراءات: 6183

رداً على بهجت سليمان: من فمك أدينك

 

(عندما يكون البيت السياسي اللبناني ، بحديده وإسمنته وديكوره وأثاثه ، مبنياً على الفساد ، منذ قرن من الزمن . فاستئصال الفساد منه وفيه.. يقتضي إعادة بنائه من جديد .. وهذا يستدعي مواجهة معظم رموز السياسة اللبنانية . )

هكذا حرفياً كتب اللواء بهجت سليمان على صفحته الشخصية على الفيسبوك، مع مواقع النقط والفواصل، أي إنَّني أنقل بأمانة ما كتب، ويمكن للقارئ أن يفهم مباشرةً ما يريد بهجت سليمان الذهاب إليه، وهو أن الفساد المستشري في لبنان لا يمكن إصلاحه لأنه متأصِّل في تركيبة النظام السياسي للبلد، ويجب تفكيك هذا النظام بشكل تام وتهديمه إذا ما أراد اللبنانيون أن ينتصروا على الفساد.

طبعاً عندما يتحدث بهجت سليمان وغيره عن واقع الفساد في سوريا، فإنّهُ يوجد بالتأكيد "بعض الفساد" الذي مرَدُّهُ إلى طمع بعض المسؤولين الذين هم بدورهم من الشعب وإليه، ولكن لا علاقة للنظام بذلك، بل إنَّ رأس النظام هو قائد مسيرة الإصلاح ومكافحة الفساد، ولكن للأسف الله ابتلاه بشعب فاسد كلما اختار منه رئيس وزراء أو وزير تبيَّنَ بعد ذلك فساده!

إنَّ ردي هنا على بهجت سليمان هو ليس شخصياً، لكن ما كتبه جاء في وقته تماماً لكي أوضح له ولغيره أن (سوريّة الأسد) التي يُمارِس دور العرَّاب الفكري لها اليوم فيما يكتبه على المواقع المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي بكثافة كبيرة بعد تقاعده من العمل الأمني المخابراتي، ليس الفساد متأصِّلاً في حديدها وإسمنتها فقط، بل وفي نواة كل ذرَّة يتركَّب منها نظام الأسد.

  • لا أعرف إن كان بهجت سليمان يعلم أو لا يعلم، بأنَّ أسوء نظام تعدُّدي في العالم لابد أن يتوفَّر على آليات مكافحة فساد أفضل من أحسن نظام شمولي ديكتاتوري. فمِمَّا يتردد كثيراً في الأوساط المؤيدة لنظام الأسد المدافعة عن الشكل الشمولي الاستفرادي بالسلطة والحكم، والمناهضة لمفاهيم الديموقراطية والتعددية السياسية، أنَّ الديموقراطية في العالم هي أكبر كذبة وأنه لا يوجد شيء اسمه ديموقراطية، وأنه حتى في أمريكا يكون التنافس فقط بين حزبين يقومان بلعبة تبادل الأدوار.
    لكن ما لا يقولونه هنا، هو أنَّه حتى في حالة وجود حزبين يتنافسان على السلطة عوضاً عن الحزب الواحد القائد للدولة والمجتمع، فإنَّ نواب ومرشحي وقادة كل حزب سوف يعملون جهدهم على الأقل على كسب ود الشعب وشراء رضاه وقبوله، وإثبات نظافة اليد وحسن النية أمامه، لكي يحققوا تفوقاً على الحزب الآخر حتى لو كان ذلك من مبدأ التنافس على السلطة ليس إلا! أما في النظام الشمولي الديكتاتوري فكلمة "شعب" غير موجودة أساساً في قاموس السياسيين، لأن معيار نجاح السياسي (وكل سياسي هو موظف صغير أو كبير في الدولة لأنه لا توجد حياة سياسية أساساً) هو مقدار التزلف والتقرب من السلطة ورأس السلطة، ومقدار رضى أجهزة الأمن والمخابرات التابعة للنظام الواحد والسلطة الواحدة والرئيس الواحد الأوحد! فتجد دائماً عندما تمتدح التقارير الأمنية بشخص فإنها تقول: وطني ويحب الرئيس. فمحبة الرئيس هنا هي الأساس وليس محبة الشعب أو العمل من أجله.
     

  • ولا أعرف إن كان بهجت سليمان يدرك أو يجهل، أن حرية القول، وحرية التعبير، وحرية الإعلام، وحرية الصحافة، هي الضمانة الوحيدة لمحاربة الفساد ومنع الفاسدين الكبار والصغار من التحرك بحرية كخفافيش الليل في الظلام. وهي بمثابة كاميرا المراقبة الوحيدة التي عندما تغيب لا توجد قوة في الكون يمكن أن تمنع النظام الحاكم المستفرد بالبلد ومؤسساته وموارده  أن يتوغل في نهب البلد ومقدراتها، وحماية شبكة الفساد الهرمي هذه بشبكة موازية من الأجهزة الأمنية القمعية والتسلطية. يعني ما أقوله هنا هو جواب على سؤال: شو هي الحرية اللي بدكن ياها...؟! أردنا الحرية لأنها الطريق الوحيد والحل الوحيد لهذا الفساد...!!
     

  • وبغياب الآليات الديموقراطية، والتعددية، وبغياب حرية الرأي وحرية الإعلام، من الطبيعي أن يكون مفهوم مكافحة الفساد هو "نكش" بعض الملفات لمسؤولين من الدرجة الخامسة والعاشرة والعشرين، وتحويل منصب رئيس الوزراء إلى المنصب الرسمي لكبش الفداء كلما تزايد التذمر عند الناس.
     

  • وأزيدك من الشعر بيتاً يا سيادة المفكر اللواء، أن "مسيرة التطوير والتحديث" التي ارتبطت بتبني السياسة النيوليبرالية في الاقتصاد، والتوجه للحريات الاقتصادية والاقتصاد المفتوح، كانت بمثابة انتحار حقيقي وجريمة وطنية عظمى بحق البلد. ليس لأنها سياسة خاطئة، بل على العكس تماماً. يعني الذنب ليس ذنب د.عبد الله الدردري كما حاول إعلام النظام تحويله إلى كبش فداء. ولكن لأن هذا الانفتاح الاقتصادي بدون انفتاح سياسي وتعددية سياسية وحرية إعلامية هو عبارة عن حفر منجم ذهب للفاسدين الكبار ضمن الحلقة الضيقة للنظام، وعبارة عن توسيع للمافيا الأمنية المخابراتية لتصبح مافيا مخابراتية-اقتصادية هي (مافيا الأسد - مخلوف)، ولينشأ تحالف جهنمي بين مجرمي المخابرات وعمالقة الاقتصاد ورجال الأعمال. وبالتالي فإن كل ما كان يحدث تحت اسم التطوير والتحديث هو سيناريو مُكبَّر عما فعله إياد غزال (أحد أقرب المقربين للأسد والمسؤولين عن تهريب ثرواته اليوم) في حمص فيما سمي بمشروع "حلم حمص". وكانت النتيجة التراكمية سنة بعد سنة لهذه السياسة هو الدعس على الفقراء وسحق الطبقة الوسطى وتركيز رؤوس الأموال في يد فئات نخبوية صغيرة مقربة من النظام الحاكم أو متحالفة معه أو تنضوي تحت جناحه. وهو ما يعني أيضاً أن الانفجار الشعبي الذي عزاه النظام للمؤامرة كان تحصيل حاصل لنتيجة سوف تأتي عاجلاً أم آجلاً فيما كان قادة النظام يتبجحون بأن سوريا تحولت إلى بلد حضاري متطور!

  • وفي الختام أقول للواء بهجت سليمان: من فمك أدينك، فأنت ترى أن الفساد متى ما تجذَّر وكان اللبنة الأساسية في بناء أي نظام سياسي تصبح الحلول الإصلاحية غير ذات جدوى، ويصبح هدم هذا النظام وإعادة البناء من الصفر، بل ومواجهة رموز هذا النظام هو الطريق الوحيد في المعركة ضد الفساد، لأنهم زعماء الفساد وأربابه. وأهديك نصَّاً يؤكد على هذا الكلام درسه كل السوريون في جيلي على الأقل في كتب التربية القومية الاشتركية:

(رفض حزب البعث العربي الاشتراكي المفاهيم الإصلاحية و آمن بالثورة على أنها الطريق الوحيد. وكانت الظروف الموضوعية لقيام الثورة تتمثل باشتداد فقر وبؤس الطبقات الكادحة التي لا تملك سوى قوت يومها، بالإضافة إلى الفساد و الفوضى وعدم قدرة الطبقات المسيطرة على ضبط حركة المجتمع الذي يحاول القيام بثورة على هذا الواقع من خلال الاحتجاجات أو المظاهرات أو حتى الصدام بشكل مباشر. إن من دواعي القيام بثورة هو ضعف الفئات الحاكمة المستغلة التي عجزت لضعفها و استبدادها على النهوض بالاقتصاد القومي ومواكبة التطور الحضاري)

 

فهل يطرق كلامي هذا وتراً معيناً أم أننا سوف نبقى نكيل الأمور بمكيالين يا حضرة اللواء؟ 

علِّق