No votes yet
عدد القراءات: 3931

رجال الآثار يخاطرون بحياتهم لحماية تراث سورية العريق

الكاتب الأصلي: 
Deborah Amos
تاريخ النشر: 
3 آذار (مارس), 2015

في سباق حماية التراث السوري العريق من تداعيات الحرب والنهب والسرقة، ظهر للواجهة نوع جديد من المقاتلين.
يتسلح ثوار الثقافة هؤلاء بكاميراتهم وأكياس الرمل، ويعملون بسرية أحياناً وبخفاء أحياناً أخرى، ليتحايلوا على مهربي الآثار. يخاطرون بحياتهم وهم يواجهون أعداءً متنوعين كنظام الأسد والمسلحين الإسلاميين ومهربي الآثار المحترفين الذين ينهبون الآثار لبيعها مستخدمين المعدات الثقيلة كالبلدوزر في بعض الأوقات.
تطلق عليهم المؤسسات التراثية الكبرى الداعمة لهم في الغرب لقب "رجال الآثار" في سوريا نسبة إلى لقب أعطي لأولئك الذين حاولوا المحافظة على التراث الثقافي الأوربي خلال حرب العالمية الثانية.
أكاديميون في الخطوط الأمامية:
وتصف كورين ويجنر من مؤسسة سميثسونيان الأمريكية هؤلاء بأنهم "مهنيون محترفون". وتضيف ويجنر التي تقود مبادرة عالمية لحماية التراث الثقافي: "إن الوضع في سوريا جديد كليا ونحن نحاول المساعدة" وقد وصفت الوضع في سوريا بأنه حالة طوارئ ثقافية.
يبدو عبد الرحمن اليحيى وأيمن النابو أبعد ما يكونان عن كونهما محاربين. فهما أكاديميان يرتديان البزة الرسمية. وقد التقيت بهما في فندق جنوب تركيا في منطقة قريبة من الحدود السورية بعد رحلة مرهقة وخطيرة استغرقتهم 10 ساعات إضافة إلى مشي على الأقدام في آخر 5 أميال.
"نحن فريق من المتخصصين في علم الآثار، بالإضافة إلى مهندسين وفنانين" يقول يحيى الذي قاد هذا الفريق المتخصص في مهمة لحماية آثار متحف المعرة في محافظة إدلب شمالي سوريا المشهور لاحتوائه على مجموعة مبهرة من الفسيفساء تعود للحضارتين الرومانية والبيزنطية من الفترة ما بين القرن الثالث والسادس بعد الميلاد.
بدأ المشروع في الصيف الماضي بورشات عمل مكثفة اعتمدت على تقنيات المحافظة على الآثار. وبعد ذلك بدأ الخطر الحقيقي عندما بدأوا يعملون على الخطوط الأمامية.
وقام الفريق بتقييم الأضرار الناتجة عن الغارات الجوية التي يقوم بها طيران النظام السوري على المناطق المتنازع عليها بينه وبين الثوار في الشمال السوري، وعملوا على ترميم ما تضرر قطع الفسيفساء المتبقية.
وأضاف يحيى: "لم تكن قذائف الهاون، والطائرات الحربية والهيلوكوبترات التي تقصف ببراميل متفجرة هي الخطر الوحيد، فهناك أيضا قناصو النظام" وهم جنود تابعون لنظام الأسد حاولوا قنص فريق العمل في المناطق المشتعلة.
الإسعاف الحضاري
أصبح تهريب الآثار تجارة رائجة تدر الملايين في سوريا وقد اخذ بالانتشار بشكل كبير في المناطق الواقعة تحت سيطرة التنظيم الذي يطلق على نفسه الدولة الإسلامية، وهذا النهب المنظم يفوق بأضعاف السرقات التي يقوم بها جنود النظام ومتمردو المعارضة والمواطنون معدمو الحال الذين يقومون بالتنقيب في هذه المناطق الأثرية لبيعها مقابل الطعام.
من جهته يعلّق براين دانيلز مدير البرامج في قسم التراث الثقافي في متحف بنسلفينيا في الولايات المتحدة الذي يقدم الدعم لدائرة حماية الآثار في الحكومة السورية المؤقتة المعارِضة فيقول: "إن حجم الخسارة مفجع. فهذه أسوء كارثة ثقافية منذ الحرب العالمية الثانية" كما يشبه هذا العمل بـ "الإسعاف الحضاري"  حيث تتم حماية ما تمكن حمايته وتوثيق ما قد فُقِد.
هذا التوثيق الذي يقوم به هذا الفريق السوري هو الجزء الأخطر حيث يسافرون في الأراضي السورية التي مزقتها الحرب لتصوير المواقع الأثرية الموجودة ضمن جبهات القتال.
ويقول يحيى: "عادة ما نرتدي ملابس عادية تساعدنا على الجري كالجينز والأحذية الرياضية كي تكون حركتنا سريعة".
أما أيمن نابو فإنه يقوم بالإشراف على مجموعة من المتطوعين الذين يدعون أنهم يريدون الشراء ويلتقون بتجار تهريب الآثار كي يصوروا ويوثقوا التحف المسروقة.
ثم يتم توثيق وتصنيف التحف على أمل ضئيل بأن تتم استعادتها يوماً ما. إحدى هذه الكنوز فسيفساء فريدة تعود إلى ما يقارب 330 سنة قبل الميلاد تصور مدينة أفاميا القديمة.
ويعلق يحيى بقوله: "كل هذا أصبح مفقوداً" وهو يعرض لنا الصور على كمبيوتره المحمول و التي قام بتجميعها معرضا نفسه وفريقه للخطر.
ولكن يحيى وزملاءه قاموا بإقناع الناس في مناطقهم على حماية التراث الحضاري لسوريا حيث قام المواطنون بتسليم 1700 قطعة أثرية كي تتم حمايتها.

هذا الأسبوع أيضاً يمكن لعلماء الآثار التفاخر بانجازاتهم في متحف المعرة.
فوفقاً لكورين ويجنر، قامت دائرة حماية التراث السوري في الحكومة السورية المؤقتة بإيصال العديد من الإمدادات التي تساعد الفريق تتضمن كاميرات رقمية، ومعدات تعليب وصناديق بالإضافة إلى لفافات كبيرة من قماش تيفيك الواقي المستعمل في بناء المنازل.
وقد اضطر الفريق للمحافظة على سرية المشروع كي لا يتم استهداف متحف المعرة. وقد اضطروا أيضا إلى عذر يبرر تواجد كميات كبيرة من قماش تيفيك.
يقول يحيى بابتسامة الرضا عن النفس: " يموت يومياً في سوريا عدد كبير من الناس، لذا فقد ادعينا أنها أكفان. وقلنا لهم أننا سنستخدم القماش لتكفين الموتى كالمومياء".
وهكذا فقد استخدم الفريق الملابس الواقية البيضاء لتغطية 1600 قدم مربع من الفسيفساء الأثرية. أما الخطوة التالية فكانت حماية المتحف نفسه كما قال لنا عمرو العظم عالم الآثار الدارس في دمشق والذي يدرس تاريخ الشرق الأوسط في أوهايو، وقد سبق له أن كان مدرساً لعدد ممن يدعون الآن "رجال الآثار" في سوريا.
ويضيف عمرو العظم: "من أجل حماية متحف المعرة قررنا استخدام تقنية فعالة كانت قد أثبتت نجاحها خلال الحربين العالميتين في أوروبا، ألا وهي أكياس الرمل"
وهكذا قام الفريق بتكديس الأكياس الرملية على الجانب الداخلي لجدران المتحف بحيث تحمي الفسيفساء من طيران نظام الأسد ومن نهب اللصوص.
من جهته قال لنا براين دانيلز من متحف بنسلفانيا: "من المستحيل قياس الخسارة في سوريا، فكيف لك أن تحدد معنى التراث؟ التراث مكان. التراث هو عراقة سوريا. وهو أمر لا يمكنك قياسه بل يمكنك الإحساس به".
ويضيف عمرو العظم: "مشروع المعرة هو نصر صغير في حرب التجارة الغير مشروعة والدمار الذي يلحق بإرث سوريا الحضاري والثقافي" وهذا  الفريق المتواجد داخل سوريا كان على قدر المسؤولية تجاه هذا الإرث العظيم. ويختم عمرو بقوله: "بكل الأحوال فهذا الفريق هم الإبطال الذين يخاطرون يومياً بحياتهم بزيارة تلك المواقع الأثرية، هذه الأرض أرضهم، وهذه البلد بلدهم، وهذا المتحف متحفهم، هذه أقوى صلة يمكن أن نفكر بها".
 

علِّق