عدد القراءات: 2747

ذهنية التحريم؛ حول قرار السماح للمراة بقيادة السيارة

 

العنوان مستعار من الاستاذ صادق جلال العظم الذي حرره بمنطق سيكولوجي أنطولوجي، ولكنني سأقدمه هنا على منطق أهل التفسير والمحدثين، في ظاهرة تؤكد فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال.

أصدر الملك السعودي أمراً يقضي بمنح النساء رخصة القيادة، وفي اليوم نفسه أصدرت هيئة كبار العلماء في المملكة تأييدها لموقف الملك سلمان الذي جاء اجتهاداً مطابقاً لنصوص الشرع!!!

بالطبع لم يشِر بيان هيئة كبار العلماء إلى عشرات الفتاوى الصادرة عن الهيئة نفسها باعتبار قيادة المرأة للسيارة محرمة شرعأً بالنص والاجماع والقياس.

وكانت حملة المشايخ السعوديين قد اشتدت في الاشهر الأخيرة ضد قيادة المرأة للسيارة، بعد أن أدلى ولي العهد بتصريح قبل شهور قال فيه إن المجتمع السعودي لن يقبل قيادة المرأة للسيارة!

 

أشعر بالطبع بالسرور لصدور هذا القرار، فهو مطلب تستحقه المرأة السعودية وقد تأخر كثيراً وأساء إلى صورة الإسلام في العالم.

ويجب القول إن منع المراة من القيادة أعطى صورة غير واقعية عن المرأة السعودية، التي حققت نجاحات متسارعة في السنوات الأخيرة أهم من هذا بكثير، فهناك نحو 30 ألف طالبة سعودية مبتعثة في اوروبا وامريكا في أرقى جامعات العالم، وهناك ثلث أعضاء مجلس الشورى من النساء وهي أعلى نسبة في اي مجلس وطني عربي، وهناك أكبر جامعة في العالم للنساء في الرياض وهي جامعة الأميرة نورا وتضم  70  ألف طالبة وألفي  أستاذة جامعية من النساء في تخصصات علمية وتكنولوجية مختلفة.

 

ومن المدهش أن المرأة السعودية لم تُمنع من قيادة الطائرات!! وهناك 30 طالبة سعودية تم ابتعاثهن لدراسة الطيران، والتحقت بالفعل الكابتن هنادي الهندي بنت مكة المكرمة بصفة كابتن طيار في الاسطول الجوي السعودي، ولم تواجه أي اعتراض حكومي أو مشيخي على حقها الطبيعي.!

وقد تسبب تأخر هذا القرار بطمس هذه الاصلاحات الحقيقية للنساء في المملكة وأسهم في التركيز على غياب حقوق المراة المسلمة.

ولكن الحوار هنا في مكان آخر وهو ذهنية التحريم، فقد غلب على خطاب رجال الدين عموماً والسلفية منهم بوجه خاص أن الورع يقتضي التحريم، وأن الأصل في الأشياء التحريم إلا ما قام عليه النص، وأن السلف كانوا يتركون تسعة أعشار الحلال حتى لا يقعوا في الحرام، وأن العزيمة في الدين هي اجتناب الحلال حتى لا نقع في الحرام.

وفي هذا السياق كانوا يتقربون إلى العامة بالتحريم ويتقربون من السلطان بالتحليل، وهو سياق نهجه كثير من رجال الدين عبر التاريخ.

ومع أن هذا الأمر قد واجهه الرسول الكريم في أول الإسلام في الحديث الاتفاقي المشهور: "ما بال أقوام يقول أحدهم أنا أصوم فلا افطر، والآخر أقوم فلا أنام، والثالث يقول لا أتزوج النساء والرابع يقول لا أكل اللحم.... ألا إن أتقاكم لله أنا، ولكنني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني"

على الرغم من ذلك كله فقد سادت لهجة التحريم بوصفها احتياطاً محموداً في الدين وورعاً مطلوباً من رجل الدين، ودليلاً على شدة التمسك بالكتاب والسنة.

ولا أريد هنا أن أكتب في شأن الاعتدال الواجب في الشرع، والذي تقوم عليه آلاف الأدلة والبراهين، ولكنني أرغب بالفعل أن أطوف مع القارئ الكريم مع نصوص غريبة موجودة في القرآن، بكثرة وهي ترفض ذهنية التحريم رفضاً فاطعاً.

 

لقد نزلت سورة رئيسية من السبع الطوال في القرآن الكريم لتبدد فكرة فضيلة التحريم، وتعزز مكانها فضيلة التحليل، وأن الأصل الحِل والإباحة والبراءة، وأن التحريم ظرف خاص وطارئ واستثنائي ومتحول، وليس كما يتصور السادة الورعون الذين يحرمون ما رزقهم الله بغير علم.

في هذه السورة النبيلة (الأنعام) تكررت الآيات التي تتحدث عن بؤس التحريم واعتباره عدواناً على الله تعالى، ولم تتحدث الآيات عن التحليل بوصفه مخالفة للشريعة بل إن التحليل هو الأصل والتحريم هو الاستثناء الطارئ.

وليعذرني القارئ الكريم فلن أستطيع الشرح المفصل وسأكتفي بالسرد لهذه النصوص وهي لا تخفى في دلالتها على كل قارئ.

 

وتتحدث سورة الأنعام بشكل خاص عن قيام رجال الدين العرب من كهنة قريش بتحريم أشكال كثيرة من الأنعام تقرباً إلى الله وحرصاً على الورع والزهادة، ولكن هذا السلوك التحريمي الذي يتوقع أن يكون تعبيراً عن التدين الصارم، أنكرته السورة النبيلة ووضعته في مكانه الصحيح عدواناً على الله ودينه وخدمة للشيطان وديدنه.

في هذه الآية يتحدث القرآن بغضب غير معتاد عن أولئك الذين حرموا بعض الحيوانات ركوباً ولحماً ومنافع تحت عنوان التقرب إلى الله، وهو سلوك كان محموداً في الأديان وعادياً تماماً، ويظهر التقرب الى الله والخشوع منه واتباع أمره، ولكن القرآن أورده بأشد الغضب لأنه تحريم ما ينفع الناس في الأرض:

ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام.... ولم يكتف بإباحة ذلك، بل اعتبر التحريم عدواناً على الإسلام كله وتمام الآية، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون.

ثم يلتفت إليهم في صراحة وشدة:

 قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)،

وفي آية أخرى يغضب أشد الغضب على محرمين آخرين قالوا

وهَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ.

وفي آية رابعة يغضب أشد الغضب من الذين يحرمون الحلال فيقول:

 قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ.

وأمام زحمة التحريم الذي كان يمارسه الكهنة والسدنة ضد كثير من رغائب الناس باسم الزهد والورع، جاء القرآن الكريم شديداً في النهي عن ذلك:

 قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ

ونزلت آيات خاصة ضد نظام لاهوتي متشدد كان يحرم أزواجاً من الإبل والخيل والغنم والبقر، فنهى عن التحريم بشدة وقال:

كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ  ، فاعتبر ان تحريم اللحم على الناس عمل شيطاني كافر، ثم راح يعدد هذه المحرمات التي دعا لها الكهنة ورجال الدين الذين سماهم أعوان الشيطان!!:

 ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۖ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ

 ثم اشتدت الآية في الوعيد على من حرم بعض ما أحل الله من الخيرات واعتبرت المحرمين مجرمين يعادون الله تعالى ويسيئون إلى خلقه:

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

وهناك نحو أربعين آية في سورة الأنعام كلها تتحدث عن غضب الله تعالى من الكهنة وتجار الدين الذين يحرمون على الناس ما أحله الله.

 

وفي سورة الأعراف تأتي الآية أكثر وضوحاً:

 قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

وفي سورة النحل يأمر القرآن المسلمين بوضوح أن الجراءة على الله في تحليل الحرام، أسوأ من الجراءة في تحريم الحلال، وسمى التحريم كذباً ودجلاً فقال:

وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ .

فإلى متى ستستمر المنابر في ممارسة هواية التحريم، باعتباره أفضل الطرق لبناء إيمان متين، وفصل المجتمع المسلم عن الغرب الكافر المنحل؟ وعلى سبيل المثال هذه سلسلة من النداءات الغاضبة التي أطلقها ولا زال يطلقها رجال دين غاضبون في هذا الشرق التعيس، أخرجت جيلاً بحاله من المشاركة في الحياة المتحضرة وأعادته إلى ثقافة الكهوف فتم: 

تحريم الموسيقا، والغناء، والتصوير، والنحت، والمصارف، والسفر إلى بلاد المشركين، وإخاء الأديان، وسفور وجه المرأة، وتحريم سفرها بدون محرم، ومصافحتها، واختلاطها، و قيادتها للسيارة.. إلى آخر سلسلة التحريم التي لا تنتهي، والتي تقوم على اجتهادات محضة أو تأويلات متعسفة لنصوص من الكتاب والسنة.

وقد كان جواب القرآن على هذا اللون من التشدد صارماً وهجومياً:

" وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ".

"قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"

 

 وفي آية واحدة يؤكد أن التحريم إنما ينصرف إلى الشر الذي تعرفه المجتمعات الإنسانية كلها من الفحشاء والبغي والظلم والكراهية والافتراء على الله والنطق باسم الرب، في تحريم ما أنزل الله للناس من خيرات ونعم ومتع وجمال.

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. 

علِّق