عدد القراءات: 4075

ديننا..... ومعركة الدونكيشوت

 

* محمد رامي

 

هي تلك المعركة التي يجد الشاب المسلم البسيط نفسه أمامها فجأة دون سابق إنذار، ودون أدنى شروط الجاهزية حتى!
هي المعركة التي يتوجب عليه فيها محاربة أربعة أخماس العالم من غير المسلمين كونهم "كفار" يتربصون بالدين لهدمه وتقويض دعائم أمتنا.

وإذا أردنا ان ننظر في محيط تلك المعركة فلنبدأ من الحديث الصحيح:
” يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ” ، فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال : ” بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن ” ، فقال قائل : يا رسول الله وما الوهن ؟ قال : ” حب الدنيا ، وكراهية الموت ”
أسطر قليلة وصفت وبدقة حالنا، غثاء كغثاء سيل، حب الدنيا وكراهية الموت، وغيرها من المشاكل التكوينية والتعاملية التي نعانيها اليوم، كلها أدت إلى تداعي الأمم علينا، "المال الداشر بيعلم الحرامي عالسرقة"
نحن في دولنا، يبيع الحاكم الأرض والناس بحساب بنكي أو بدعم سياسي حتى
والحال داخل تلك الدول ليس بأحسن بكثير، واقع بلادنا يبدأ بالعنصرية، ويمرّ بالعبودية، وينتهي بالأنانية وغلبة المصلحة الشخصية.
ومن ثم يتوجب علينا محاربة أربعة أخماس العالم من الـ"الكفار" الذين يتربصون بنا
ذاك الخطاب المقيت، الذي أغفل العمل على إعادة بناء الإنسان المسلم لاعتبارات سياسية أو دنيوية أو أمنية، وشحذَ أقلامه وسيوفه في المعركة الخاطئة.


بنى نور الدين زنكي رحمه الله ومن ورائه صلاح الدين جيلاً على مدى سنوات، بدؤوا بالمدارس وغرس القيم ليتمكنوا بعدها من مقارعة التغول الصليبي -الأوروبي- في بلادهم
بينما يقوم الشحن اليومي السلبي بالنتيجة المعاكسة تماماً، فتجد شاباً يعيش في بلد يحوي أرقى جامعات العالم بكافة الاختصاصات، ويتيح له دخولها بتسهيلات وبأرخص الأسعار، يترك كل ذلك إما ليلبس حزاماً ناسفاً يفجره في ملعب كرة قدم، أو يرتحل إلى دار الإسلام بعد أن ضاق ذرعاً ببلاد الكفار، فينضم لأخوته في دولة الإسلام، ويتطوع لقتال الروافض والكفار نصرة للأرامل واليتامى، فينتهي به الحال بأن يفجر نفسه إما بمقر للجيش الحر من المسلمين، أو بسوق شعبي على أبواب مارع وعندان يفتك بالمدنيين.
هدر وسلخ لكل مورد يمكن أن يفتح ولو باباً للخير، في شوارعنا وبين أزقتنا تطغى عشرات القضايا الإشكالية التي تحتاج لوقفة تفكر وإعمال عقل وتأنٍ وتروٍ، تحتاج لمزاوجة علوم الحاضر مع المنظومة الإسلامية لتكوين الرؤية الصحيحة والموضوعية التي تضمن السلامة في الدنيا والنجاة في الآخرة.
ابتعاد أصحاب الخطاب التكفيري الذي يناصب أربعة أخماس العالم العداء عن علوم الدنيا، وصعوبة قرائتهم للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أدى لغيابهم عن كافة القرارات الهامة والمصيرية التي تركوا الناس يتخبطون بها
وانبروا لقولبة أي حل، أو فكرة حل بقالب "حلال/حرام"


يخرج أهل مدينة في سوريا المنكوبة باقتراح هدنة لوقف إطلاق النار، عندها فقط ترى البيانات الشرعية إما المحرمة لهكذا اتفاقية اعتماداً على القرآن والسنة، أو موافقة لها اعتماداً على القرآن والسنة.
والجواب جاهز، إذا اجتهد وأصاب فله أجران، أما ان اجتهد وأخطأ، وتبعه الناس، فهلك ومات من مات منهم، فله أجر وعليه من الوزر الكثير.
طبعاً لا أتكلم هنا عمن حمل هذا الهم العظيم من أهل العلم وعاش المأساة وسعى لحلها، وقد دفع بعضهم حياته ثمناً لموقفه من اغتيالات طالته في سريره في مناطق متعددة من سوريا اليوم.
وقائمة الأعداء تطول، فبعد المشروع النهضوي الإيراني، وجد الإيرانيون أمامهم دولاً متفككة ركيكة مهترئة، ولاتشكل إلا لقيمات سائغة، وبدؤوا بابتلاعها الواحدة تلو الأخرى، لتنضم إيران سريعاً لقائمة الأعداء الذين يتربصون بنا الدوائر وعلينا حربهم.
روسيا التي كفتنا شرها بعد مجازر أفغانستان والشيشان، عادت لقائمة الأعداء من جديد.


ونحن لازلنا كما كنا، نرى المشكلة بوضوح، أن العالم تكالب علينا، ولانرى أن سبب التكالب هو منا وفينا
حتى حين قامت مشاريع صحوة دفع أهلها كماً هائلاً من الدماء لحملها، بقي الجدل منذ أربع سنوات وحتى اليوم قائماً: هل ماحصل في العالم العربي حلال أم حرام!
وجميع ماتم الاستناد إليه لتبيان حكم الربيع العربي هو حالات مشابهة إما في زمن الحجاج، أو في زمن العباسيين لتقييم ما إذا كان الربيع العربي حلالاً أم حراماً!
بينما أتت إحدى الدول الغربية بخبير عسكري، وخبير سياسي، وخبير اقتصادي، حلل كل منهم الوضع من وجهة نظره أين سيذهب، وماهي نتائج التغيير إن حصل وماهي احتمالية حصوله، فأصابوا في بعض وأخطؤوا في بعض وأعادو التقييم عند كل مفترق طرق
وكان حرياً بنا كمسلمين، بداية أن يكون لنا ولو مرجع مشترك، مشابه لمجمع الفقه الإسلامي بالاسم وليس بالمحتوى الذي ينتج عن اجتماعه السنوي مقررات فلايعلم به إلا المجتمعون
يأتي هذا المجمع بخبراء، مثل أولئك الغربيين إضافة لخبراء بالشريعة الإسلامية ويرون الخلفية لكل تغيير، وعلى ضوئها نصل لنتيجة تنطلق من واقع الناس ولاتخالف شرع الله، بدل أن تنطلق من زمن الحجاج! لضمان توافقها مع شرع الله
رغم بساطة الفكرة إلا أن تطبيقها اليوم شبه مستحيل، فلئن حملت فتوى لعالم من الثقات ثم نزلت بالخريطة 300 كم لوجدت هذا العالم فاسقاً هناك، ولو استبدلت الفتوى واتجهت شرقاً لاختلفت كل المعايير.


بين أيدينا اليوم على الأقل 4-5 نسخ من الإسلام، يقر أصحاب كل نسخة بأن البقية في ضلال مبين، بل ويخرجونهم من الملة حتى، إلى جبهة الكفار المزدحمة، ولاضرر في ذلك فالقاع دوماً مزدحم!
وبالمرور على النسخ لا أملك إلا أن أنوه للمسلمين اليهود، الذين يعتقدون أن الأحكام الصحيحة بين ايديهم، وأن الناس عوام لن يفهموها، فيتبادلونها في جلساتهم الخاصة والسرية، ويحرصون عليها لأنها مفتاح نجاتهم، فهم شعب الله المختار.
خلاصة الكلام، لكل مسلم يحمل هم أمته على هذه الأرض وخاصة من أهل البلدان المنكوبة، ممن لم  يختره الله ليكون في خندق القتال أو في هيئة إغاثة أو في أي جهة على تماس مع الأزمات:
نحن في مرحلة التيه، اصنع نفسك، ابن نفسك، ابن أولادك، أمتنا بحاجة لكل شيء في كل المجالات، ارتق أينما كنت وحيثما كنت فنحن الأمة، قوتنا قوة الأمة وضعفنا ضعف الأمة
الأمة تستمر باستمرارنا، وقضايانا تحيا من خلالنا، ولئن كانت الجولة الآن ضدنا، فعلينا الصمود، والحياة
الانتصار في هذه المرحلة هو الصمود، أن يبقى أولادك في المدرسة انتصار، وأن تبقى تنتج في عملك انتصار، وأن تبقى تمارس عبادتك لله عز وجل انتصار عسى الله أن يأتي يوم يستعملنا فيه لرفع هذا القهر عن هذا الأمة المكلومة

 

------------------

*  من مواليد دمشق، خريج كلية الهندسة جامعة دمشق وأستاذ مساعد سابق فيها
 

علِّق

المنشورات: 4
القراءات: 46236